توقفت في المقال السابق عند نقطة “الرغبة الجنسية المتبادلة ما بين الأم-الابن” الناتجة عن عقدة فقدان العضو الذكري لكليهما، فبالنسبة للابن و كما هو معروف في علم النفس، يعاني الذكر من عقدة الخوف لفقدان عضوه، بينما تعاني الأنثى من عدم امتلاك العضو الذكري (حسب التفسير الفرويدي).
كلما تعمقنا في الأساطير نجد ان هذه العقدة أساس جوهري لعلاقة الأم-الابن، و التي تعكس رغبة و محاولة تعويض متبادلة، لهذا نستطيع أن نقول ان الآلهة، الشياطين و الأخلاق نبعت من هذه العلاقة المتشابكة بينهما.
ربما كان تركيز كثير من اختصاصي النفس على علاقة الأب-الابن و الواضحة في كثير من الأساطير، كونهم يرون و يدركون الخارج و المحيط من خلال نظرة ذكورية، و هذا شيئ طبيعي لأن إدراكنا ناتج عن “الأنا” الفردية، فمهما حاولنا الابتعاد عنها، إلا اننا نقع دائماً في فخها بنسب متفاوتة، لهذا أرى و من نظرة أنثوية وجوب التعمق في الأساطير مجدداً و إدراكها بشكل مختلف مع الارتكاز بالطبع على المفاهيم السابقة دون تبنيها بشكل كامل، بل محاولة إعادة و بناء الفرضيات مجدداً، أميل الى ان العلاقة القائمة على التنافس و الاسترضاء ما بين الأب-الابن ناتجة عن علاقة وطيدة حميمية مرتكزة على رغبة جنسية متبادلة مقموعة ما بين الأم و ابنها.

في أسطورة لقبيلة “أندامان”، نجد ان مسبب الجريمة أو الخطيئة الأولى هما امرأتان قامتا بسحق النباتات تحت تأثير أشعة الشمس. يعتبر “جيزا روهيم” ان أشعة الشمس القوية الموجودة في هذه الأسطورة تعكس حالة الرغبة الجنسية لدى الأنثى تجاه الذكر، و بشكل أصح، تجاه القضيب الذكري، لينتج عنه عصيان لما هو محرم، أي يمكننا القول ان الأم قد مارست الجنس بشكل فعلي مع ابنها، و قامت بعصيان لما حرمته الجماعة عليها و الناتج عن تمرد الابن في المرحلة الأبوية له ليقوم بتصعيد الغرائز الجنسية خدمة له و إشباعاً لرغبات نفسية عديدة، و يتجلى هذا في أول تحريم للعلاقات الجنسية التي أصابت علاقة الأم بابنها، مما يوضع لنا انعكاس رغبة و ظمأ أولي شديد من الأم تجاه ابنها قبل أن تنشأ عنها رغبة متبادلة من الابن تجاه أمه.
اذاَ علاقة الأب-الابن و ما نتج عنها هي نتيجة لعلاقة أقدم و أقوى و أكثر تعقيداً و هي علاقة الأم-الابن، كما نرى هذه العلاقة متجسدة بشكل واضح في أسطورة أخرى لنفس القبيلة عند ابادة الأم الأولى البشرية كاملة انتقاماَ لموت ابنها ” السلحية”، و السلحية هنا ترمز إلى القضيب و ذلك لقدرتها على تجديد أعضائها المفقودة، و بهذا يتمكن الذكر من الانتصار على خوفه من فقدان عضوه الذكري من خلال تجديده و نفي هذه العقدة.

اتفق كثير من الأنتربولوجيين على أن طوطم النبات و تحريمه يرمز إلى العلاقة الجنسية المحرمة، فكل نوع نباتي يرمز إلى فعل جنسي، أي اننا نستطيع القول ان الأخلاق و المحرمات و الشرائع مرتكزة على العلاقة الجنسية و الأعضاء التناسلية، و بقول آخر، نستطيع القول ان إله اليوم المعبود من كثير من البشر مهما اختلفت دياناتهم هو نتيجة لعلاقة جنسية متشابكة و متداخلة في نفس الوقت و التي خضعت إلى تناقضات الحالة النفسية الفردية و من ثم الجماعية، اذاَ الإله هو نتيجة لعلاقة قديمة محرمة و هي علاقة الأم-الابن.

