لست من المختصين علميا للحديث عن المفاعل النووي المزمع إنشاؤه في الأردن من النواحي الفنية، إلا أنني مواطن غيور على بلده ومهتم بالشأن العام لذلك من حقي أن أتكلم من النواحي التي أعتقد أنه يمكن لي الحديث فيها.
الأمر يبدو للوهلة الأولى، أمر مفيد للأردن أو على الأقل هذا ما يحاول البعض تسويقه على الأردنيين متناسين أننا لم نعد في زمن البيضة والحجر، في زمن الحمام الزاجل والبريد على الحصان وإنما أصبح للمعلومة سبيل للإنتشار أسرع من الصوت بل وأسرع من الضوء، وهناك أناس لا يمررون المعلومة دون تمحيص وتدقيق، وهناك أناس مؤهلون للفحص والتأكد من صواب المعلومة أو خطأها بل وتحديد نسبة الخطأ والصواب فيها.
وحتى نتحدث عن الموضوع بدقة يجب أن نعرف أنه يتعلق بموضوعين، الأول هو الإتفاقية الثنائية مع شركة أريفا الفرنسية بمنحها حق التنقيب عن اليورانيوم وما يسمى بالكعكة الصفراء، بينما الثاني يتعلق بإنشاء المفاعل النووي وبناءه في الأردن.
أما بالنسبة للإتفاقية فيجب أن نعرف أن إتفاقية الكازينو، والتي أقمنا الدنيا لأجلها تعتبر كالدمية بالنسبة لإتفاقية أريفا من حيث شروط الذل والإذعان والإستغلال والإهانة للأردنيين. إتفاقية أريفا تشمل إعطاءها حق التنقيب ب 1.5% من مساحة الأردن الإجمالية، أريفا ستتمتع بإعفاءات ضريبة كاملة بنسبة 100%. من حق أريفا الحصول إجبارا على أي معلومة موجودة لدى أي جهة أردنية بينما تعترف لها الحكومة الأردنية بالحقوق الملكية والفكرية الكاملة. قانون التحكيم الذي يحكم الخلافات بين الطرفين هو التحكيم الدولي وليس القضاء الأردني. في حال إلغاء الإتفاقية قبل البدء بالمشروع من قبل الحكومة الأردنية تدفع غرامة 80 مليون دولار غرامة إلغاء مبكر. تملك أريفا حق التوسع والتمديد ل50% من الأراضي المكتشفة و25% من غير المكتشفة. تملك الشركة حق ترحيل السكان من مناطق الإحتكار بدون تعويض.
أما بالنسبة للموضوع الثاني فسأطرح الموضوع بسهولة ويسر حتى أستوعبه أنا والمواطنون أمثالي من غير العلماء المختصين. على فرض أنك ذهبت أخي القاريء الكريم لشراء غرض ما، وبالصدفة وجدت غرضا أفضل منه من كافة النواحي بل إن الغرض الأول ليس أفضل من الثاني ولا من أية ناحية، ثم فوجئت أن الغرض الثاني الأفضل من الأول يقل بالثمن عن الأول بنسبة 80%!!! أيهما تشتري؟ لا شك أنه سيكون من الغباء أن تشتري الغرض الأول، أليس كذلك؟
وحتى نصل للزبدة في الكلام، ولا يبقى كلامنا في الغيبيات، ندخل في التفاصيل قليلا. كلفة مشروع المفاعل النووي الأردني تصل ما بين 7 – 10 مليار دولار بهدف الوصول إلى طاقة كهربائية تعادل 1000 ميغاواط. في ذات الوقت فإن كلفة الحصول على نفس الكمية من الطاقة ولكن بواسطة الرياح لا تزيد على مليار أو مليار ونصف!!! لا تستغربوا من حكمة ودهاء وزراء وعلماء الأردن الذين يريدون بيعنا غرضا بتكلفة 7 إلى 10 مليار دولار بينما نستطيع الحصول عليه بمليار واحد أو أكثر قليلا. ناهيك عن كلفة تغيير شبكة الأحمال للطاقة الكهربائية حتى تستطيع تحمل ال 1000 ميغاوات بدلا من 316 ميغاوات الحالية والتي تعادل تقريبا مليار دولار أخرى.
