مدخل
لماذا نجحت الثورة فى إسقاط مبارك؟ بكل بساطة الجميع اشترك فيها – كان فى التحرير الليبراليون والاسلاميون والشيوعيون والسلفيين والإخوان والإسماليين وأنصار السلام وأعداء السامية والقوميين  ومسلمون ومسيحيون وبهائيون وملاحدة… كل هؤلاء عاشوا معا 18 يوم متواصلة فى الميدان وتقبلوا بعض وعاشوا كرجل واحد ولم تحدث بينهم أى صدامات وكلهم رفعوا علم مصر ولم يرفع احدهم شعاره الدينى أو الحزبى أو السياسى – هذه الحالة من قبول الآخر والتعايش السلمى بين فئات الشعب المختلفة هى التى جعلت الثورة قوية وصلبة وغير قابلة للتفتيت أو الانشقاق . الأمر الذى أدى فى النهاية لإجبار مبارك على الرحيل.

بين الوحدة والتسامح
قبل أن أبدأ فى عرض وتوضيح السيناريو الذى تم تنفيذه خلال الشهور الثلاثة الماضية يجب أن يكون لدينا إدراك للفارق الهام بين الوحدة والتسامح.
- الوحدة هى أن نكون نفسى الشىء لا اختلاف بيننا. نسخ من بعضنا البعض بالضبط مثل السلع التى تخرج من أى مصنع. كل القطع تشبه القطعة الأخرى بالضبط لا اختلاف فى الطول أو العرض أو الوزن أو أى شىء آخر.
- التسامح هو أن نكون مختلفين، لكن نستطيع أن نحتوى الاختلاف. نحن مختلفين، ونعمل معا مستوعبين الاختلافات التى بيننا… هنا نحن مختلفين، لكننا نعمل معا بيد واحده، لأننا استطعنا تجاوز الاختلافات التى بيننا.

