في مقالي السابق ” مصر زائلة وكاميليا خير وأبقى ” كتبت عن مظاهرات السلفيين للمطالبة بالإفراج عن ” أختهم ” كاميليا التي زعموا أنها أسلمت وأنها مسجونة بأحد الأديرة ، وقلت أن السلفيين مجرد بلطجية تافهين مربوطين بالتشكيل العصابي المكوّن من السعودية وأمريكا واسرائيل الذي يدير اللعبة المخابراتية المسئولة عن تحديد المستقبل المصري بعد ثورة 25 يناير ، وأن على ميدان التحرير أن يستعد إذن ـ إذا أرادات السلطة المصرية هذا ـ لتسجيل يوميات اللعب بالنار .. بعدها بأيام قليلة ظهرت ” الأخت ” كاميليا لتعلن أمام العالم أنها لازالت مسيحية ولتنفي كافة مزاعم السلفيين عنها ثم تقع أحداث إمبابة في نفس اليوم .. لم يكن التنبوء معجزة وإنما كان مجرد توقع بديهي أنتجته الإشارات الكارثية التي تعطيها حركة الواقع بكل ما يحتشد به من القتلة واللصوص وبكافة ما يحميه من حروب وصراعات ولافتات مبتذلة .. من السهل جدا بناء على ذلك أن يكتب أي شخص عن أن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد ، وأن آلات الإبادة الجماعية ستواصل انتاج المزيد من أغنيات وشعارات وبيانات الوحدة الوطنية المسمومة ، وأن المسيحيين سيدفعون ـ كالعادة ـ ثمن توطوء النظام الحاكم مع التحالف الوهابي الصهيوني لتحقيق مشيئة القوى الرأسمالية داخل مصر وخارجها ، والساعية دوما لتوظيف كافة المتغيرات لصالحها حتى ولو كانت هذه المتغيرات ناجمة عن ثورة شعبية قامت ضد جرائمها وضد عملاءها المكلفين بتنفيذ مشاريعها ومخططاتها الوحشية .

لكن إذا أراد أحد أن يتحدث عن المواجهة الفعلية ـ وهو الكلام الوحيد في رأيي الذي يمتلك المبرر وشرعية الوجود الآن دون غيره ـ فما الذي ينبغي التأكيد عليه حقا ؟ .. نحن إزاء مشهد واضح لا يعجز الأعمى عن رؤيته يتم فيه قتل المسيحيين وإحراق كنائسهم برعاية السلطة المصرية المؤلفة من بقايا نظام مبارك من رجال أعمال وشيوخ وإعلاميين وسياسيين وعناصر أمنية بالتضامن مع المجلس العسكري الحاكم  وبدعم مادي من السعودية وأمريكا واسرائيل لفرض نظام حكم مستقبلي يتخذ ضرورته من السفالة الكلاسيكية لأكلاشيه ” الفتنة الطائفية ” .. نحن نتحدث عن حماية أرواح بشر تم الاتفاق على قتلهم من أجل حماية الدولار والوهابية واسرائيل .. يمكنني الآن بعد أحداث امبابه أن أذكّر بعض ” المثقفين المصريين ” بعنجهيتهم المريضة وبتسامحهم المتبجح والزائف الذي كتبت عنه كثيرا حينما كانوا يملأون الدنيا بشعاراتهم المتعالية الخائبة عن عدم خوفهم من السلفيين ، وعن ضرورة قبول التيارات الدينية كجزء من النسيج الوطني والتي كشفت عن أنانيتهم ونرجسيتهم الجاهلة بالقدر الذي حاولت به التعبير عن موضوعيتهم وحيادهم .. يمكنني الأن بعد أحداث امبابه أن أقول أنهم ” مثقفون مسلمون ” لأنهم ليسوا مسيحيين ولم يقتل أحد من أسرهم أوعائلاتهم أو أصدقائهم أو جيرانهم أو معارفهم ولم تحرق دار العبادة التي يصلون فيها .. كانوا ” مثقفين مسلمين ” ولهذا كانوا يتمتعون بالأمان اللازم لتحويلهم إلى ملائكة مغرورة ترفرف في سماء الفيس بوك والمدونات لإعلان حبها للجميع وأن الدنيا حلوة !!! .. يمكنني بعد أحداث امبابه أن أذكّر هؤلاء ” المثقفون ” بأنهم نقلوا معركتهم بعد الثورة إلى المكان الخطأ وضد الأشخاص الخطأ ـ سواء كان ذلك بفعل الغباء أو بفعل التضخم الحاد والمضحك للذات ـ حيث استبدلوا مواجهة الجيش والإخوان والسلفيين والجماعات الإسلامية ومافيا الخارج التي يشتغل عندها كل هؤلاء بمواجهة أي ليبرالي أو علماني أو أي أحد يحذر من نوايا التكاتف بين الدبابات واللحى .. بدلا من مواجهة مظاهرات ” كاميليا ” في الشوارع بمظاهرات مضادة ظلوا جالسين أمام الفيس بوك يتبادلون الصور والكليبات ويكتبون التعليقات المازحة عن سجناء طرة .. ماذا كانت نتيجة كل هذا ؟ .. أعتقد أن صور قداس ضحايا امبابة تكفي .

