شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تناميا ملحوظا لأشكال و صيغ الاحتجاج ، ففي أكثر من مناسبة  و بدرجة تصاعدية و بوتيرة متسارعة لاحت حركات احتجاجية مختلفة النوع و الدرجة و المطالب  و هي تمارس فعلها و سلوكها الاحتجاجي ، الشيء الذي جعل العديد من المتتبعين السياسيين و الحقوقيين يطلقون على هذه الموجة الاحتجاجية المتنامية ، بربيع الاحتجاجات بالمغرب خاصة بعد حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 .

فالحركات الاحتجاجية باتت واقعا متجذرا في المجتمع المغربي ، لأسباب تاريخية كثيرة و مركبة تمتح من مجموع التمردات و الانتفاضات و المظاهرات ذات البعد الجماهيري التعبوي ، التي عرفها المغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى الآن أي منذ انتفاضة الدباغين بفاس سنة 1873 ، مرورا بحركة الجيلالي الزرهوني بوحمارة سنة 1902 ، و انتفاضة الاسكافيين بمراكش سنة 1904 ، و انتفاضة الدار البيضاء 1952 ، وصولا إلى الانتفاضات التي عرفها مغرب الاستقلال و خاصة تمرد عدي أوبيهي سنة 1957 ، و انتفاضة الريف 1958 ، و انتفاضة 23 مارس 1965 ، و انتفاضة 20 يونيو 1981 ، و انتفاضة يناير 1984 ، و انتفاضة 14 دجنبر 1990 ، إضافة إلى باقي المظاهر الاحتجاجية الأخرى التي عرفتها العديد من المدن ، خاصة ابتداء من سنة 1990 حيث سيتأكد الملمح الشبابي للفعل الاحتجاجي بالمغرب ارتباطا بملحاحية المسألة الاجتماعية ، و اتصالا بالتشغيل و إعادة إدماج هوامش المدن .

لقد تغير مفهوم الاحتجاج في المغرب ، مع ما يرافق هذا المفهوم من تمثلات و ممارسات من صيغة الإضراب ، إلى ظاهرة استغلال الفضاء العمومي عبر تجريب عدد من الأشكال الاحتجاجية ، كالوقفات و المسيرات و الاعتصامات و الإضراب عن الطعام ، متجاوزا بذلك و بشكل نسبي بعض إمكانات صناعة العنف و العنف المضاد التي كانت تبصم اشتغاله و ديناميته في أوقات فائتة . هذا التنامي الملحوظ الذي عرفه الفعل الاحتجاجي بالمغرب من جهة و التطور الممارساتي الذي عرفته أشكاله  و صيغه من جهة ثانية ، فضلا عن تنوع جذوره و مساراته ، كلها مبررات موضوعية لا ذرائعية ، توجب ضرورة مقاربة موضوع الحركات الاحتجاجية بالمغرب و الظاهرة الاحتجاجية عامة و مسار حركة 20 فبراير بصفة خاصة كحركة احتجاجية ، شبابية ، مطلبية جديدة ، و ذلك من أجل تعميق النقاش حولها  و النظر في شروط إنتاج و إعادة إنتاج السلوك الاحتجاجي التي تعتبر حركة 20 فبراير إفرازا واقعيا له ، مع ما يعنيه ذلك من انفتاح على الآليات الجديدة لاشتغال النسق الاحتجاجي بالمغرب ، و معرفة مسار حركة احتجاجية جديدة ، أثبتت الحضور البنيوي للفعل الاحتجاجي في الوعي الجمعي للمغاربة و تجذره في النسق الاجتماعي المغربي .

تثير حركة 20 فبراير أسئلة سياسية و سوسيولوجية لا حد لها ، فهذه الحركة التي ولدت من ربيع الديمقراطية العربي الذي انطلق من تونس و شمل العديد من الدول العربية ، تعطي نموذجا واضحا عن الحركة الاحتجاجية المغربية في المقام الأول ، باعتبارها منتوجا سوسيولوجيا منغرسا في النسيج الاجتماعي و الثقافي السياسي المغربي . لقد كانت الانتفاضات العربية بما حملته من طقوس احتجاجية  و ثورية جديدة هدفها تغيير الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية للجماهير العربية المقموعة منذ سنوات ، هي العامل المركزي الذي خلخل الصيرورة التاريخية و السوسيولوجية للمجتمع المغربي الراكدة منذ سنوات خلت ، حيث تحول الربيع العربي إلى ثقافة سياسية متنقلة ، سرعان ما وصلت إلى المغرب بفعل تكنولوجيا الاتصالات المتطورة حاملة معها شعارات الثورة و المطالبة بالتغيير . و هكذا فقد ساهمت موجة الدمقرطة في العالم العربي في انبثاق حركة 20 فبراير من طرف شباب مغاربة، أطلقوا دعوات للاحتجاج و التظاهر ضد كل الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و السياسية المتردية ، في فضاء القارة الفايسبوكية انطلاقا من أرضية تأسيسية مطلبية تضم 20 مطلبا أساسيا ، اتفقت عليها كل مكونات الحركة بمختلف توجهاتها السياسية و الايديولوجية ، سقفها السياسي هو الانتقال من ملكية تنفيذية إلى ملكية برلمانية حيث الملك يسود و لا يحكم و كل السلطة و السيادة للشعب .