* فكرة الوحدة بين الشر فى جوهرها فكرة مستحيلة، لأن الشر لم يخرجوا من مصنع واحد أو ماكينة واحدة – يختلفون فى المعتقدات، فأن اتفقوا فى المعتقد اختلفوا فى المذهب، وإن اتفقوا فى المذهب اختلفوا فى المدرسة الفكرية وإن اتفقوا فى المدرسة الفكرية اختلفوا مع المعلم أو الفكر  الذى يميلون له – وبالتالى إمكانية أن تحصل على كتلة بشريحة كبيرة تتفق فى كل كبيرة وصغيرة هى فكرة مستحيلة. السبب: فشلت كل مشاريع الوحدة فى التاريخ… فشلت محاولات هتلر فى تنقية جينات الشعب الألمانى وفشلت محاولات الوحدة العربية، لأننا ندرك أن شعوب المنظقة بينهم اختلافات دينية وعرقية ولغوية عميقة، ومن المستحيل تحقيق أى نوع من الوحدة بينهم… ولهذا السبب أيضا تفشل المشروعات القومية، لأن البشر تختلف أولوياتهم ومن المستحيل أن توجد جميع الشعب فى مشروع واحد – وربما لهذا السبب تفشل محاولات إندماج الأحزاب، للسبب ذاته. لو كانت ثورتنا ثورة ليبراليه لفشلت، لانه كان سيشارك فيها الليبراليين فقط. ولو كانت ثورتنا إسلامية لفشلت، لأنه كان سيشارك فيها الإسلامين فقط… لو كانت الثورة تبحث من مجموعة من البشر بينهم وحدة لفشلت لأنه لم تكن ستجمع أفراد كافية. لهذا السبب فشلت كل محاولات الثورة فى السنوات الماضية، لأن كل مرة كانت المحاولة يتم تلوينها بلون تيار سياسى معين، مرة مظاهرة ل6 ابريل، ومرة فاعلية للإخوان، ومرة ورشة لتيار ليبرالى، ومرة انتفاضة للقضاة.. أى فاعلية لتيار بينه نوع من الوحدة لابد أن يكون ضعيفا ولا يحقق نتائج. وهذا ما أدركته المعارضة المصرية فى العام السابق للثورة، فتم بذل الجهود لتكوين الجمعية الوطنية للتغيير، والتى على الرغم من عيوبها إلا أن الجمعية لم تبحث عن توحيد الأفكار والأيديولوجيات (لم تبحث عن الوحدة) ولكن بحثت عن تجاوز الاختلافات بين التيارات السياسية (التسامح) والاشتراك فى عمل جماعى دول الاصطدام بالفروق الفردية بين الكيانات المكونة للجمعية.
* نفس الشىء فعلته مجموعة ”كلنا خالد سعيد“ وقبلها ”أنا اسمى خالد سعيد“ حينما كانوا يتعمدون فى فاعلياتهم أن يرفعوا فقط علم مصر ويخرجون ليطالبو بنفس المطلب السياسى، دون أن يرفعوا أعلامهم الحزبية والأيديولوجية – التسامح وتجاوز الاختلافات واشتراك الجميع فى عمل واحد بغض النظر عن الاختلاف الدينى أو السياسى. منظر المسلم يقرأ القرآن بجانب المسيحى يقرأ الإنجيل على كورنيش إسكندرية، الإخوانى فى يد الليبرالى، والملحد بجانب السلفى – هذه هى الروح التى قادت للثورة.
* هذه الحالة من التسامح أيضا هى التى أدت لنجاح ثورة 1919، المسيحى مع المسلم مع اليهودى، الليبرالى مع الشيوعى، صاحب الأملاك مع العامل، الرجال مع النساء، الشيوخ مع الأطفال – كلما ارتفع معدل التسامح لديك، كلما كثر عدد المختلفين معك الذين تستوعبهم، كلما أصبحت أقوى وأكثر تأثيرا.
* نفس الشىء فعلته شبكة رصد فى بدايتها لكى تحقق النجاح، فلم تعلن هويتها الأيديولوجية، وعملت بحيادية، واستوعبت الجميع على الرغم من اختلافاتهم، فأصبحت مصدر المعلومات الرئيسى عن الثورة المصرية إلا أنها لم تستمر على نفس المنهج، وبدأت تنحاز للتيار الذى بينها وبينه نوع من الوحدة، فخفت نورها وبدأت تفقد قيمتها.
* ربما لا يدرك الكثيرون الفارق البسيط بين السعى إلى الوحدة والسعة إلى التسامح، لكن رأينا الفرق الجوهرى بين الشيئين، وكيف أن الوحدة تؤدى إلى الفشل، بينما التسامح يكسبك قوة ويدفعك إلى النجاح.

مخطط تفتيت الثورة المصرية
* المرحلة الأولى، 25 يناير – 11 فبراير
* المرحلة الثانية، 11 فبراير – 4 مارس
* المرحلة الثالثة، 4 مارس – 21 مارس

المرحلة الأولى، 28 يناير – 11 فبراير
بدأت محاولة تفتيت الثورة مع صعود عمر سليمان (الرئيس السابق للمخابرات العامة) لمنصب نائب رئيس الجمهورية، وهو الذى أدار مشروع تفتيت الثورة حتى تنحى الرئيس.
فى هذه المرحلة بدأ فصل التيار العروبى من جسم الثورة، وظهر هذا بوضوح فى أكثر من سلوك من بينهما.
حينما طرح اسم البرادعى للتفاوض باسم الثورة، وحدث نوع من التوافق بين الليبراليين واليساريين والإسلاميين على اسمه، فظهر حمدين صباحى ليعلن أن البرادعى لا يمثله.
أيضا عمرو موسى شارك فى فصل التيار القومى عن الثورة بنزوله للتحرير ومطالبته للثوار بالرحيل، مما أوجد حزازيات بين الثوار ومؤيدى عمرو موسى.
شارك أيضا فى هذا الفصل بعض المتظاهرون الذين تعمدوا رفع شعارات قومية لتحويل اتجاه الثورة نحو فضايا عروبية، واستعملوا شعارات نازية معادية للسامية، ثم قام الإعلام الإسرائيلى بالتركيز على هذه الشعارات على أنها صورة للثورة المصرية، مما وضع نشطاء السلام فى مصر فى حرج كبير بسبب كونهم جزء من الثورة.

