قرأت للمره الأولى كتاب (الإسلام وأصول الحكم) لكاتبه فضيلة الشيخ المرحوم (علي عبد الرازق) والعجب العجاب أراه وأعبر عنه الآن، إذ أن الكثير من الهجوم في رأيي يبدو منطقياً من الأزهر وقتها ومن العلماء وقتها وفي ظروفها، أما أن يكون الهجوم ممن جعل ما كتب الشيخ المرحوم دستوراً فهذا مريب ورديء.. والتالي يبين مقالي ورأيي الخاص وإجتهادي في تفسير ما حدث.

الحدث:
في العام 1924 أقام مصطفى كمال اتاتورك في تركيا دولة جديدة أقامها على ثلاث أُسس الأول هو القومية التركية التي تعني الغاء أي إرتباط للدولة بأي بقعة أخرى جغرافيا، فالخلافة العثمانية إنتهت وعاد الأمر كما كان..تركيا فقط، الثاني هو العلمانية الكاملة أي الحداثة بمعنى أن النظام ليس علمانياً كاملاً سياسياً وإقتصادياً بل وإجتماعياً أيضاً منهياً الإرتباط الديني لنظام الحكم بإعتبار الخليفة يحكم بإسم الله وبإرادته مع ملاحظة أن المقصود بالإرادة انها من الله جلَّ جلاله وبالتالي العزل منه فقط؟؟؟؟!! وتحيل الأمر لنظام به التولية والعزل من الناس وبهم (مع ملاحظة أن هذا لم يحدث في حياته وظل معطلاً حتى بدايات محدودة عام 1946)، الثالث هو الغاء الثقافة الشرقية – الإسلامية التي صبغت الدولة الإسلامية وتحويلها الى الثقافة الغربية- الأوروبية التي كانت ولا تزال تمثل قمة الرقي العلمي والأدبي وتمثل كذلك النهوض البشري بكل مزاياه وعيوبه (جدير بالذكر أن أتاتورك تجاهل أهم ما في النظام الغربي من مزايا وهو الديموقراطية جاعلاً العلم والفكر هما الهدف والدولة الحديثة معهما خوفاً من ديموقراطية تأتي بالخلافة وهذا في إجتهادي أمر منكر وغريب عن الدولة الحديثة).
مع ذلك الواقع الجلل كانت الفكرة التي سيطرت على الكثيرين من علماء الدين والمفكرين الإسلاميين هي أن الخلافة لا بد من ان تعود مما شجع بعض الحكام ومنهم الملك فؤاد في مصر على تبني الفكرة حتى يحوز لقب وسلطة الخليفة (لاحظوا ان الغرض هو الملك بإسم الدين وهذه الآفة التي لا تريد الإنتهاء..الملك بإسم الدين) ومع هذا الجانب من علماء مقتنعين وآخرين مواليين للملك ظهر الكتاب المذكور كالقنبلة واضعاً أُسس جديدة للحكم مستلهماً مدنية الدولة والتولية على النحو الذي أفصله.

الكتاب وملخصه:
كان الكتاب له أُسس إجتهادية من مؤلفه كالتالي:
-1- الإسلام لم يحدد الخلافة كنظام إجباري للمسلمين وبالتالي ليس علينا إعادتها بل علينا بدء نظم عصرية تأتي من الشعب وتزول منه أي نظم مدنية يُلي فيها الحاكم من الناس ويعزلوه فهم مصدر السلطة ومصدر الإنهاء أيضاً.
-2-الحكم من الناس وبالتالي مسألة الطابع الديني للحاكم غير سليمة فالحكم والسياسة مدنية وبالتالي لا مجال لفكرة الحكم بالإرادة الإلهية.
-3- الدولة المسلمة هي الدولة المدنية لا الدينية بمعنى مرجعيتها البشرية في التنظيم والإدارة والحكم دون وجود أي أمور محددة سلفاً ومجبرٌ عليها جمع المسلمين.
-4- الرسول كان في وضعه الحقيقي رسولاً لا ملكاً أي أن أعماله كلها بصفته الدينية كرسول مبشر ولم يكن ملكاً أو حاكما ً(والمقصود هنا هو في رأيه تأكيد على الطابع المدني للحكم وأن الحاكم ذو صفة مدنية لا دينية) وبالتالي من تتالوا على الحكم من بعده مدنيين لا دينيين ولم يكونوا حكاماً دينيين بقوله (الخلافة لأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ كانت لا دينية؛ مدنية).
-5- الإسلام رسالة فكرية روحية دينية مدنية فهي تترك تنظيم الوضع الداخلي والخارجي للبشر مدنيا بما يوافق توجهاتهم وظروفهم الدنيوية حسب عقولهم وميولهم وشهواتهم (الشهوة بمعنى الرغبات والميول والحاجات لا بمعنى سيء).

