أحداث تتسارع في عالمنا العربي أكثر من أي وقت مضى. حكام وأنظمة انهارت وأخرى في طريقها إلى الإنهيار. أما في الأردن فتبدو الأمور مختلفة إذ نتمتع بإستقرار نسبي يعود لأسباب خاصة منها طبيعة العلاقة بين الشعب والقيادة وأعود بها شخصيا لحكمة تتجلى في الأردنيين تجعلهم أقل تهورا من غيرهم.
من الأسباب أيضا وحتى نكون موضوعيين وصادقين هو شدة قبضة الأجهزة الأمنية التي تتعامل ليس بحزم فقط وإنما بخبث لم يتوفر للأنظمة الأخرى التي كانت تصرفاتها تتسم إما بالقسوة المطلقة أو اللين المفرط وهذا ما جعلها تنهار في أقرب لحظة تساوت فيها المعادلة.
إنما يبقى السؤال إلى متى! إلى متى سيحافظ الأردن على استقراره وهل يصل إلى بر الأمان وتنتهي حالة القلق أم نصل إلى نقطة الإنكسار حيث اللاعودة، حيث يكون الحل من جميع الأطراف علي وعلى أعدائي يارب.
وحتى نعرف الجواب علينا أن نحلل الأسباب. والأسباب في رأيي ثلاث. أولها الوضع الإقتصادي، وثانيها الديموقراطية، وثالثها هو الفساد.
فأما الوضع الإقتصادي فهو الغلاء بشكل عام. الفقر والبطالة، وهو ما ينعكس على التعليم وعلى الصحة وكافة شؤون الحياة الأخرى. لا شك أن الغلاء شأن عالمي وارتفاع الأسعار يرتبط بإرتفاع أسعار البترول كما يتأثر بالكوارث البيئية والطبيعية التي أصبحت متكررة. ومن الصعب أن نطالب الحكومة وحدها بمعالجة إرتفاع الأسعار التي ترتفع من بلاد المنشأ. يمكن أن نطالبها بتخفيض الجمارك والضرائب، إلا أن الجمارك والضرائب تأتي بمدخول على الدولة يمكنها من الإنفاق على المواطنين والصحة والتعليم والإنفاق على البنية التحتية. كما أن حرمان الدولة من هذه المداخيل لن يمكنها من زيادة الرواتب وإجراء التعيينات. أيضا تخفيض الجمارك يؤدي لتخفيض أسعار السلع لكافة المتواجدين على أرض المملكة من عمالة وزائرين وضيوف، وهذا ليس من الحكمة ويعتبر تفريطا في أموال الدولة فيما لا مبرر له. إذا المسألة ليست بتلك السهولة إلا أن مفتاحها الأساسي هو زيادة الرواتب والمداخيل بما يضمن زيادة رواتب كل من القطاع العام والخاص والرواتب التقاعدية، أي لكل الأردنيين.
أما الديموقراطية فهي مطلب أساسي لكافة قطاعات الشعب، وعلينا أن نعترف أننا منذ زمن طويل نتراجع في مجال الديموقراطية بدل أن نتقدم كما تفعل كل شعوب الأرض. حتى المكتسبات الديموقراطية البسيطة التي كنا نتمتع بها في السابق أصبحت الآن غير موجودة وأصبحنا نعيش جوا أشبه بالحكم العسكري حيث يتم التحكم وبصمت في كل شؤون حياتنا من قبل جهاز أمني واحد، وأصبحت الحكومات والقيادة العليا للبلد في واد وهذا الجهاز في واد آخر يمضي في قراراته وينفذ سياساته دون أدنى انتباه أو اعتبار لمكونات الدولة الأخرى. أصبح التغول على القضاء بتكييف التهم وتحويل المتهمين للمحاكمة يتم بقرار يأتي من مجهول ويتم تنفيذه حتى لو أصدرت القيادة العليا في البلد تعليمات بعكس ذلك. أصبح التدخل في الإنتخابات وتزويرها يتم جهارة ويعترف بذلك الجميع ومع ذلك لا يجرؤ أحد أن يعارض ولا يتم التراجع عن التزوير بالرغم من توجيهات القيادة العليا بالنزاهة في كل مرة، حتى فقدت الناس كل الوعود بالنزاهة وأصبحت مثل هذه التصريحات لغوا لا طائل منه. حتى التعيينات في الوظائف المميزة بل واختيار من يلقي الكلمات أمام القيادة العليا في كافة المناسبات يتم في قرار لهذه الأجهزة وليس حتى في الدوائر المختصة للقيادة العليا للدولة نفسها. هذه الأجهزة تعمل بشكل يدفع بالأمور ليحدث كما يحدث في الدول العربية الأخرى لأنها تخرجت من نفس المدرسة ولا تعرف غير هذه الوسيلة. إننا نحذر مما تقودنا إليه هذه الأجهزة فالقمع واستخدام الهراوات والغاز المسيل للدموع والرصاصات المطاطية والمحاكمات بموجب محاكم خاصة، كل ذلك أصبح يأتي برد فعل عكسي ولن يحقق الإستقرار والأمان لهذا الوطن. نتمنى على هذه الأجهزة أن تدرك العبث الذي تقوم به في حياة الناس وتكتفي بحماية الأردن من الطامعين والمسيئين من الخارج وتترك الناس في الداخل يتفاهمون مع بعضهم. فالشعب قادر على أن يحدد مطالبه والحكومة تملك وتريد أن تتجاوب مع المواطنين والقيادة العليا تأمر وتعطي تعليمات بذلك والجميع سيصل إلى ما فيه مصلحة الوطن لو سلم من تدخلها.
