في دراسته عن ” الإنسان القديم ” تحدث ” يونج ” عن قدرة الإسقاط للحوادث النفسية عند البدائي على عقد صلات لا يمكن أن نفهمها بين إنسان وإنسان ، أو بين إنسان وحيوان أو شيء ، وهو ما اصطلح ” ليفي بروهل ” على تسميته بـ ” المشاركة الصوفية ” .. تمساح يقتل بالرصاص فتموت عجوز في نفس اللحظة .. التوحد الذي يخلق لدى الإنسان القديم عالما لا يجد فيه نفسه محاطا بـ ” الطبيعة ” فحسب ، وإنما بـ ” النفس ” أيضا .. يحمل شعر ” الهايكو ” روحا شديدة الانتماء إلى هذه الحالة .. انحياز أزلي لحضور الذات كليا داخل الموجودات الحسية والتماهي الشبقي للحواس مع جوهرها المراوغ .

” تتستر فلسفة الهايكو بين الطبيعة والدقة اللغوية ، فببضع كلمات يختزل الوجود . مقاطع الهايكو الشذرية تتقصى المكان والزمان دفعة واحدة ، تارة بهزل وتارة أخرى بحكمة ” .. هكذا يقدم ” سعيد بوكرامي ” ترجمته لكتاب ” تاريخ الهايكو الياباني ” لـ ” ريو يوتسويا ” الصادر عن سلسلة كتاب المجلة العربية .

يكتب الشاعر ” باشو ماتسويو ” : ( ريح الخريف / أشد بياضا / من حجر الرابية الصخرية / من كل الاتجاهات / تحمل الريح بتلات الكرز / إلى بحيرة طيور الغواصة / حتى الخنزير البري / يوشك أن يؤخذ / في هذه العاصفة / الهلال يضيء / الأرض المضببة تزهر الحنطة / دون أن تسقط / قطرة ندى ) .

يمكن تشبيه الهايكو بوخزات الضوء التي تبرق داخل الضباب الكوني بشغف طفولي يحتفي بكامل شهوانيته .. اللطمات الصغيرة فوق الفراغ الهائل المحيط بالعالم حيث يترك الجسد الذي يختزن خبرات وتجارب أجساد أخرى آثارا عن تاريخه وأحلامه وهواجسه في شكل إشارات رمزية تحتفل بالتشبع الذاتي بتساؤلات الحياة .. أتذكر الآن ” جورج ” في فيلم ” اليوم الثامن ” للمخرج ” جاكو فان دورميل حينما جعل صديقه ” هاري ” يستلقي بجواره على العشب ويغمض عينيه مثله لمدة دقيقة واحدة من الصمت ويخبره أنه حين يتخيل نفسه يحتضن شجرة سيصبح شجرة وحين يفكر في نحلة سيصبح نحلة وحين يفكر في أحبابه حتى الموتى منهم سيجدهم جالسين معه ويطبطبون عليه .. كانت دقيقة الصمت كاملة فعلا من زمن الفيلم ومن زمن المشاهد الذي أصبح هكذا هو الثالث الذي يشاركهما الاستلقاء على العشب وإغماض العينين والتخيل .

يكتب ” سعيد بوكرامي ” : ” الهايكو قصيدة انبثقت من تقليد شعري آخر كان سائدا وهو الرينغا الذي وظف المثال والحكمة والقول المأثور ، اشتغل الهايكو على الحواس الواقعية التي تسود الحياة اليومية ، أما التجريد والتعميم فهو مطلق الغياب ” .

يمكنني أيضا ربط شعر ” الهايكو ” بطريقة ” التداعي الحر ” الفرويدية حيث التدافع التلقائي للذكريات والمشاهد والأفكار في سيل غير محكوم إلا بشرط التكثيف المكلف بتنفيذ ومضات إيحائية متعاقبة ترتبط بلاغتها المقتصدة بدلالات مفتوحة على متغيرات وتحولات مطلقة .. محاولة لإنجاز تناغم جمالي بين قلق التورط فيما هو ملموس وما ينتجه من التماعات ذهنية وشعورية مقتضبة وبين تشريح الأساطير الماورائية عن الحقيقة والمعنى .