• أذكر هنا إتفاقي معه كليةً فيما سبق بإستثناء الجزء الأول منه النقطة 2 فيما يتعلق بالرسول.

ردود الفعل:
كانت ردود الفعل متنوعة حسب الأهواء تارة والأوامر تارة وحسب الميول والإتجاهات الفكرية تارة أخرى على النحوالتالي:

-1-الوفد: كان موقف مثقفى الوفد واضحاً في دعم حرية الرأي مورثين لنا نموذجاً رائعا ً (لم يشوهه إلا سعد زغلول بموقفه) من دعم الرأي الحر والرأي النابع من الفرد كحرية أساسية في الدولة المدنية الحديثة وإتفاقاً مع رأي الشيخ الجليل عن الدولة المدنية وطبيعة الحكم المدني إتفاقا كاملاً على الرغم من كون الشيخ علي عبد الرازق من أنصار ومؤيدي حزب الأحرار الدستوريين المعادين بشدة للوفد بل وتطور الأمر فيما بعد للإتحاد بين الوفد والأحرار الدستوريين في إجتماع الكونتيننتال 1925 وتبنى موقف موحد من وزارة زيوار الغير شرعية، كان هذا موقف الوفد حقيقةً من المثقفين والقيادات من البداية للنهاية (إلا سعد زغلول لحسابات سياسية).

-2- الأحرار الدستوريين: بطبيعة الحال كان الحزب مدافعاً عن الشيخ والكتاب بسبب إحترام الحزب لتراث الليبرالية الذي يقدسونه (وكذلك أنا) ويدفعهم لإحترام كل رأي وإتجاه فكري أياً كان (بإستثناء التكفير وإهدار الدم) وكذلك إتفاقاً مع الششيخ الجليل في الرأي عن الدولة المدنية الحديثة ومدنية الحكم لا دينيته مشتركين مع الوفد في ذلك الدافع وبالإضافة لذلك كان لديهم دافع الدفاع عن أحد مؤيدين الحزب والمدافعين عنه بل وأعضائه لو صدقتنا الرؤية.

-3-المفكرين الليبراليين:كان كل المفكرين الليبراليين مع الشيخ إتفاقاً في الرأي ودفاعاً عن حرية التعبير.

-4- الحكومة: كانت الحكومة حكومة أقلية بها عنصران أساسيان؛ حزب الوحدة المعبر عن الملك فؤاد وحزب الأحرار الدستوريين (لا ينفي موقفه سوء تقديره للأمور بكونه شريك في جريمة حكم بلا شرعية) ومع وقوف الحكومة ضد الكتاب (المقصود الموقف الرسمي لها وهو موقف حزب الوحدة) كان المقصود طبعاً هو تنفيذ تعليمات الملك فؤاد بالتنكيل بالشيخ لأنه يهدد عودة الخلافة على يديه لكي يحوز مزيد من السلطة والقوة والتثبيت، أدى ذلك لشقاق عنيف تجسد بعد فصل الشيخ من جبهة وزمرة العلماء بالأزهر مما دفع فهمي باشا للإحتجاج ثم فصله من الوزاره فإستقال حزبه بالكامل مما أدى لسقوط الوزارة (مع ملاحظة أن الأحرار أصلاً وفديين إختلفوا مع سعد باشا زغلول بعد العودة من الخارج من باريس) وتكوين وزارة أقلية جديدة هي وزارة زيوار، ما يهمني هنا هم موقف الحكومة الرسمي الذي نكل بالذي تجرأ ورفض الخلافة لفؤاد مما يهدد المكاسب السياسية القادمة.

-5- الأزهر: في تلك السنوات ومع سقوط ما تبقى من ما كان إسمه الخلافة العثمانية كان للكتاب صدى هائل عند علماء الأزهر وعن كانوا قسمين؛ قسم هاجم بشدة طمعاً في رضا السلطان وعطاياه وهو قسم قليل كان متكسبا ً (وبالمناسبة لا زال موجود الى لحظة كتاب السطور) وقسم آخر هو الأكبر كان مؤمناً بالخلافة الكبرى وجد فيما تمت كتابته نيل من جهود عودتها للوجود مما يشكل إساءة وخطر على الدين فكان موقفهم، وفي النهاية أن تم فصله من الأزهر وسحب العالمية وطرده من زمرة العلماء (تمت عودته ثانيةً للأزهر في عهد فاروق وإعادة ما سُحب منه إعترافاً بالخطأ الذي وقعوا فيه جميعاً).

