توضيح واجب في البداية: هذه القراءة للمشهد ليست وليدة الساعة ولا هي نتاج للأحداث الأخيرة … ولكنها تعبر عما اقتنعت به منذ الأيام الأولى للثورة الشعبية في مصر وقبل تنحي الرئيس السابق … ولمن يريد التحقق يمكنه ذلك عن طريق الرجوع الى كتاباتي في منتدى محاورات المصريين خلال أيام الثورة وبعدها. وقد رأيت أن أبدا بتوضيح هذه النقطة حتى لا اتهم بالقراءة اللحظية والانفعالية للأحداث والمواقف وبالتالي عدم الموضوعية في الطرح.

جوابي على السؤال المطروح في العنوان كان – وما زال – أن الجيش المصري قد نزل بدباباته يوم 28 يناير الى الشوارع لحماية النظام من السقوط. وهذا بالطبع يتناقض مع التفسير الرسمي الذي يدّعي أن الجيش قد نزل لحماية الثورة وأن المجلس العسكري هو الذي أسقط النظام استجابة لإرادة الشعب. ولإثبات وجهة نظري دعوني أطرح السؤال التالي: إن كان الجيش قد حمى الثورة … فممن ومن ماذا حماها؟ لقد كان الثوار قرب نهاية يوم جمعة الغضب قد حققوا نصرا حاسما على قوات الأمن المركزي وبعض قوات الحرس الجمهوري التي ساندتها بتضحيات جسيمة من دمائهم وعرقهم وكان الطريق أمامهم مفتوحا بعد تحييد جهاز الأمن للسيطرة على الجهاز الإعلامي للدولة وتوجيه البيان الأول للثورة معلنين سقوط النظام فعلا، ولكن ماحدث أن قوات الجيش قد نزلت في لحظة حاسمة لحماية وزارتي الإعلام والداخلية فجمدت الثورة وحصرتها في الميادين دون الوصول لمواقع التأثير المفصلية في الدولة.

لنفهم ما حدث ومسبباته علينا أن نعود خطوة الى الوراء ونلقى نظرة على النظام السياسي في مصر منذ انقلاب يولو 52 الذي تحول بعد ذلك الى ثورة بالتفاف الشعب من حوله … فبعد سنوات قليلة من الحكم العسكري المباشر أدرك العسكر أن مصر أكبر وأعقد من أن تحكم بالزي العسكري وأن من مصلحتهم ومصلحة الجيش ألا يظلوا في الواجهة بل أن يحيطوا أنفسهم بقشرة مدنية تشكلت في البداية من السياسيين والمفكرين والإعلاميين (في عهد عبد الناصر) ثم طغى عليها رجال المال والأعمال في عهدي السادات ومبارك. كانت وظيفة هذه القشرة منح شرعية داخلية وخارجية للنظام عبر مجالس برلمانية شكلية والعمل كحاجز لامتصاص الإحباط الشعبي وتشتيته في مسالك جانبية دون وصوله الى القلب الصلب لنظام الحكم ممثلا في الرئيس ذو الخلفية العسكرية والعسكر من وراءه، وقد أدى تضخم هذه الطبقة وفسادها في عهد مبارك، ومحاولتها اكتساب شرعية مستقلة اعتمادا على شبكة المصالح المالية والسياسية التي بنتها، والتي كانت أبرز تجلياتها مشروع توريث السلطة، الى حالة سخط في صفوف قيادات الجيش، ونشأ تنافس بين الجناحين المدني والعسكري للسلطة حيث دعم كل منهما نفسه بما كان ينقصه فكون القادة العسكريين امبراطورية اقتصادية ضخمة مستقلة عن ميزانية الدولة، وكون الجناح المدني قوة أمن داخلي هائلة الحجم والإمكانيات يستخدمها لحماية مصالحه وتمرير مشروع التوريث، وظل الرئيس هو نقطة الاتزان بين هذين الجناحين وواجهة النظام داخليا وخرجيا.

