ممدوح رزق : السلطة والتمرد لا يستقران على هويات مقدسة

حوار : مجدي عبد الهادي ـ حسام شادي

* ” يبدو أن أجمل الثورات تلك التي تمنع من قاموا بها من أن يأخذوا بالهم من أنها قد حدثت بالفعل … ” .. هل تمثل هذه الجملة تعبيراً عن عدم الثقة في كافة التحركات الجماهيرية في مصر وما خلقه ذلك من اعتياد يفصل الفعل عن النتيجة المُرتجاة ؟

ـ هي تعبير عن تجاوز للثقة ونقيضها ، وهذا الأداء منفصل تماما عن الفرح التلقائي المباشر بإزاحة ديكتاتور ونظامه .. يمكنك القول أنه رد فعل طبيعي وضروري لكن الأهم في في تصوري هو تخطي الحصار العقلي الذي تفرضه ذاكرة الفعل الجماهيري .. الانفلات من التحديدات الصنمية المبتذلة المتعلقة بالمراهنة على الوعي الجمعي ـ المتمنع عن الحسم أصلا أو عدم المراهنة عليه .. ما يعنيني بالأساس هو تشريح الأسس المتعددة ـ اللغوية خاصة ـ التي ساهمت في تشييد هذا الوعي وما أفرزته من منجزات وقيم ومبالغات تراكمية متشابكة .

* تحمل الجملة السابقة تناولاً رومانسياً للثورة، فهل تقيم الثورات وفقا لمنجزاتها ونتائجها أم وفقاً لما يطلقه الفعل الثوري من مشاعر انتشاء خارج سياق الرتابة ؟

ـ هذه رومانسية خادعة، الغرض منها الاندماج مع الانتشاء والاستغراق بشكل كلي في أوهامه لحيازة فضح سليم للجوهر الغامض الجدير بالتتبع والاكتشاف بكل ما يختزنه من أمراض .. في النهاية جعلت الفرح خدعة مقصودة ينبغي التورط فيها للتشويش على عدم اليقين الذاتي ولدعمه في نفس الوقت .. أما بخصوص المنجزات والنتائج فهي ما تسفر عنه تأملاتك وألعابك اللامحكومة التي تحدد علاقاتك بالثورة وليس ما يفرض عليك من واقع سيظل منفصلا وغريبا عن عالمك الخاص مهما بلغت درجة ارتباطك به .. لو شئت القول أن هذا الارتباط هو في حقيقته تعميق للوحشة الشخصية .

* هل ترى الثورة شيء إيجابي في حدود كونها نوعاً من التمرد على السلطة بكافة أشكالها ؟

ـ أنا لا أحكم على الأشياء وفقا لمعايير ” صحيح ” أو ” خاطيء ” أو ” إيجابي أو سلبي ” لأنها تحمل كافة شرور السلطة وهذا بدوره يوفر لنا الإلهام عن فكرة ” التمرد ” باعتباره تجليا لأنماط متباينة ومتشابكة للقمع .. إذا جاز لي التأكيد على انحياز ما فهو عدم الاستقرار على هوية مقدسة أو تعريف ثابت للسلطة أو للتمرد عليها بمعنى مراقبة هذه المراوغة والالتباس في الجدل الذي يكمن بينهما .

* هل تعتبر رفض بعض الفئات لتغيير السلطة نوعاً من التمرد على التمرد ؟

من ضمن الخدعة ما كتبته في إحدى مقالاتي بعد الثورة ، أن الحرية مربكة بالنسبة لهذه الفئات والتي قد تدفعها الضبابية والفراغ الناجمان عن سقوط رأس النظام الذي كان يمارس القهر ضدها إلى الرغبة في استعادته .. ذلك لا يتعدى نطاق الاحتمال وليس القانون الملزم ؛ فالحرية ليست أرضا واحدة معروفة يسهل على الجميع الاتفاق على كيفية الوصول إليها ، كما أن الارتباك يقترح أكثر من معنى للتعبير عن حقيقته ، وما يمكن أن تميزه كتمرد قد يكون تحققا من جهة أخرى لسلطة غير مدركة ، وهذا ينطبق بالتالي على السلطة التي قد تسعى لتنفيذ آلياتها عبر أشكال تقليدية للتمرد .

* ” على الثورة ـ ككل الأشياء ـ ألا تخدم أحداً ” فمن المنوط بحملها إذا ؟

ـ المقصود بالخدمة هنا هو التوظيف القمعي لمكاسبها ـ إن أمكن قول هذا ـ بمعنى الركون والثبات على مشيئة إلهية لفرد أو جماعة وفرضها على الآخرين كحقيقة مطلقة لا يمكن مساءلتها .. كذلك المحاكمة المستمرة للأفكار والمشاعر الذاتية التي يفرزها الحراك الثوري .. قلت في الكتاب أن هذا يندرج في نطاق اللامنفعة المابعد حداثية وهي بالفعل كذلك لأن التاريخ لم يكف حتى الآن عن تثبيت براهينه المحرضة على عدم الإيمان بإمكانية تفسير العالم .. أي وصفة إنسانية عن الاستفادة الشاملة والنهائية من الثورة يمكنها الصمود في مواجهة هذا الغياب المتجذر للحكمة ؟! .

* ” وفي العمق كل ثورة أخرى لم تقم ولن تقوم إلا بإعادة فتح الجرح ذاته ” .. رغم انفتاح هذه الجملة على تأويلات عدة، إلا أنها بالمُجمل تصب في اللاجدوى التاريخية الشاملة للفعل الثوري، فهل المقصود بذلك تجدد الجرح ذاته في دورانية عبثية أم إعادة إنتاجه بأشكال وصور تختلف درجة ونوعاً في سياق تقدمي ؟

ـ هذه الجملة لـ ” جان ليوتار ” وكان يتحدث عن ثورة أكتوبر التي انطلقت تحت غطاء الماركسية مؤكداً على أن ماركس اعتقد أنه قام بكشف وفضح الجريمة الأصلية في أصل شرور الحداثة وأنه بالتعرية عن الواقع سيمكن البشرية من الخروج من طاعونها الكبير .. في تصوري أن الجرح بمفهومه الوجودي وبكافة شروطه الكونية الملغزة لا يغلق أصلاً، وإنما يظل مفتوحاً على طبائع متغيرة وأعماق متجددة مع احتفاظه بكل ما يمكن تخيله من ثبات أزلي والأمر هنا يتعلق بالتعذر الراسخ للوصول إلى خلاص كامل من الألم والذي ينتظر كل فعل سواء تم تصنيفه ثوريا أو لا .

* * *
نُشر كذلك على الحوار المتمدن – العدد: 3374 – 2011 / 5 / 23