يشير المترجم في مقدمة الكتاب أيضا إلى ميزات الإيجاز اللغوي في شعر الهايكو والاعتماد على الجملة الناقصة وهو ما يستدعي عندي أعمال ” شوبان ” بجملها الموسيقية القصيرة الأشبه باقتناصات خاطفة تشكل فيما بينها نسقا مشحونا بطاقة وفيرة من الانفعالات المختلفة لا يخضع لمدى مؤطر أو لقرارات محددة من التأويل .

يتحدث ” سعيد بوكرامي ” كذلك عن توظيف شعر ” الهايكو ” للحواس : اللمس والذوق والسمع والشم والبصر حيث تستخدم كإدراكات مادية من الواقع الملموس وليس كاستدعاءات عقلية .. هل من شأن هذا دفعنا لاستعادة التفاعل بين الذات والمحسوس عند ” كانط ” ؟ .. بناء عليه يتم تكوين المفاهيم والمقولات من خلال توجه الإدراكات الحسية نحو المحسوسات مما يؤدي لتنظيم التجربة في صور وأطر عقلية فتصير هذه المفاهيم والمقولات جزءا من الذات العارفة دون أن ترتبط بأي حالة حسية بل أشبه بحالة باطنية موجودة قبلا داخل الذات .. هذا أيضا ما يجعلني أتناول الأمر من خلال تصور شعر ” الهايكو ” كطقس شبقي للحواس يتم من خلاله مراقبة وتوثيق الاندماج الشهواني مع الطبيعة واحتمالاتها الممكنة والخفية .. إعادة متجددة لتنظيم الزمن في اتجاهات وزوايا متباينة وفقا للرغبة كدافع أصيل يتم المراهنة على ضرورته الأبدية لتأمل الهوية المتغيرة واللعب بها ومحاكمتها داخل الفضاء النصي .

من الشعراء الذين تناولهم الكتاب أيضا ” كاكيو توميزاوا ” : ( ليس للطيور أثداء / افتح النافذة / اصطاد نعرة / الحقول متموجة / فراشة تسقط / فصل الجليد / بارتطام شديد / حرارة الخريف / لطخات الفهد / تظهر لزجة تحت الشمس / حلم فراشة شتوية / قطرة جليد ذائبة / في جبال القراقوم ) .

يعمل البصر هنا كسكين مجازي يقطّع طبيعة فقدت مبررات التمسك بعمى المنطق .. يتم تحويل المشهد إلى كولاج شخصي متشكك يقاوم كبت الماضي ويحقق ممارسات حلمية متجاوزة بين تفاصيل تنجز تحررها بانتماء مغاير إلى صيرورة محصنة .. كتابة  تتماس مع لوحة ” سلفادور دالي ” ” الطبيعة الحية الميتة ” / 1956 : إناء الفاكهة طافيا في الفضاء بمروحة والفواكه والقرنبيط والطائر والكوب والزجاجة تفرغ نفسها وسكين أمام نافذة من خلالها نرى بحرا متموجا لا نهاية له بينما يد تمسك بقرن وحيد القرن..  كان ”  دالي ” يرى في هذه اللوحة تصحيحا للطبيعة عن طريق التواصل مع فكرة الزمان /  المكان من خلال رؤية ”  الخفة ” التي تحطم العامل الرياضي .

نتعرف في الكتاب كذلك على الشاعرة ” هيساجو سوجيتا ” : ( اخلعوا ملابس هانا ـ غورومو / ضفائرها المتنوعة تلتف / حول جسدها / كيمونو جميل من أجل الهانا ـ مي / أقص الحرير / سيقان الدخان تتماوج وتتشابك / في النافذة / زهرة يوغاروو / تفتح نصفها / طياته عميقة ) .

يتجلى نزوع الخلاص بالتجرد والإحلال الذي يتعدى حدود التشبيه والمماثلة بين أجساد تغيب في تمازجها الحسي حيث الشبق اكتشاف لما لا يمكن حيازته في الوجود .. تطهير الشهوة من التضاد لصالح وحدة كلية مفارقة محتفظة بتمام بهائها .. إعادة كتابة لـ ” الكاماسوترا ” ربما وفقا لإرادة زهرة لم تعد بشرية أو غير بشرية .

 

* * *

ممدوح رزق

 

أخبار الأدب

19 يونيو 2011