لم أهتمّ كثيرًا حيال الخبر الذائع حول تولّي والدي منصب رئيس اللجنة الشّعبية لتقصّي الحقائق في حادثة سرقة الكلب الخاص بجارتنا، السيدة الأربعينية الوحيدة المستأجرة لوحدة في الطابق الأخير من العقار، كوني كنت مقبلًا وقتذاك على امتحانات الثانوية.

لكن بعد خوضي لسلسلة امتحانات طويلة ومملّة، وفي أعقاب ظهور النتيجة والتحاقي انتسابًا بكلية الحقوق القريبة، بدأت أهتم بالقضية، والتي شغلتني، واحتلّت حيّزًا كبيرًا من اهتمامي نظرًا لإلحاحها، وسيطرتها على كل ما عداها من أمور، سواء في عقارنا أو حتى العقارات القريبة. بل امتد الأمر للشوارع المحيطة، حتى أن مرشّحي المجالس المحليّة باتوا يزورونا قبل كل انتخابات للتأكّد من ولاء أعضاء اللجنة لهم، وبالطبع كانت تزكية اللجنة تُعني مواصلة إرسال مندوبي الحيّ شهريًا لمتابعة عمل اللجنة، التي صارت شُهرة أعضائها تطغى على شهرة رئيس مجلس إدارة سكان العقار، بل أحيانًا على رئيس الحيّ نفسه.

لم يرجع اهتمامي المفاجئ بعمل لجنة تقصّي الحقائق نظرًا لفراغ وقتي النسبيّ عن أيام الثانوية فقط، بل أيضًا لكون جهود اللجنة قد تحتاجني دوريًا للإدلاء بشهادتي حول تفاصيل وملابسات الحادثة التي لا أتذكر وقت وقوعها تحديدًا، علاوةً على الاستشارات القانونية التي قد تتطلب حضوري، لدرجة أن أبي يفكّر في استحداث منصب مستشار قانوني للّجنة، لتعييني فيه بدايةً من الدورة القادمة. أستطيع الجزم بأن جميع المستخدمين يعملون في تؤدة وتوخٍّ لتعقّب آثار السّارق، حتى أننا قمنا بتوكيل شابين من العقار المجاور في إثر وقوع الحادثة بعامين كي يواظبا على ارتياد سوق الجمعة أسبوعيًا لمراقبة سوق الكلاب، إذا ما تمّ عرض “لولو” للبيع.

تتعدد مهام رئيس اللجنة ومعاونيه الإثنين، ولكن جلّ مهامهم تنصبّ على متابعة التحريّات، توثيق الأدلة، وإثبات شهادات الشهود. ولذلك تقوم اللجنة بالتردد مرتين شهريًا على شقّة السيدة الأربعينية الوحيدة بالطّابق الأخير من العقار، لإطلاعها على كافة المستجدات المتعلّقة، علاوةً على التشاور معها حول الخطط الممكنة.

يتمّ اختيار رئيس اللجنة بالاقتراع السريّ المباشر من قِبل سكان العقار مرة كل أربعة أعوام. غير أنه لا يحقّ للسّيدة الأربعينية التصويت؛ كي لا تؤثر على سير العمل، وقد أُصدر هذا القرار بأغلبية أصوات أعضاء الهيئة العليا للّجنة ولجانها الفرعية المختلفة، منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

يشارك جميع سكان العقار الثمانية والثلاثين في الانتخابات، بالإضافة للشّابين اللذين يزوران سوق الجمعة للاستخبار الأسبوعي، وابنة طبيب يقطن في الطابق الأول، كانت قد هاجرت لأُستراليا بعد حادثة السرقة مباشرةً، حيث تُدلي بصوتها وزوجها عبر الإنترنت، وأصبحت أنا، منذ تسجيلي بكلية الحقوق، المسؤول عن فرز صوتيهما في كل موعد انتخابات، وإبلاغ لجنة الانتخابات المستقلّة، ليصبح عدد من لهم حق التصويت اثنين وأربعين مقترعًا ومقترعة.

فاز والدي في الانتخابات السّابقة باكتساح، حيث بلغ عدد المصوّتين له ثمانية وثلاثين، علمًا بأنه قد تغيّب عن الانتخابات شخص واحد لظروف تتعلّق بخلاف حادّ مع عضو من أعضاء اللجنة، أمّا ثلاثة فقط صوّتوا لمنافس أبي الوحيد، وهو كهل، خطّ الشيب رأسه، يجاورنا في نفس الطّابق، وقد آثر مقاطعتنا نهائيًا منذ اكتساح أبي لنتائج الانتخابات، التي تمّت في جوّ من الديمقراطية والشفافية، وتعيينه رئيسًا للّجنة.

الآن، ونحن على مشارف الانتخابات، أشعر بفخر كبير لمساعدة أبي، رئيس اللجنة، في التجهيز لحملته للدفاع عن منصبه، والفوز بشرف دورة ثانية كرئيس للّجنة الشّعبية لتقصّي الحقائق في سرقة الكلب “لولو” (PFFC)، وهي الحملة التي أعدّ لها أبي قُبيل الانتخابات بثلاثة أشهر كاملة، وأخذ يسابق لعمل الخير، حتى أنه افتتح مائدة رحمن كبيرة في شهر رمضان.

ذكر أبي في المناظرة، التي تُعقد إبان الانتخابات المحلية لتولّي رئاسة وعضوية لجنة تقصّي الحقائق، أنه الأكثر خبرة بين أهالي العقار، بل والحيّ، حول ملابسات الواقعة، كونه أُحيل على المعاش منذ أكثر من سبعة أعوام، حينما تفرّغ مُنذاك لجمع الحقائق عن سرقة الكلب كنشاط استهواه، ومن ثمّ انضمّ، في إثر ذلك، لعضوية إحدى اللجان الفرعية، قبل أن يُرشّح نفسه رئيسًا للّجنة. ساعدت أبي بجدّ كبير في التحضير لهذه المناظرة، وهي الأخيرة قبل موعد الانتخابات المُرتقب. سمعته يحكي ذات مرّة في إحدى الأحاديث الثنائية وإحدى الجارات عن مدى تمسّكه بمنصبه، لدرجة أنه لم يعد يريد أي شيء في الدنيا، وقد قارب على نهايات عقده السّابع، سوى الفوز بفترة أخرى رئاسة لجنة تقصّي الحقائق، وهي الأخيرة له على أيّ حال، كونه لا يجور الترشّح لرئاسة اللجنة سوى فترتين متتاليتين، ولإمكانية الترشّح مرة أخرى، لابد أن تمضي ستة أعوام ميلادية على الأقل منذ الفترة الأخيرة للمرشّح كرئيس للّجنة. المنافس الوحيد لأبي هذه المرة هو الأڤوكادو عبد الرحمن، والذي يقطن الطابق الثاني من العقار، وقد كان أول رئيس للجنة تقصّي الحقائق منذ سنوات عديدة. بيد أن أبي باغته في نهاية المناظرة، وقد كانت اللحظة الفارقة التي توتّر فيها بهو العقار الكبير، بسؤال، “متى سُرق الكلب “لولو”؟!” وقد جاء صمت الأڤوكادو عبد الرحمن فتلجلجه صادمًا للجميع، بما فيهم زوجته وأعضاء حملته الانتخابية، في الوقت الذي لاح فيه انتصار أبي في الأفق.