كيف تحافظ مجموعة قومية على حدودها؟  يقدم (دانيال ماير) هذه المسألة في مقالته Mariages sur la frontière du groupe national: Normalité et transgressions dans les unions matrimoniales libano-palestiniennes au Liban المنشورة في عدد شتاء عام ٢٠٠٨ من مجلة Cultures & Conflits والمتاحة للقراءة مجاناً على موقع المجلة.

يذكر (ماير) أن سياسة الدولة اللبنانية تجاه اللاجئين الفلسطينيين من أكثر السياسات تمييزاً في العالم العربي.  فالدولة لا تعترف بأنهم لاجئون أصلاً وإنما تعتبرهم مجرد « أجانب ».  وقد أنشأ القادة السياسيون اللبنانيون ما هو بمثابة حدود قانونية بين المواطنين اللبنانيين واللاجئين الفلسطينيين في أعقاب الحرب الأهلية (١٩٧٥-١٩٩٠).  ويؤكد المؤلف أن جزءاً كبيراً من الانتماء القومي اللبناني أصبح يعتمد على احتقار اللاجئين الفلسطينيين، الذين تم تحميلهم مسؤولية الحرب.  ويرى (ماير) أن دراسة الزواج بين أعضاء مجموعتين قوميتين قد تلقي الضوء على الطرق التي يتم بها تحديد الحدود الرمزية بين المجموعتين.  قد يتجاوز الأفراد هذه الحدود ولكن بشروط.  فيُعتبر الزواج بين لبنانيين وفلسطينيين مشلكة في حالات معينة بينما يُعتبر عادياً في حالات أخرى.

يقدم المؤلف عدة بيانات أساسية عن الموضوع، وأهم العوامل التي قد تسهّل هذه الزيجات أو تحول دونها، وفقاً لنتائج بحثه الميداني.  يذكر أن الزواج في لبنان ليس اتفاقاً بين فردين فحسب، بل يعبر عن التزام وتقدير متبادليْن بين عائلتين.  ويصعب الزواج بشكل عام بين عائلتين لا تنتميان إلى نفس الطائفة أو بين عائلة لبنانية وعائلة أجنبية.  وليس هناك زواج مدني في لبنان فيخضع الزواج لقانون الأحوال الشخصية الخاص بكل من الطوائف الثماني عشرة.  لذلك فإن الزواج بين امرأة مسلمة ورجل غير مسلم ممنوع، على سبيل المثال.  وليس من حق امرأة لبنانية أن تعطي أبناءها جنسيتها إذا كان أبوهم أجنبياً، حتى ولو وُلدوا في لبنان، مما يمنعهم من العمل في بعض المهن.  وعلاوة على ذلك فإن المرأة الفلسطينية التي تتزوج لبنانياً تحصل على إقامة لبنانية فوراً، ثم الجنسية اللبنانية بعد عام من الزواج، بينما الرجل الفلسطيني الذي يتزوج لبنانية لا يحصل على إقامة ويظل لاجئاً.  ويحدث الزواج بين لبنانيين وفلسطينيين خاصة بين مسلمين، فإن تجنيس الفلسطينيين المسيحيين في لبنان تم بشكل جماعي في الخمسينيات.

ويؤكد (ماير) مع ذلك أن المتغير الطائفي ليس أهم المتغيرات التي تتحكم في احتمال هذه الزيجات، فإنه يبدو أن المتغير الجغرافي أهم.  وذلك أولاً لأن معظم هذه الزيجات تتم في جنوب لبنان، حيث استقر معظم الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى لبنان بعد تهجيرهم من فلسطين في عام ١٩٤٨.  كما تتم خاصة خارج المخيمات الفلسطينية.  ويذكر المؤلف أن نصف اللاجئين الفلسطينيين تقريباً في لبنان يسكنون خارج المخيمات.  وثانياً فإن القرب الاجتماعي المرتبط بالقرب الجغرافي بين عائلات تسكن في نفس الأحياء، هو أحد أهم العوامل التي تسهّل الزواج فيما بين المجموعتين، حتى وإن كان اللبنانيون من الشيعة والفلسطينيون من السنة.  أضف إلى ذلك متغيراً زمنياً، فكلما كان الفلسطيون أقوياء في لبنان بشكل عام (خاصة في أوائل السبعينيات)، كلما سهل الزواج بينهم وبين اللبنانيين.

ثم يقسم الباحث الزيجات بين المجموعتين إلى ثلاثة تصنيفات.  إن التصنيف الأول يحتوي على الزيجات التي لا تُعتبر اختراقاً للأعراف الاجتماعية فلا تسبب صراعاً في العائلات التي تشارك فيها، حتى ولو كان الزوج والزوجة من طائفتين مختلفتين.  ويتم الزواج بهذه السهولة خاصة بفضل المجاورة وبين عائلات ذات الدخل المنخفض.  وفي التصنيف الثاني نجد الزيجات التي تخالف الأعراف ولا تتم إلا بعد فترة تفاوض بين العائلتين.  ويؤكد (ماير) أنها تحدث خاصة بين عائلتين من طائفتين مختلفتين.  وفي التصنيف الثالث الزيجات التي تُعتبر اختراقاً خطيراً للأعراف فتؤدي إلى قطيعة، وتتم أحياناً بفضل خطف البنت.  ويؤكد المؤلف على أن ليس هناك فرق موضوعي بين الاختراق في هذا التنصيف والاختراق في التصنيف السابق، وإنما الفرق يكمن في رؤية العائلات إلى الموقف.  ويشير إلى أن الاعتراض على الزواج يأتي غالباً من جانب العائلة اللبنانية.  وتبقى الزيجات التي لا تتم، والتي لا نكاد نعرف عنها شيئاً، بين أفراد لا يستطيعون التغلب على اعتراضات عائلاتهم.

(مصدر المقالة: مدونة « أبحاث لفتت نظري »)