ولأن الأمر فعلا لن يتوقف عند هذا الحد ، ولأن أخبار وإشاعات وفيديوهات ” أسلمة البنات القبطيات ” لن تتوقف ولأن أخبار وإشاعات خطف ” البنات القبطيات من الشوارع ” لن تتوقف .. على هذا : إذا كان هناك بشرا في مصر يدركون أن مصر بعد ثورة 25 يناير لا يمكن أن يسرقها ثانية القوادون والسماسرة من  تجار الدين المأجورين الذين يتسببون في تعرض الحيوانات والحشرات لإهانة بالغة وأذى فادح كلما تم تشبيههم بهم ، وإذا كان هناك بشرا في مصر يؤمنون فعلا أن هناك قاتلا  ينبغي محاكمته وعقابه ومقتولا ينبغي الانتقام لدمائه ، وإذا كان هناك بشرا في مصر كانت لديهم القدرة على الخروج إلى الشوارع والتظاهر والاعتصام في أي مكان سواء قبل الإطاحة بمبارك أو بعدها .. على هؤلاء البشر التوقف فورا عن إصدار بيانات الإدانة والاستنكار على الإنترنت والخروج بشكل مستمر ودون توقف في مظاهرات حاشدة ليس إلى ” ميدان التحرير ” ولا إلى ” ماسبيرو ” بل إلى مقرات الجماعة السلفية في جميع أنحاء مصر ومراكز تجمع وبيوت شيوخها ونشاطائها وتهديدهم بشتى الوسائل ليجربوا معنى الترويع والاعتداء على الأمن والسلامة  .. عليهم عدم الكف عن إطلاق دعوات الإضراب والعصيان المدني داخل كل محافظة للمطالبة باعتقال هؤلاء الشيوخ وهم معروفون بالاسم والفيديوهات والتسجيلات والصور التي تدينهم متاحة للجميع ، وتقديمهم إلى المحاكمة لينالوا جزاءهم .. إنه الوقت الصحيح للمظاهرة المليونية التي راهن عليها الجميع من قبل .. عليها الآن أن تتواصل وتتلاحق ليس تحت شعارات الوحدة الوطنية وإنما تحت شعار واضح وصريح ومباشر لا التباس فيه : حماية المسيحيين من المجرمين السلفيين .. إذا أرادوا أن يقتلوا المسيحيين فليقتلوا المسلمين معهم .. على هذه المظاهرات أن تتوجه إلى مقر المجلس العسكري الحاكم دون أن تهدأ للمطالبة بتقديم السلفيين إلى المحاكمة بكل نجومهم ورموزهم من رجال الأعمال وأصحاب القنوات والشركات والأراضي والعقارات والفيلات والأرصدة الخليجية .. لا يجب القبول بتقديم أكباش فداء للمحاكمة .. لابد من محاكمة كل من حرض ضد المسيحيين بأي شكل من الأشكال سواء قبل الثورة أو بعدها .. على المظاهرات والاعتصامات والاضرابات أن تضع المجلس العسكري في مواجهة مع الشعب : إما القصاص من القتلة أو الحرب ضد الجميع وحينئذ سيتم تثبيت كل مجرم في مكانه الصحيح .