أصبحت الحركة مطلبا منغرسا في قلب النسيج الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي المغربي ، حيث انضمت إليها فئات واسعة غاضبة على الأوضاع الراهنة ، فقد استطاعت حركة 20 فبراير أن تجمع بين مصالح و تطلعات فئات اجتماعية متباينة سوسيو اقتصاديا ، و متباينة الخلفيات الثقافية و الايديولوجية،  و تقنعها بضرورة الانخراط في هذا النسيج الاحتجاجي الطامح إلى التغيير الأفضل ، و لذا فالكل شاهد الحركة الاسلامية بجوار الحركة اليسارية و الأمازيغة و المستقلين أيضا . و شارك في كل الوقفات  و المسيرات الفقراء و العاطلين الرافعين لشعار العدالة الاجتماعية ، جنبا إلى جنب مع نخبة مدنية علمانية رافعة لشعار الحريات الفردية و المساواة بين الجنسين و المطالبة بدستور ديمقراطي مدني ، إضافة إلى رجال الأعمال المشتكين من فساد الحقل الاقتصادي و ممارساته الزبونية . لذا فبناءا على هذا المشهد السوسيولوجي المتعدد ، تبرز قوة و فرادة حركة 20 فبراير على مستوى تباين توجهات مكوناتها و مطالبها الجوهرية و الثانوية ، و الأسباب الذاتية و الموضوعية التي دفعت فئات واسعة من المجتمع المغربي لقبول نداء الاحتجاج و الخروج للشارع .

ساهم تجذر الفعل الاحتجاجي في بنية المجتمع المغربي ، في إفراز هذه الحركية الاحتجاجية الجديدة     و السلمية . فقد استحضر شباب حركة 20 فبراير كل ثقافة الاحتجاج المغربية في الماضي ، و استفادوا من دروسها التنظيمية و الآليات الاحتجاجية لتصريف مواقفها و مطالبها ، و ابتكروا أساليب جديدة للتظاهر اعتمادا على تكنولوجيا الاتصالات التي تسهل عملية تبليغ المعلومات ، و تسويقها خاصة في المواقع الاجتماعية . كان لتراكم تجارب الحركة الاحتجاجية بالمغرب دورا مهما في بروز فكرة 20 فبراير الاحتجاجية ، التي اعتبرت أن كل الحركات الاحتجاجية السابقة في تاريخ المغرب بلغت بؤرة فعاليتها ، لذا فهذه المعطيات الدقيقة للبعد السوسيوسياسي الذي ساهم في بروز حركة 20 فبراير ، تحيلنا على ثقافة متميزة للاحتجاج لدى الشباب المغربي الذي ألهبته شعارات ربيع الديمقراطية العربي و خصوصيات الفعل الاحتجاجي المغربي ، و من الأكيد أنه في ضوء صيرورة التطور التاريخي للحركة الاحتجاجية المغربية ، ” فالاحتجاج يتحول عبر عمليات الانتاج و إعادة الانتاج إلى نمط ثقافي يؤسس لذاته و موضوع في سياق التبادلات الرمزية التي يحفل بها الحقل المجتمعي ” ، كما يقول الباحث السوسيولوجي الأستاذ عبد الرحيم العطري .

انبثقت حركة 20 فبراير في ظل حقل سياسي مغربي ، يتسم بالبؤس و ضعف الفاعلين السياسيين الذين يتحملون مسؤوليتهم في عرقلة التغيير و تعطيله نظرا لتبعيتهم لأجندة الدولة . فهذه الأخيرة إلى حدود الآن أي بعد 12 سنة من حكم الملك محمد السادس ، اشتغلت في علاقتها بالحقل السياسي بنفس منطق الإصلاح الذي اشتغلت من خلاله في فترات سابقة ، فالاصلاح بالنسبة للبنية المخزنية هو المخرج الوحيد خلال لحظات الاحتقان و التوتر ، و هذا ما عرفته علاقة الدولة بمفهوم الاصلاح خلال فترات تاريخية سابقة . لذا تفاعلت حركة 20 فبراير مع هذا الواقع السياسي ، لإعادة ترتيب الحقل السياسي المغربي الذي لم يقدر على بلورة سياسية تحديثية للمجتمع و الدولة . فالحركة حاولت أن تؤسس لمفهوم حداثي للدولة ، من خلال مطالبتها بمراجعة علاقتها بالمجتمع ، و استنكار آليات الانتقال الديمقراطي التي باتت شعارا فارغا من أي محتوى سياسي ملموس أو موضوعي .