نجد مكاناً واسعاً في الأساطير الطوطمية للأم الأولى التي حرمت كثير من النباتات على أفراد القبيلة و أباحت لنفسها أكلها، و كما قلنا ان أكل النبات يرمز إلى فعل جنسي.
لكن علينا التساؤل عن كيفية انتقال هذه الإباحة الجنسية للأنثى، أو للأم الأولى و من ثم إلى الذكر؟
أعتقد شخصياً ان الانتقال قد تم بواسطة الابن الذي استغل ضعف غريزة الأم تجاهه ليتمرد على سطوة أمه من خلال ايجاد قوانين أخلاقية و روادع لهذا الليبيدو الأنثوي، و اضطراره إلى تقمص دور الأنا الأعلى أو الدور الأخلاقي، لهذا نرى آثار الرغبة الجنسية للأبناء تجاه أمهاتهم و الخوف من فقدان أعضائهم الذكورية التي يمكن للأب قطعها في حالة ظهور هذه الرغبة بشكل واضح، أي أن الابن و الذي بدوره سيلعب يوماً من الأيام دور الأب، فضل قمع رغبته الجنسية تجاه الأم و التي تمثل هي أيضاً الأنثى بشكلها العام لصالح الأب، أي لصالحه شخصياً في المستقبل، يمكننا التعبير بشكل آخر، فضل الذكر المصالح المستقبلية عن مصالحه الآنية، و بما ان الأم حالة مستقبلية لحالة الأنثى الابنة، فقد فضلت هي أيضاً المصلحة البعيدة عن المصلحة القريبة، و بدأت بمساعدة ابنها للتمكن من السيطرة و انتقال السطوة اليه.

علينا أن نعلم بأن عملية انتقال السطوة و تقمص الذكر للقوانين و الأخلاق لم تمر بشكل هادئ، بل خضعت هي أيضاً لعراكات نفسية عديدة يعيشها الاثنان (الأم و الابن)، و لتمكين هذه الحالة الذكورية المبنية على المصلحة البعيدة لكليهما، كان و لا بد ترسيخها من خلال مفاهيم دينية رادعة لأية محاولة تمرد، لهذا نجد أن الإله نفسه يعاني من تناقضات كثيرة تعكس الحالة البدائية للعلاقة الجنسية الأولى ما بين الأم و ابنها، و من هنا نجد ان بعض الأديان ركزت على هذه العلاقة و خصت الأم بمكانة تفوق مكانة الأب، و لهذا تحلم الأنثى و خصوصاً الأنثى الخاضعة لهذه القوانين و الأديان بإنجاب طفلاً ذكراً، و ذلك لاسترجاع مكانتها المفقودة.

و لهذا لا عجب أبداً أن كثير من القبائل الأصلية و بعض الأديان قد قامت بتحريم الزواج من نساء عدة، فهي مرتكزة على علاقة الطفل بأمه و الرغبة في العودة الى الطفولة عند التصاقه بإمرأة واحدة، أي تكرار الحالة الطفولية ثانية، و لهذا لا عجب أيضاً أن نراها عند بعض فصائل القردة و التي فضلت التزاوج الأحادي.
نعود إلى القبائل التابعة لنظام التزاوج الأحادي، فنجد ان أسسها قائمة على ثالوث الأم-الطفل-الأب، و تقديس العلاقة الزوجية بعد مجيء الطفل، هذه العلاقة نجدها في الدين المسيحي مع استبدال الأم بالروح القدس، و هذا يعكس بالطبع تراجع مكانة الأنثى و بالأخص مكانة الأم في هذه المجتمعات في ذلك العهد (طبعاً لم تتحسن مكانة الأنثى حالياً في هذه المجتمعات نتيجة للموروث التاريخي الثقافي و الديني).

اذاً الإله يعكس عملية التصعيد للذكر الشافي لحالة عقدة الذنب الناتجة عن علاقة جنسية محرمة ما بين الأم-الابن، بينما تعكس الشياطين و العفاريت الحالة الأصلية للدوافع الجنسية-العنيفة للطفل، حسب تحليل مختصي الانتربولوجيا النفسي، و التي برهن عليها أطباء نفسيون كثر من خلال متابعات اكلينيكية لأطفال عدة، و التي تتلخص برغبة الطفل باختراق جسد أمه، و المولدة لحالة القلق النفسي لديه، هذه الحالة المؤثرة على الطفل تجعله يهرب منها من خلال المخيلات الحائكة لقصص الجن و العفاريت و الشياطين.