تواجه مصر معضلة كبيرة في حياتها السياسية منذ إحتجاجات 25 يناير التي غيرت الوضعية السياسية تماماً و أفرزت كل أمراض الفترة الماضية على تغيير هيكل النظام ، من أبرز تلك الأمراض السياسية هو ظهور جديد/قديم لأفكار تتعلق بإستنساخ الماضي و محاولة إحياء نُظم قديمة إنتهت لأسباب تتعلق بالنوستاليجيا البشرية التقليدية و قد ترافقت في أيامنا هذه عدة رؤى تتنوع بين المتشددة و المتطرفة لكن تصب جميعاً في إطار واحد هو إستنساخ الماضي المسمى بالماضي الإسلامي أو بالأصح إستنساخ تاريخ الخلافات الإسلامية الأموية و العباسية و العثمانية ، بين الإخوان و السلفيين و الجهاديين التكفيريين إحترنا لكن تظل الأفكار الأساسية واحدة و هي إستنساخ الماضي.

عبر التاريخ الحديث نجد عدة حالات تستحق المقارنة بينها و بين وضع التيارات المسماة بالإسلامية لعل اهمها هو واقع إيطاليا في العهد الفاشستي إبان حكم موسوليني الفاشي لإيطاليا (31 أكتوبر 1922/ 25 يوليو 1943) ، كان بينيتو موسوليني يهدف لإعادة إحياء الإمبراطورية التاريخية الرومانية العتيقة عبر شعارات أن الماضي كان مجيداً و فيه وصل أهل إيطاليا عامةً و روما خصيصاً إلى قمة المجد و أن عليهم الإستعانة بتاريخ أجدادهم و أسلافهم من أجل بناء الحاضر و المستقبل ، بدأ موسوليني في تنفيذ سياساته وسط تأييد شعبي واسع من أهل إيطاليا التي كانت في بداية عهد جديد و كان الشعب فرح بتذكيره بالماضي الذهبي للبلاد و مؤيد بشدة لموسوليني الذي كان يُرضي القلوب قبل العقول ، أدت سياسات موسوليني إلى تخريب إيطاليا تماماً عبر بداية عهد إستعماري جديد عبر إحتلال مرحلي جديد لليبيا و آخر لإثيوبيا أرهق ميزانية إيطاليا بشدة و عسكرياً و الأهم سياسياً حيث تسببت تلك السياسة في إدخال إيطاليا للحرب العالمية الثانية التي حطمت البلاد كليةً و قادت موسيليني للموت بيد شعبه الثائر.

هنا و عبر تلك المقارنة دعونا نتساءل:

أليست تلك النقاط متطابقة بينهما:

*إستلهام الماضي بشكله دون جوهره فموسيليني إستلهم التاريخ القومي الروماني شكلاً و التيارات المسماة بالاسلامية تستلهم تاريخ الخلافة.

*إستنساخ لملامح الماضي يلي الإستلهام فرأينا موسوليني يستنسخ الإستعمار و الاستبداد القيصري بينما السلفيون يستنسخون الاستبداد الاسلامي و شكل سياسي قبيح و قديم هو الخلافة.

*تطبيق لسياسات قومية متعلقة بالماضي دون النظر للعصر الحالي و مقتضياته فموسوليني إستنسخ سياسات الرومان و هؤلاء يستنسخون سياسات الأمويين و العثمانيين.

**إستغلال مشاعر الجماهير الغير مرتبطة بتفكير عقلاني بقدر ما ترتبط بنسوتالجيا تاريخية فموسوليني إستغل التاريخ الروماني لتبرير حقارة الاستعمار و السلفيون يستخدمون الشعور بالعجز و القهر حالياً محلياً و دولياً لتبرير إستنساخ الماضي الذي لا يناسب الحاضر بالمرة.

*الإستبداد الفكري و السياسي المشترك فموسوليني إستبد بإسم الرومان العظام و السلفيون يستبدون بإسم نصرة الدين و إستعادة العزة (بغض النظر عن كذب روايتهم للتاريخ).

تظل الكارثية التاريخية حاضرة في خطاب ما بعد إحتجاجات 25 يناير حيث يتفنن الإخوان في الحديث عن الماضي المسمى بالخلافة في تزييف للتاريخ بحيث يتصور الناس تاريخ الخلافة جنان على الأرض و تقدم علمي (500 عام متفرقة تقدم و 900 تخلف شديد) و حريات شخصية (لم تكن الأحوال تختلف عن الحريات بالسعودية) و قوة عسكرية (تمت عملية إحتلال كافة الأراضي الإسلامية في عهد الخلافة العثمانية و تم احتلال الكثير من البقاع العباسية) و لعل جملة صبحي صالح العجيبة في طلب المقارنة بين مصر العثمانية و مصر اليوم مثال على الكذب أو الجهل و التزييف ، السلفيون أشد و أضل سبيلاً فهم علناً يرفضون الديموقراطية و الدولة المدنية و يستنسخون الماضي الذي إنتهى لدرجة المطالبة بإقامة حدود القطع و الجلد ؟؟

للمزيد في هذه النقطة تُرجى مراجعة مقالي:

عن خلافتنا الزاهرة..من تاريخ مسكوت عنه.

http://ar.mideastyouth.com/?p=7881

إن موسوليني كان فاشياً و هم كذلك لكنه كان قومياً إيطالياً و هم أمميون إسلاميون حسب تعريفهم لأنفسهم.

إن موسوليني خدع شعبه بالماضي مستغلاً ازماته و هم اليوم يخدعوننا مستغلين إنهيارات ما بعد 25 يناير.

إن موسوليني حطم بلاده بعد ان نومها و هم في تجارب أفغانستان و السعودية و إيران و السودان حطموا بلادهم بعكس الدلو العلماني المسلمة المزدهرة ماليزيا و تركيا.

إن موسوليني وصل بأصوات الناس و هم سيصلون ، حكم بهتافات النوستاليجا و هم يريدون ، حطم إيطاليا بالماضي و هم سيفعلون.

لا تنجذبوا للنوستالجيا و إعلموا ان الماضي من شريعة شاملة للحدود و الحكام و النظم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية يظل ماضي لا مكان له اليوم لأنه إن اتى سيكون ضد العصر و المصلحة و تذكروا ان العصر قد اجاب على الاسئلة حول النجاح بان الابتكار و الابداع الانساني هو الحل و ليس إستنساخ الماضي مهما تصورنا وهماً انه بديع.