لقد كان مطلب الملكية البرلمانية هو أولى مطالب الأرضية التأسيسية لحركة 20 فبراير ، فهذه الأخيرة أبانت من خلال تركيزها على هذا المطلب السياسي سواء في مسيراتها و شعاراتها و خطابها السياسي الموجه للمواطن المغربي ، أن الملكية في المغرب في حاجة إلى مشروعية سياسية جديدة ، فالشرعية التاريخية و الدينية لم تعد لوحدها كافية لردم الفراغات بين المؤسسة الملكية و المجتمع المغربي . فالحركة اقتنعت بأن التغيير في ظل ملكية تنفيذية تتحكم في كل السلطات ، من شأنه أن يعيد إنتاج نفس الوضع السياسي المرفوض ، لأنها تريد التأسيس لثقافة سوسيوسياسية حداثية جديدة مع المؤسسة الملكية ، من خلال مطالبتها بمراجعة الفلسفة السياسية و الاجتماعية و التنموية للنظام السياسي، فالمتتبع لشعارات الحركة يلاحظ الربط الجدلي بين التنمية من جهة ، و الحرية و الديمقراطية و الحقوق المدنية و العدالة الاجتماعية من جهة أخرى ، فلا يمكن بناء مفهوم التنمية على مستوى أرض الواقع ، في ظل مجتمع يعاني من التهميش و الفقر و الرشوة و الفساد الإداري و الإفلات من العقاب و المحاسبة و عدم استقلال القضاء و تبعيته للسلطة التنفيذية .

يمكن التأكيد على ضوء الإيحاء السوسيو احتجاجي لحركة 20 فبراير ، أن خروج الشباب المغاربة للتظاهر كان ضد وضع اجتماعي و اقتصادي اعتبروه فاسدا ، و وضع سياسي ضعيف إيديولوجيا و تنظيميا و سوسيوثقافيا فاقدا لمقومات الحياة السياسية بمفهومها الحديث . فلذا طالبت الحركة بإسقاط الحكومة و حل البرلمان بناء على اقتناعها بأن الحكومة ضعيفة و أغلبيتها هشة ، و البرلمان مؤسسة صورية لا تنصت للمجتمع و لا تعبر عن مطامحه و تطلعاته ، ففي ظل وضع سياسي غير ممأسس و فاقد لثقة الشعب ، يمكن القول إن المعارضة السياسية في المغرب توجد في الشارع بمعنى آخر في الحقل الاجتماعي ، و هذا ما مثلته الجماهير الشعبية التي خرجت يوم 20 فبراير و 20 مارس و غيرها من المسيرات التي عرفتها المدن المغربية ، مما يوضح على أن الحقل السياسي المغربي فشل في التجسيد السوسيوسياسي لتطلعات المجتمع المغربي و مطالبه الملحة ، و قد كانت النسبة الكبيرة لمقاطعة المغاربة لصناديق الاقتراع خلال انتخابات 2007 خير تعبير عن هذا الفشل الذريع للفاعلين السياسيين ، مما شكل فراغا سياسيا في الحقل السياسي و الاجتماعي و الثقافي ، و شكل خللا بنيويا  لم ينتبه إليه أي أحد إلا بعد 20 فبراير .

أثبتت حركة 20 فبراير أنها قادرة على تجميع التشظي الذي كان يعرفه الحقل الاحتجاجي بالمغرب ، لكنها بقيت في مستوى حركة احتجاجية و لم ترق إلى حركة اقتراحية لذا ظلت شعاراتها فضفاضة  و لم تبلور برنامجها السياسي و الاجتماعي الاستشرافي ، و لم تحمل مشروعا للحداثة المغربية قادر على تجاوز حالة التردد التي تعيشها الانتلجنسيا المغربية ، للدخول في مرحلة بناء المشروع الديمقراطي الحداثي الفاعل على جميع الأصعدة .

حسام هاب :

مناضل بالشبيبة الاتحادية

و ناشط بحركة 20 فبراير تنسيقية الدار البيضاء