لا شك ان هناك اختلاف في الهيكلة الثقافية و الموروث التاريخي لكل بلد عربي، و لكن مما لا شك فيه ان الأنظمة التوليتارية تكرر ذات آلية في القمع الممارسة على شعوبها، و يعود ذلك لتطابق تلك البنى المستبدة في منشأها و أرضيتها النفسية، و عجز إدراكها لكل ما يتجاوز أدواتها القمعية من وسائل.
و لا شك أيضاً ان هناك اختلاف في نوع الثورات في أي مكان أو زمان، إلا أننا نستطيع ان نجد تشابه في المحفزات و الأهداف الأساسية التي تجمع ما بين جميع تلك الثورات و التي نتجت عن مجهود واعي اختمر نتيجة معاناة جماعية متعددة، فإذا نظرنا الى آلية الثورات نجدها تأتي بعد مراحل من التحضير اللاواعي.

يبدأ الأفراد أولاً بمعاينة مشاكلهم الاجتماعية بشكل واعي محاولين ايجاد الطرق المناسبة لحلها من خلال مؤسسات مجتمع مدني في حال وجدوا داخل بلدان تتمتع بحد أدنى من الحريات. أما في حال عدم توافر التنوعية المؤسساتية و تعددية التوجهات الفكرية و تواجد الأفراد داخل هيكلة سياسية تحكم من قبل طاقم أو نظام أحادي التوجه أي نظام توتاليتاري حيث يباشر بقمع أية محاولة تبحث عن اكتفاء الذات من خلال طرح المشاكل خارجاً للعثور على الحلول، ليكون جزاء الأفراد أشد العقوبات الجسدية و النفسية من قبل أنظمتهم لتجرأهم على طرح الشحنات الداخلية المتراكمة من فعل التوتر الناتج عن كبت الذات على صعيد حريات التعبير، فالفرد القابع تحت سوط الأنظمة الاستبدادية يعاني من أزمات نفسية حادة، فمن جهة يسعى الإنسان للاقتناع بمسيرة حياته المفروضة عليه من أجل الإستمرارية وهذا ما سينتج عند هؤلاء الأفراد استسلام جزئي واعي ، فنراهم يتبنون جميع الادعاءات و الشعارات الرنانة التي يبثها إعلام نظامهم الموجه كحالة من التعويض النفسي لنقصان الاكتفاء القادم من الشعور بتحقيق الذات و الذي لا يتم إلا من خلال التعبير عن كياناتهم أولاً لتأتي بعدها الإرادة في تطوير الذات.

تلجأ هذه الأنظمة ضمن هذه المنظومة و بهدف النيل من الفرد و جعله مدرعاً ضد رغباته و طموحاته لاستخدام المؤسسات الدينية عبر تغذية التشدد الديني و ذلك للحفاظ على كياناتها، فهي تعلم ان استمراريتها في خنق الأنفاس مرتبطاً بانحسار التوعية عند الأفراد.
و إذا أخذنا النظام السوري كمثال على هذه الظاهرة و سعيه على مدار عهود طويلة لاستجلاب الدين الأصولي لأرضه و قيامه بنفس الحين بممارسة لعبة مزدوجة تتجلى بإنتحاله صبغة العلمانية من خلال قمع بعض العناصر المتطرفة التابعة لأحزاب إسلامية مناهضة له، و في الآن نفسه، نراه يساهم في نشر ثقافة متطرفة دينية بشكل جماهيري واسع. و بهذا يهاجم أحزاب سياسية ذات قاعدة دينية.
كما نلاحظ محاولة النظام السوري بإتباعه سياسية مزدوجة على الصعيد الخارجي، فهو يجهد في بث معلومات لا صلة لها بالواقع، فيوهم شعبه على انه نظام ممانعة و قلب للعروبة من خلال تكراره لمفردات و اطلاق بعض المواقف الإعلامية، فمن ناحية أخرى، نراه لا يتوانى عن تقديم الكثير من التنازلات الخارجية خدمة لمصلحة بقاءه.
كما أنه لعب على تعزيز فكرة المؤامرة من أجل تعويض حالة عدم الاكتفاء عند الفرد من خلال ايهامه بتعظيم شأنه و توحيد “أناه” المسلوب بكيان جماعي يتوحد مع النظام ليتبنى فرضية ترضي هويته، فمفهوم المؤامرة يعطي حالة من الخدر النفسي و تسليماً لواقع يريده هذا النظام.

