اليوم، إذا حاولت التحدث على انفراد مع مواطني ومواطنات غزة الشباب والمستقلين تجد أن لديهم الكثير لقوله للتعبير عن استيائهم ومرارتهم تجاه ما يحدث في غزة وتجاه هؤلاء الذين لسوء الحظ يتحكمون بمصير الشعب الفلسطيني ولا يفعلون شيء لأجله. وهؤلاء هم حركتي حماس وفتح على السواء اللتين لم تأبها يوما بسلامة ورفاه الشعب، والذين أثبتوا بصرامة أنهم يهتمون فقط بأنفسهم وبمصالح أحزابهم.

حماس لا تختلف عن فتح إلا بمصادر تمويلها. فهي تستخدم التمويل الذي تتلقاه من إيران والجماعات الإسلامية القائمة في دول الخليج لتقوية سيطرتها على قطاع غزة وضرب أي شخص يعارضها بقبضة حديدية. فإن لم تقم حماس باستلام الحكم والقبض على جيلاد شاليت، لكان بإمكان أهل غزة الذهاب إلى أين ما شاءوا، ولكانت إمدادات الوقود والغاز والغذاء والأدوية وافرة، ولبقي الأموات البالغ عددهم 300 على قيد الحياة وتمكنوا من العيش بين أحبائهم إن توفر لهم العلاج اللازم، ولما وصلت نسبة البطالة بين أهل غزة إلى 80% وجعلت آلاف العائلات تتسول للحصول على كوبونات غذائية من حماس ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا)، ولما غرقت غزة في ظلام يومي بسبب انقطاع الوقود في محطة إنتاج الطاقة الكهربائية، ولما فكر أو خطط 40% من الشباب والشابات في غزة في الهجرة لبلاد أخرى للحصول على أشغال والسعي لحياة أفضل. منذ القبض على جيلاد شاليت، لقي أكثر من 500 فلسطيني مصرعه وجرح حوالي 3000 آخرين خلال الهجمات الإسرائيلية المتفرقة على غزة، ومن المتوقع أن يزداد عدد الضحايا خلال المداهمات الإسرائيلية القادمة. ما الذي حصلنا عليه بالمقابل؟ لا شيء سواء معاناة أكثر وقلوب تبكي على فقدها لأجساد بريئة.

متى سندرك أننا نحارب في معركة خاسرة لأن الحكومات العربية، التي من المفروض أن تدعم الشعب الفلسطيني العاجز، تنازلت عنا وهي الآن راضية جدا عن تواجد إسرائيل في المنطقة وعملت على بناء علاقات صداقة وعمل مع إسرائيل؟ حتى أن هذه الحكومات لم تعد تجرؤا على إدانة الأعمال الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية. فالنسبة للحكومات العربية، الشعب الفلسطيني هو العقبة الوحيدة في طريق التطبيع العام الكامل مع إسرائيل. وتتمنى الحكومات العربية وحكومة إسرائيل لو أنها تستيقظ يوما لإيجاد كافة الفلسطينيين ملقى بهم في بحر غزة. كما تتعامل مصر مع إسرائيل في تشديد الحصار على أهل غزة من غير سبب مقنع. إننا ندرك كل هذا ولكننا نتجنبه بنظرة عمياء وأذان رافضة للإصغاء إذ أن معاناة الشعب الفلسطيني هي مصدر فرص عمل لعدد منا. يا للعار! فعلى خلاف مع الشعوب التي تحررت بعد أن حاربت للحصول على استقلالها، نحن نحارب لمتاجرة دمنا مقابل مبالغ هائلة من الأموال من الدول أو الجماعات التي لها مصالح في المنطقة. يبدو أن هذه فرص عمل جيدة.

قد نقول أن الأحزاب الفلسطينية بحاجة لتمويل لتمكينها من المحاربة. هذا صحيح، ولكن هناك ما نسميه المصلحة الوطنية العليا التي يجب رفعها إلى مستوى أعلى من جداول أعمال الممولين. يجب أن تكون مصالحنا الوطنية العليا دليلنا لكيف ومتى نحارب. ولكن في حالتنا، أوامر تصعيد الوضع تأتي من الأعلى بصرف النظر عن العواقب المميتة على حساب الأشخاص الفلسطينيين الأبرياء. ويقال عن هذا جهاد شريف! أين الشرف في مقتل مئات المواطنين الأبرياء من غير مقابل؟ لقد مارسنا ما يسمى بالجهاد خلال 60 عام، وماذا حققنا؟ ألم نتعلم الدرس بعد؟ ألن نغير أساليبنا يوما؟ أو ربما أننا نستمتع في رؤية مجاري دماء شعبنا أمام أعيننا!

منذ استلام حماس للسلطة، ازدادت حالة الفلسطينيين سوءا يوما بعد يوم إذ أن حماس معروفة عالميا كجماعة إرهابية لا يمكن المصادقة عليها كجزء من النظام العالمي من غير إنكار العنف والاعتراف بحكومة إسرائيل، ولذلك تم فرض الحصار الشديد على قطاع غزة. تقول حماس أنها غير قادرة على التقيد بشروط المجتمع الدولي لأنها غير مطابقة لمبادئها ودستورها. لا أحد يطلب من حماس التخلي عن مبادئها ودستورها، ولكن إكراما لله ومن أجل الشعب تنازلوا ودعوا الشعب يعيش حياة طبيعية بما أنه لا من سبيل لتغيير رأي العالم وإجباره على تقبل حماس كما هي. وإذا قلنا هذا لقواد حماس والناطقين باسمها، ستكون إجابتهم على النحو التالي: أتريدون منا التخلي عن القدس؟ أتريدون منا التخلي عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة؟ أتريدون منا السماح لإسرائيل أن تأخذ الأرض؟ يقولون ذلك وكأن فتح تخلت عن القدس أو حق العودة أو الأرض. وكأن إسرائيل لم تقم بالاستيلاء على القدس وبقية الأرض، وكأنها ستسمح يوما للاجئين العودة إلى موطنهم. كل ما تقوله حماس هو عذر للحفاظ على السلطة التي حاربت سنين طويلة لمصادرتها من حركة فتح، منافستها منذ سنوات طويلة..