وعندما هزمت قوات الأمن يوم جمعة الغضب أدرك الجيش أنها فرصته لإنهاء مشروع التوريث الى الأبد واستعادة السيطرة على الأمور والتخلص من القشرة المدنية الفاسدة، ففرض على الرئيس تعيين نائب ورئيس وزراء عسكريين واستبعاد ما يمكن أن يطلق عليه “الحرس الجديد” من الحكومة وانهاء الحزب الوطني عمليا (مع ترك مقاره تحترق لأيام دون أن يتدخل أحد لإنقاذها، بما لذلك من دلالة رمزية)، ثم استغل الضغط الشعبي في إجباره على التنحي ضمن صفقة تعهد فيها بحمايته وعائلته من الملاحقة القانونية وعدم السعي لاستعادة الأموال المنهوبة، باختصار، اراد قادة الجيش أن يعودوا بالبلاد الى شرعية يوليو، مع تحقيق نوع من الديموقراطية الشكلية بالتحالف مع قوى المعارضة التقليدية والإسلاميين المحافظين والصف الثاني من فلول النظام ضمن برلمان متوازن مع السعي لإيصال رئيس موالي لهم الى سدة الحكم عبر انتخابات يتم اختيار توقيتها وتحديد إجراءاتها بعناية لقطع الطريق على القوى المدنية التي تريد تجاوز الحكم العسكري برمّته وصولا الى دولة مدنية وديموقراطية كاملة.

لقد أدار العسكر معركتهم ببراعة فلم يتدخلوا ضد الشعب عندما أمروا بذلك في لحظة يأس من الرئيس السابق، متذرعين بأن ذلك سيؤدي بالضرورة الى تمرد في الجيش تستحيل السيطرة عليه (وهم محقّون في ذلك)، وفي نفس الوقت لم يتدخلوا ضد قوى الأمن وفلول النظام لحسم المعركة حتى يبعدوا عن أنفسهم شبهة الانقلاب العسكري وحتى يتمكنوا من استخدامها في مرحلة لاحقة للسيطرة على الأوضاع، وأوهموا قطاعا كبيرا من الشعب بأنهم مع الثورة وهم من حموها (مستغلين ارتباط الشعب بجيشه والصورة المثالية التي يحملها له) واعترفوا بمشروعية المطالب ووضعوا أنفسهم ضامنين لتحقيقها، مستبعدين بذلك القوى المدنية التي أشعلت الثورة وقادتها من مواقع التأثير ومحاولين تشتيتهم وإنهاكههم في معارك داخلية وفرعية حتى يتسنى لهم تحقيق مخططهم في بناء قشرة مدنية جديدة حولهم يستطيعون أن يحكموا من خلالها محتفظين بكامل نفوذهم وامتيازاتهم الموروثة من العصر السابق.

إن المعركة اليوم بعد إسقاط رأس النظام السابق قد دخلت مرحلتها الثانية لتصبح بين من يريدون العودة الى شرعية يوليو وحكم العسكر وبين من يريدون تأسيس شرعية جديدة قائمة على ثورة يناير، شرعية مدنية ديموقراطية تحصر دور الجيش في ثكناته ويقود فيها المدنيون الدولة، وبينهما مشروع ثالث لدولة سلطانية يتم استحضارها من غياهب التاريخ، محكوم عليه مقدما بالفشل لاعتبارات الواقع، ولكنه ما زال يناور ويعقد التحالفات التكتيكية مع الطرفين مراهنا على كتلة جماهيرية استطاع جذبها لصفة بسلاح الدين واستحضار خيالات الماضي المثالي.

إن عجلة التاريخ لن تعود الى الوراء، وإن قيم التقدم والحداثة ومشروع الدولة المدنية الديموقراطية منتصر في نهاية المطاف لا محالة، وتبقى إجابة السؤال حول الزمن والثمن المطلوب دفعه لتحقيق هذا الانتصار رهنا بوعي الشعب واستعداده للتضحية في سبيل تحقيق هذا الهدف.