أما الفساد، فهو الطامة الكبرى وهو المرض المستشري والذي لو تمت محاربته بشكل صحيح لأصبحت الأوضاع الإقتصادية أفضل بكثير ولتحسن وضع الديموقراطية ولتوقف الشعب عن رفع سقف مطالبه في كل مرة يخرج فيها إلى الشارع أو يتجمع أو يعتصم أو يصدر البيانات. إن محاربة الفساد منوطة بيد سيد البلاد وحده. إن مطلب الجماهير الأول والأخير هو كشف بعض من حالات الفساد الحقيقية وليس كمسرحية قضية مصفاة البترول الهزلية. إن تقديم بعض من الرؤوس الكبار وكشف حالات فساد حقيقية بالأرقام والوثائق لا يعد عيبا ونقيصة في تاريخ الحكومات إن تم كشفها والإعلان عنها ومعاقبة أبطالها. ربما تكون المشكلة أن غالبية هؤلاء الأبطال هم من الصف الأول في الحكومات وهذا ما يمنع ضبطهم ومحاسبتهم. ليس في ذلك مطلب بتقديم قرابين إلى الشعب وليس المطلوب التضحية بواحد أو إثنين من الأقرباء أو الكبار. المطلوب هو اعتراف بوجود فساد في جهة ما أو دائرة محددة ثم إستعادة الأموال الهائلة المختلسة ثم محاكمة فاعليها وتوقيع العقاب المناسب عليهم حسب القانون. إن التستر عليهم واستمرار اللعب معهم على شكل لعبة الغميضة التي كنا نلعبها أطفالا هو عين الإستهزاء بالشعب وهو ما سيدفعه إلى الإنفجار حتى لو استخدم ضده الرصاص الحي وليس المطاطي.
الشعب يعلم عديدا من هؤلاء الفاسدين وما قصص الثروات التي تهبط فجأة إلا منها ومن توابعها. أما تكميم الأفواه ومطالبة الإعلاميين بتقديم الإثباتات والوثائق التي تثبت الفساد فإنه لا يعدو أن يكون تأكيدا على الرغبة في حماية الفاسدين ومنع الإقتراب منهم. لا يجب أن يكون الإعلامي محققا ولا قاضيا في العملية. وظيفة الإعلامي أن يؤشر على شبهة الفساد وعلى الجهات المعنية أن تثبت ذلك أو تنفيه بطرقها الرسمية فإذا اقتنع الشعب بهذا التبرير كان به وإلا فللشعب أيضا كلمته. نعلم إن من هؤلاء وزراء وأقرباء وأنسباء. إن إستمرار التستر عليهم والإدعاء بنزاهتهم و استمرار تعيينهم في مناصب جديدة ومنحهم مزايا أكثر ليس في صالح الوطن الأردني. كشف بضع حالات فساد حقيقية وبأسرع ما يمكن كاف أن يجعل كل الجماهير والقوى السياسية والإجتماعية أن تقتنع أننا نسير على الخط السريع والصحيح. أما الإعتقاد بأن مشروعا هنا أو هناك، مستشفى أو عيادات أو مصنعا أو زيارة لمسؤول مهما علت وظيفته وإطلاق الوعود والتعليمات دون وضعها قيد التنفيذ فهذا لم يعد مقبولا من الجماهير. كذلك الخطب الرنانة والإحتفالات المزيفة أصبحت مكشوفة وما عادت مقبولة لأحد، الصغير قبل الكبير، بل إنها أحيانا تصبح موضعا للتندر أو الإنتقاد كمظهر من مظاهر الضعف أو الإغراق في الفساد. إن تحديد أسماء وشخصيات من يلقون الكلمات أمام المسؤولين لعبة مكشوفة للجميع ولا تعدو أن تكون كمن يكذب على نفسه الكذبة ويكون أول المصدقين لها.
كل ما هو عكس ذلك لا يمكن أن يوصف إلا بالمماطلة وهو ليس في صالح أحد. نتمنى أن لا نضطر للتضحية بأنفسنا وبأولادنا، نتمنى أن لا نجد أحدنا مقعدا أو مصابا أو ميتا لأننا نطالب في حقوقنا. نتمنى أن لا تتضرر السياحة في بلدنا ولا الإقتصاد ولا سمعتنا، لكن ذلك كله يمكن أن يحدث وقد يحدث ما هو أكثر منه لو لم يحصل ما طالبنا به. الفساد والفاسدين. تقديم أشخاص كبار كبار كبار للمحاكمة ثم تحصيل ما اختلس ونهب وسرق منهم.
استعادة جزء من هذه الأموال كفيل بحل كل مشاكل الأردن الإقتصادية والإجتماعية. ملياران أو ثلاثة من فاسد أو اثنين وهم موجودون في كل مكان وإذا أرادت القيادة العليا أسماء فيمكن أن نقدمها لها على ورقة شفافة، استعادة هذه المليارات كفيل بحل جميع المشاكل فكيف إذا تم استعادة عشرين مليارا أو أكثر. لا نريد ديموقراطية ولا نريد وظائف، نريد استعادة أموالنا من الفاسدين ووضع حد لهم.. وفقط.
وليد السبول [email protected]