“نظرية المؤامرة” ليست حكراً على الشعب السوري، فنراها عند كل الشعوب المسلوبة و المغتصبة من قبل حكامها، و نراها عند بعض أصحاب التوجهات الدينية الرافضين لمواكبة قطار الحياة، “فنظرية المؤامرة” هي الدواء الوحيد للشعوب العاجزة عن اعطاء الجديد و العاجزة عن إدراك المختلف، فما لا شك فيه ان هناك مصالح لدول و مصالح لشعوب أخرى تتضارب فيما بينها، و تسعى كل منها الى مد هيمنتها على الأخرى.
و لكي نستطيع فهم آلية تبني هذه الشعوب لشعارات أنظمتها و مفرداتهم، علينا أن نلقي  الضوء على نظرية “ترجيح العرض المؤثر لزاجونك” و التي تشرح كيفية تبني الانسان لفكرة معينة كي يقوم بعدها بتغيير سلوكه المتبع. فكلما ازداد التعرض المتكرر لفكرة ما، تحولت هذه الفكرة الى محفز ذات أثر زمني طويل، فيقوم الدماغ بتوجيه عملية التفضيل تجاه هذا المحفز أو الفكرة المتبناة، بعبارة أخرى ان تكرار تلك الفكرة و اعادتها تجعلها أكثر قبولاً عند متلقيها، فتتحول الى حقيقة و واقع بالنسبة لهم و خصوصاً عندما تترافق بشحنات عاطفية و محفزات نفسية(عقوبة و مكافأة) و هنا يصبح الإدراك عاجزاً عن رؤية الواقع بنظرة مختلفة.

كلما توغل نظام ما في استبداديته، نراه يلجأ لإتباع خطوات و آليات تحاكي الآليات العقائدية و ذلك بهدف تمكينه من استعباد مكونات المجتمع الذي يحكمه. يمثل النظام السوري نموذجاً جيداً لكل ما ذكرت، فمحاولة تحويل رأس هرم السلطة الى رمز تتوحد معه الأفراد و تحيا من خلاله و لأجله، فيتم التصاق الأنا الفردية عندهم بذلك الرمز من خلال مشاعر موحدة استطاعت أجهزة النظام انتاجها، لينتج عن هذا التوحد أحياناً شعوراً بالفردية و التميز عند الفرد نفسه من خلال المميزات و المكافآت (و التي قد لا تتجاوز في كثير من الأحيان فتات الخبز و التي نالها باسترضائه لتلك الأجهزة).

عودة الى المراحل التحضيرية اللاواعية المؤدية الى اندلاع الثورات، و بعد عرض بعضاً من الآليات القمعية النفسية الممارسة على الأفراد، و بالرغم من تمكن النظام من تبني الأفراد لها بشكل واعي، إلا ان اللاوعي يبقى رافضاً لها باحثاً عن امكانية الخروج من أزمته، و هذه المرحلة تدعى مرحلة الاختمار اللاواعي و التي تبدأ فيها المعاناة بالانتقال من حالتها الواعية الى اللاوعي الفردي، و بما انها معاناة يشترك بها الكثير من الأفراد الذين ينتمون الى وعاء ثقافي واحد، تصبح هذه الحالة اللاوعية حالة جماعية تأخذ منحىً يشبه الى حد بعيد آليات العلاج بهدف الوصول الى حلول. فكما نعلم أن اللاوعي يبحث عن حلول دائمة لتخفيف وطأة التوتر الناتج عن المشاكل و طرح الشحنات السلبية المتراكمة بسبب حالة عدم الاكتفاء. و عند ظهور أية عوارض خارجية في المحيط الخارجي، تبدأ الشحنات المتراكمة المكبوتة بالانفجار التدريجي، لتأخذ منحىً جماعياً واعياً باحثاً عن تغيير جذري.

الثورات إذاً عبارة عن مجهود لاواعي تراكمت شحناته و رغباته النفسية المشتركة عند الأفراد، لتتوحد بعدها تلك الرغبات الفردية بشكل واع باحثة عن تغيير شامل دون امتلاك أية نظم سياسية أو اجتماعية لهم.
ففي هذه المرحلة الحاسمة يأتي دور المثقفين و المهتمين بالشأن العام لتعزيز تلك الرغبة الجماعية و وضع إطار نظري لهذا الحراك الاجتماعي ليساهم في اجتياز هذه المرحلة الثورية بسلام و المراحل اللاحقة من خلال تهيئة أرضية قائمة على التنوع.
و لا شك أيضاً ان الثورات تحرر قوى منافية لأهدافها الأساسية (ما يدعى بالثورة المضادة)، كما رأينا واضحاً في المثال التونسي و المصري، فهجوم القوى الأصولية لركوب هذا الحراك تعتبر محاولة لإجهاض الهدف الرئيسي الذي أسس لهذه الثورة، فيتحول هذا الحراك الباحث عن اكتفاء الذات من خلال ممارسة الفرد لحقوق التعبير و الاختيار الى أداة قمعية جديدة لا تختلف عن سابقتها الممارسة من قبل السلطات القمعية.