هذا من ناحية الكلفة، فإذا تمحصنا أكثر في بعض التفاصيل الأخرى، ربما يتحتم علينا أن نهاجر ونترك الأردن لأننا سنكتشف فسادا أعمق من التكاليف ولا يهدف إلى تدمير الأردن اقتصاديا فقط بل يصل إلى محاولة تدمير الإنسان.
يزورون الحقائق حين يدعون أن مشروع المفاعل النووي يقع بعيدا في الصحراء ولذلك يعيدون التكرار أنه في منطقة المفرق على اعتبار أن المفرق مرتبطة في أذهاننا بالصحراء بينما حقيقة الأمر، أن المشروع يقع على بعد 14 كم فقط من المفرق و19 كم فقط من الضليل أوالخالدية أو الجامعة الهاشمية أو الزنية أو السمرا أو بلعما وكلها في الزرقاء. محاولة خسيسة لدس الأكاذيب بين الحقائق. يحتاج المفاعل الجديد إلى 300 طن من المواد المشعة سنويا والتي ستطمر في الصحراء لأردنية. الضرر البيئي سيكون مدمرا للحياة في الأردن.
وأخيرا، يجب أن نعرف مخاطر إنشاء المفاعل النووي والتي لا يمكن تجنبها بالإمكانات العلمية والفنية لا الأردنية والا العالمية في الوقت الحاضر. الأردن يقع على فالق زلزالي وموقع المفاعل ليس بعيدا إطلاقا عن مدى الزلزال فيما لو حدث لا سمح الله. كميات المياه التي سيستهلكها تشغيل المفاعل تفوق الإمكانات الأردنية ولا داعي لمزيد من الكذب والتلفيق في الموضوع وتصوير أن مياه الخربة السمرا والتنقية ستكون كافية لأنها حتى لو تضاعفت فإنها لا تكفي إحتياجات الأردن المائية للزراعة. لا يمكن للأردن التعامل مع مخلفات المشروع النووية والإشعاعية والكيماوية والتي سيكون لها أثر مدمر على الأردن. الأردن صغير جدا في مساحته ومهما ابتعد موقع الأردن فأي خلل سيؤدي لمصائب لا يمكن تجنبها على كل الأردنيين. توفير الحماية العسكرية للمشروع يعتبر شبه مستحيل في ضوء إمكانات الأعداء والإرهابيين الذين لا يملك أحدا ضمان مهاجمة المشروع من الداخل أو من الفضاء بواسطة الطائرات أو القنابل. خطر الإعتداء لا يشمل المفاعل وحده وإنما كافة مراحل المشروع إبتداء من نقل المواد والمستلزمات إليه ثم الخارجة منه وحتى خطوط الطاقة.
الدانمارك تنتج حاليا 24% من طاقتها بواسطة الرياح ولديها خطة للوصول إلى 50% من حاجتها للطاقة بينما في الأردن لدينا أضعاف الإمكانات نظرا لطبيعة الأردن الجبلية والصحراوية التي تجعل الرياح كافية لتشغيل المراوح اللازمة لإنتاج الطاقة على مدى أيام السنة كاملة. ألمانيا قررت الإستغناء عن الطاقة النووية وإغلاق آخر مفاعل لديها في حلول عام 2022. كل دول العالم وصلت إلى هذا القرار والقليل النادر منها يتحفظ على استكمال المشاريع القائمة لديه.
وقبل أن أنهي لا بد أن نصل من خلال هذا النقاش إلا أن هذا المفاعل الأردني ليس مفاعلا نوويا أردنيا وإنما هو مفاعل فساد أردني… بإمتياز.
وليد السبول [email protected]