“يطلق مصطلح الاصولية الدينية على الافكار الدينية المنتشددة فى مسائل العقيدة والاخلاق والمؤمنة بالعصمة الحرفية للكتب المقدسة والمقتنعة بأنها تتضمن توجيهات لمجمل الحياة بما فى ذلك الشئون السياسية والنبوءات التى تشير الى احداث مستقبلية “.

فى ظل تشرذم الفصائل الفلسطينية عقب فشل اتفاق المصالحة بين فتح وحماس واعلان الرئيس اوباما مؤخرا انه من الصعب عمليا الوصول الى تقدم فى مشكلة الشرق الاوسط قبل نهاية العام الحالى .
واستمرار التوسع الاسرائيلى فى بناء المستوطنات رغم التحذيرات الامريكية واستمرار التعنت الاسرائيلى فى موضوع القدس او عودة اللاجئين .ومع صعبة خوض الانتخابات الفلسطينية فى الموعد المحدد فى يناير القادم بعد رفض حماس لاجراء الانتخابات فى قطاع غزة .
نجد اننا بصدد مشهد مهترئ لمشكلة الشرق الاوسط بعد مرور 16 عاما على اتفاقية اوسلو 1993 .
فهل كانت الاصولية الدينية فى الجانبين طيلة هذه الاعوام هى السبب المباشر فى عدم حدوث اى تقدم على صعيد الحل السلمى والنهائى للقضية .
لقد كان التشدد الذى تنتهجه حماس طيلة هذه السنوات سببا رئيسيا فى اجهاض اى محاولة سلام محتملة لتقريب وجهات النظر بين السلطة الفلسطينية واسرائيل وكان ذلك يحدث عن طريق تنفيذ عمليات استشهادية محدودة التأثير ضد مدنيين اسرائيلين ومؤخرا باحتلالها قطاع غزة عام 2007وشقها للصف الفلسطينى ورفضها لأى مفاوضات مع اسرائيل مما كان له ابلغ الاثر فى هدم كل جهود السلام التى تبذل لحل القضية .
وعلى الجانب الاخر نجد ان ارتفاع اصوات الاصولية فى اسرائيل كحزب شاس و التى ترفض السلام مع العرب او التنازل عن اى شبر من ارض الميعاد المقدسة بأن لهذه التيارات تأثير قوى جدا على القرار السياسى الاسرائيلى يوجه ساسة اسرائيل الى التشدد مع الطرف العربى وتخفيض شقف طموحاته بمرور الوقت ولنتذكر ان ايجال عامير فاتل اسحق رابين لم يكن مختلا عقليا او مخبولا ولكنه رجل تربى على تعاليم المدارس التلمودية والافكار الاصولية الدينية المتشددة المتزمتة . فالامر بالقتل على حد تعبير ايجال عامير قد جاء من الرب . ومن هذا المنطلق نفذ عامير حكم الاعدام على رابين لانه فرط فى جزء من الاراضى المقدسة ( غزة – اريحا )
هذا بالضبط ومع اختلاف الرؤية هو منطق حماس من اصحاب العمليات الاستشهادية الذين يؤمنون بأنه لا يوجد سلام مع اليهود تحت اى مسمى او ظروف وان النصر الالهى قادم لا محالة كما يقول القرأن من سورة الفتح ” قوله تعالى : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا .”
وقوله فى سورة الاسراء: فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاَخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوّلَ مَرّةٍ.
ومن ناحية اخرى سوف نجد ان الراعى الامريكى للمفاوضات لا يسلم ايضا من هذه الاصولية والتى تتمثل فى ظهور الاتجاهات اليمينية المتطرفة فى المجتمع الامريكى خلال الثلاثون عاما الاخيرة والذين يشكلون ما يزيد عن 25% من الشعب الامريكى ويؤمنون بحرفية الكتاب المقدس والمجىء الثانى للمسيح وعقيدة الالفية السعيدة وان المسيح سوف يبعث وينتصر على قوى الشر فى معركة هرمجدون بفلسطين ويحكم المؤمنين الف سنه سعيدة .
وهؤلاء هم من اعتبروا ان قيام دولة اسرائيل سنة 1948 واحتلال اليهود للقدس سنه 1967 هو بداية تحقق نبوءة العهد القديم ومقدمة طبيعية لحرب نهاية التاريخ فى هرمجدون .وقد كان من هؤلاء الرئيس الامريكى بوش الابن .
وكما يذكر رضا هلال فى كتابه المسيح اليهودى فأن الانحياز الكامل فى السياسة الامريكية لاسرائيل هو انحياز اساسه لاهوتى دينى وليس مجرد انحيازا لتأثير اليهود واللوبى اليهودى فى امريكا كما هو شائع .
وهكذا يفسر الاصوليون اليهود والمسيحين تأويلات جديدة للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد تشير الى مجىء المسيح ليحكم العالم فى الالف عام السعيدة تسبقه خطوتان عظميان هما عودة اليهود الى صهيون ( القدس ) واعادة بناء المعبد مكان قبة الصخرة الحالية . وهو تفسير رؤيا يوحنا عن معركة هرمجدون :
“ورأيت في فم التنين ومن فم الوحش ومن فم النبي الكذاب ثلاثة أرواح نجسة شبه ضفادع فإنهم أرواح شياطين صانعة آيات تخرج على ملوك العالم وكل المسكونة لتجمعهم لقتال ذلك اليوم العظيم يوم الله القادر على كل شيء ها أنا آتي كلص طوبى لمن يسهر ويحفظ ثيابه لئلا يمشي عرياناً فيروا عريته فجمعهم إلى الموضع الذي يدعى بالعبرانية هرمجدون”
وبذلك نجد ان التفسير الحرفى لبعض النصوص الدينية يسير حسب اهواء صانعى السياسة لتحقيق اهدافهم الاستعمارية .
ورغم ان الاصولية اليهودية والمسيحية قد وضعت برنامجا لتحقيق اهدافها ونجحت فى تحقيق ذلك مرحليا ، نجد ان الاصولية الاسلامية ترتكن الى الحل الالهى ولا تعمل شىء للاعداد له .
اان هذا الوهم المقدس عند كل الاصوليين رغم اختلاف دياناتهم هو السبب الاول والاخير لعدم تحقق امكانية حل ازمة الشرق الاوسط فى المستقبل القريب او المنظور.