لفكر هو مسألة شخصية، ملك خاص للأفراد، فهو نتاج تجاربهم وواقعهم ومحيطهم الذي يعيشون فيه، وهو متغير وليس ثابت ، يتطور بمرور الزمن مع تراكم التجارب التي نعيشها ، فبالإمكان أن يتشابه أو يتلاقى فكر مع الأخر لكن وفي أخر المطاف يبقى لكل فكر خصوصيته ويبقى منفردا عن غيره جزئيا أو كلياً ، ففكرك هو أنت ، هو هويتك، وهو بمثابة بصمتك ألجينية ، لو أردت أن تحارب أي فكر مخالف لفكرك فما عليك إلا أن تحارب كل الناس، فكلنا مختلفين في فكرنا.

وهنا علينا أن نبحث ونجد إجابات لعديد التساؤلات المتعلقة بحرية الفكر قبل أن نتحدث عن الحرية والديموقراطية، فالإنسان هو مرتبط بفكره، ولذلك، عندما نتحدث عن ضمانات وقوانين تحمي الحريات، فذلك لن يتحقق إلا من خلال حرية الفكر . ففكري هو ملكي الخاص لا حق لأحد أن يشاركني فيه أو يكون وصياً عليه ولا يجب أن تكون هناك قوانين نشرعها ونفرضها على عقول الناس نحدد من خلالها سلوكيات ومنهجيات فكرهم.

الفكر بالنسبة لي هو مفهوم قابل للتطور والتحول بحيث يكون في مفهومه أو شكله كفكر فقط إذا قررنا أو ألزم علينا سجنه في عقولنا وحكمنا عليه بالموت ، حتى وإن كان من المستحيل بنظري على أي فكر ما أن يموت، فهو يتحول جزئيا إلى فكر أخر مغاير بدون أن تموت أو تمحى أسسه التي تكون عليها، بل يتشكل فقط في مضمون مغاير جديد، متأثراً بالتجارب التي يمر بها أو يركن للنوم والجمود قابل أن ينتفض ويستيقض في يوم ما.

أما إذا أصبح معتوقاً فهو يتحول ويتطور إلى شكل أو مفهوم أخر بما يسمى بالفكر الحر ، فالفكر لا يعتبر فكراً إن لم يكن حراً ، الفكر الحر ليس فقط عندما يكون منعتقاً من كل الموروثات والثوابت المعلبة ، بل عندما يتنفس ويشتم الهواء ويرى النور ، وذلك لا يتم إلا من خلال التعبير به بشتى السبل، إن كان بالقول، بالرسم، بالرقص، بالكتابة إلى اخره من أشكال التعبير، فالذي يقول لي فكر بحرية بدون أن تعبر، كمثل الذي يقول لي تكلم وبصمت. الفكر كالجنين في بطن أمه، يتكون ويتطور وإن لم يرى النور ويخرج للدنيا فهو سيموت ويميت الجسد الذي هو فيه. لا معنى لفكر حر بدون حرية تعبير وحتى العكس صحيح، حيث لا فائدة بأن نعبر بدون أن يكون لنا فكر حر.

في الأخير، تبقى هناك عديد التساؤلات القابلة للنقاش، مثلاً ، هل هناك فكر شرير وفكر طيب، فكر مجرم وفكر ملائكي، فكر مزعج وفكر خفيف الظل، وماهي المقاييس والثوابت التي نستطيع من خلالها أن نحاكم بها فكر الأشخاص أو نثبت بها شرها أو جرمها أو خطورتها وكيف سنعاقبه وبماذا سنقاومه ؟ هل يمكن مثلاً إعدام الفكر ؟ هل يمكن سجن الفكر ؟ ومن سيقوم بذلك وكيف ؟

كل ما استطيع قوله، هو أن خطورة الفكر تكمن فيسعيه في فرض نفسه على الأخر ومحو كل ما هو فكر مختلف عنه، وأيضاً بسعيه إلى ألمساس بالأفراد والتحريض على العنف بكل أشكاله، إن كان جسديا، لفظياً أو رمزياً