6-الإنجليز:المنطقي هو أن يكون الإنجليز معه ولكن المضحك (وهذا درس في السياسة) أن الإنجليز كانوا صامتين راضين أن يكون (حديث) الخلافة موجود بالبلاد لصالح فؤاد دعماً له ضد الوفد وضد الحركة الوطنية، أي أنهم كانوا بوضوح من أنصار أن تكون أحدايث الخلافة لفؤاد ربيبهم الذي ولوه بوضوح الحكم راضين عنه وإن صار هو الخليفة فيا حبذا فلن يكون إلا مطين تركب الدين لإدخال المسلمين لحظيرة الخرس على الإحتلال بإسم الدين في مصر وكل انحاء الخلافة.
-7-سعد زغلول: هنا أجد موضوع المقال وهو كارثة ما قال سعد زغلول ولو كان هذا رأيه لما إهتممت ولقلت أن هذا الرأي يجب إحترامه إتتباعاً للمبدأ العام وإن إختلفنا معه، لكن الكارثة ان الرأي كان كذب في كذب، قال سعد زغلول (الذي أحترمه وأقول به كزعيم حقيقي للأمة وأجعل حزبه هو المستقبل إن صحح مساره وأعتبره مؤسس السياسة الحديثة بمصر وأعلن نفسي من محبيه وجاعليه نموذج لليبرالية مع إعتباري له بشراً له سهوات وسقطات ومآخذ كغيره) قال أن الكاتب أساء وطعن في الإسلام لأنه جعله غير مدني وكذلك قال بأنه لا يصلح للأمور المدنية وأبدى إندهاشه من كتابة الكاتب عن الزكاه (لاحظوا اللفظ الذكي المناور) وقال بأنه يرى فيه طعناً في الدين أكثر من المستشرقين أنفسهم وذكر بأن الأزهر على حق فيما فعل من فصله.
هنا أضحك والله فلو كان مصطفى كامل حياً وقال هذا لتفهمت الأمر لكون الأخير من زعماء الحركة الوطنية التي تناهض الإحتلال وتؤمن بكون مصر ولاية عثمانية لكن أن يقول سعد زغلول ذلك فهو عجيب وتلك الأسباب:
-1- رفض الشيخ الخلافة كنظام لا يتفق مع الدولة والعصر وكذلك سعد زغلول الذي نادى بمصر مستقلة وحديثة ومدنية لا دينية وتُحكم بالشعب ويعزل الشعب حكامها أي الدولة المدنية وهو ما هاجمه في قول الشيخ الراحل وكتابه.

-2- قال سعد زغلول أن الشيخ قال بأن الإسلام ليس مدني وهو قول مؤسف فأول ما قاله الشيخ أن الإسلام دين مدني جعل الدولة مدنية في الحكم والتنظيم والإدارة وليست دينية وان الحاكم مدني وليس ديني.

-3- قال سعد زغلول بذكاء (لا أعرف كيف يتكلم أزهري بهذا عن الزكاة الم يتعلم شيءبالأزهر؟) وهو قول يهيئ لمن يقرأ أن الشيخ نفى كون الزكاه من الدين فى حين أن ال20 سطر قالوا بأن المرتدين عن الإسلام كانوا شقين خلطوا معاً بغير حق شق إرتد و بعضهم إدعى النبوه و شق آخر كان مسلماً لكن رفض بيعة أبى بكر و هم كذلك سموهم بالمرتدين لرفضهم إعطاء الزكاه لأبى بكر لكونهم لا يقروا خلافته و بالتالى كان من الظلم إعتبارهم مرتدين كغيرهم و ضرب نموذج خالد بن نويره الذى قال لخالد بن الوليد أنه مسلم لكن لا يؤدى الزكاه لأبى بكر لعدم إيمانه بتوليته فقتله خالد مما أثار غضب الفاروق بن الخطاب بشده و قال لأبى بكر أن يقتل خالد لقتله (مسلم) و رفض أبى بكر معتبراً(و عنده حق) ان هذا إجتهاد خاطئ من بن الوليد لا ينهى أو ينفى فضله و جهاده أى أنه قدم الدليل على صدق ما قاله و نموذج سنى و ليس شيعى و بالتالى تعمد سعد زغلول قول ذلك للإيحاء بأن الشيخ يرفض الزكاه!!!
السبب فيما قال سعد زغلول هو النكايه فى حزب الأحرار الذى منه الشيخ الجليل إنقتاماً من إشتراكه فى حكومة أقليه إنتزعت الحكم بغير حق من الوفد و كحلقه أخرى من الخصومه بين الوفد و خصمه اللدود الأحرارالدستوريين لاأكثر.