المرحلة الثانية، 11 فبراير – 4 مارس
مخطط تفتيت الثورة المصرية كان يحتاج لفترة كافية من الوقت، واستمرار الثورة بقوتها لم يعطى لأعداء الثورة الوقت الكافى لتدميرها، فنجحت الثورة فى أول الخطوات، وتم إقصاء مبارك، وهنا بدأت المرحلة الثانية فى تفتيت الكتلة الثورية وهى فصل اليسار المصرى عن الكتلة الثورية.
فى الفترة بين 25 يناير و11 فبراير كانت المطالب الفئوية جزء أصيل من الثورة، وشارك فى الثورة عمال وفلاحين ومجموعات عمالية، والثورة استوعبتهم بمطالبهم ولم تقصيهم أو تطلب منهم أن يتوقفوا عن المطالبة بمطالبهم.
بعد تنحى مبارك، خرجت إشاعة (لا تحتاج لذكاء كبير لتدرك أن مصدرها هو نفس المسئول عن المرحلة الأولى) تقول أن الإضرابات الفئوية جزء من الثورة المضادة تحركها أمن الدولة، وأن الثوار يجب أن يتوحدوا جول المطالب السياسية ويؤجلوا المطالب الفئوية (بالضبط مقلما اتفق الثور الأسود مع الثور الأحمر على تسليم الثور الأبيض للذئب) و سقط الثوار فى الفخ وبلعو الطعم وشاركوا فى الدعاية المضادة للمطالب الفئوية (التى تم تتويجها بقانون منع الاعتصامات) وهنا وجد اليسار المصرى نفسه محاصرا من اليمين الدينى والعالمانى من ناحية (الثوار) ومن الجيش من ناحية أخرى (باعتباره السلطة) وبين الكوادر العمالية من ناحية أخرى والتى لا يستطيع النشطاء اليساريين التخلى عنهم… وفى كل مرة كان الثوار يأخذون وقت مناهض للمطالب الفئوية؛ كلما ازدادت المسافة بين الكتلة الثورية وبين اليسار المصرى… وهكذا فى نهاية هذه المرحلة أصبح هناك تياران سياسيان (اليسار والعروبيين) معزولين عن باقى القطاعات التى شاركت فى الثورة.

المرحلة الثالثة، 4 مارس – 21 مارس
بنهاية المرحلة الثانية لم يتبقى تحالف إلا تحالف اليمين المصرى (بشقه المدنى فى الليبراليين وشقه الدينى فى الإسلاميين) وكان المطلوب تفتيت هذا التحال، فتم اللجوء إلى الاستفتاء المخادع على التعديلات الدستورية… أعتقد أنه قد أصبح واضح للجميع أن هذا الاستفتاء لم يكن له هدف تشريعى، فالاستفتاء لم يؤخذ بنتيجته فيما بعد وتم إصدار إعلان دستورى احتوى على بعض النصوص التى تم التصويت بشأنها (وخلى من أحد النصوص التى تم الموافقة على تعديلها) – فما كان الهدف إذن من هذا التصويت؟
لاحظ الجميع التقارب الذى ظهر بين الجيش والإخوان منذ بداية تشكيل لجنة التعديلات الدستورية والتى رأسها طارق البشرى (المقرب من الإخوان) والتى شملت فى عضويتها صبحى صالح عضو الجماعة والذى مثلها فى عدة لقائات عامة بعد ذلك، ثم لوحظ بعدها حملة الدعاية الإخوانية والتى اشتملت على مقدار غير قليل من الشكر والمديح للمجلس الأعلى للقوات المسلحة!!!
ظهر فى هذه المرحلة أيضا التحالف الغريب بين الإخوان والسلفيين والجماعات الإسلامية، وترويجهم لأن الذين يرفضو التعديلات الدستورية يناهضون الإسلام وممولون من الخارج، وأن التصويت بنعم فريضة شرعية… حملة ضخمة تم بها تديين الصراع حول التعديلات وهذا الصراع شق التحالف بين اليمين المدنى واليمين الدينى، وهنا راح اليمين الذى يبحث عن تحالف مدنى مع اليسار، ولكن الوقت أصبح ضيق من تكوين تحالفات جديدة بعد خسارة ميزة الاستفادة من الكتلة الثورية المتسامحة والمتجاوزة عن الاختلافات الداخلية.

ما حدث بعد ذلك
بعد الاستفتاء وبأيام قليلة تم إلقاء القبض على وبالتالى أصبحت غير قادر على متابعة تفاصيل ما يحدث خارج السجن لكن استكمل شرح باقى السيناريو (المخطط)… إلا أنه لا يخرج عن سياق هذا المخطط أيضا، حادثة القبض على، والتى أحدثت شقا بين بعض المؤيدين لآرائى المناهضة للعسكرية والداعية للسلام، وبين المختلفين معى فى الراى أو الساعين للوصول لمناصب سياسية ولا يريدون تعكير علاقتهم بالجيش.
وفى هذا السياق أيضا يأتى سيناريو تلقى الشرعية من الجيش، فالمجلس العسكرى هو الذى يختار من الذى يجلس معه ومن الذى يحاكم عسكريا، وبالتالى هو الذى يحدد من الذى يصبح ممثلا للثورة أمام الإعلام، ومن الذى يبدأ الإعلام الموجه فى نهش جثته والتمثيل بأفكاره.
أيضا فى هذا السياق سيناريو إلهاء النشطاء السياسيين بفخ قانون الأحزاب السياسية الذى طلب عدد مبالغ فيه من مؤسسى الحزب (500 مؤسس) بالإضافة لمبالغ مادية مهولة… والنتيجة الطبيعية أن كل النشطاء انشغلو بالبيروقراطية الحزبية لتأسيس الأحزاب الجديدة، انشغلوا عن الدور الثورى المطلوب لتكملة باقى مطالب الثورة، وهكذا تم تفتيت الصف الثورى لمجموعة من الكيانات الناشئة والتى تحتاج من القائمين عليها لمجهود ووقت كبير لا يسمح لهم باستكمال باقى مراحل الثورة.

خاتمة
دائما كنت أؤمن أنى كاتب، ودورى أن أقدم التحليلات لقرائى، والآن بعد سجنى أصبحت عاجزا عن أن أشارك بأى دور إلا هذا الدور (رغم التكلفة الباهظة التى أدفعا بسبب هذا الدور).
فالآن لا أملك إلا أن أنصح الثوار أن يعوا بالضبط من الذى يدير الثورة المضادة؟ ومن الذى يحركها؟ ويدركوا أيضا أن الثورة لم تكتمل بعد، وأنه لا يليق أن ننقسم على أنفسنا بينما نحن لازلنا فى وسط المعركة… أنها دعوة للتسامح وقبول الاختلاف وتجاوز الاختلافات الوعمل الجماعى تحت راية الوطن، حتى نصل للدولة الديموقراطية المدنية، التى من أجلها مات الشهداء، وأصيب الضحايا، واختفى المفقودين، وذهب الثوار إلى السجن – قوتنا فى تماسكنا وتسامحنا وعملنا الجماعى… والمستقبل سيحكم هل سننجح أم سنفشل فى استكمال ثورتنا؟

سجن المرج العمومى – القليوبية
30/4/2011

http://maikel-nabil-in-jail.blogspot.com/2011/04/blog-post_30.html