عادةً و نحن نختلف مع برامج و أفكار و مناهج الإسلاميين نناقش نقط محدودة و محددة على غرار المواطنة أو فكرة دولة المؤسسات أو حقوق المرأة دون أن نلتفت لكون هذا نقاش في حالات دون البحث في الجذور ، إن الوضع هنا حسب تشبيهي نقاش فرع الشجرة دون الإلتفات إلى الجذور المنتجة و هي أصل المشكلة ، إن تحديد المصدر هو أشبه بتحديد مصدر المرض الأصلي أو تحديد العائل الأول لإخراج المصل المطلوب للقضاء على الفيروس.

في بحثي عن المصدر الأول وجدت كلمة تلخص المشكلة و هي النسبية ، إن أصل مشكلاتنا كلها كالمواطنة الكاملة و مدنية الدولة و قوانينها و ملامحها ناتجة عن نقطة النسبية و فهمها و كما قال خالد محمد خالد..من هنا نبدأ.

تبدأ المشكلة مع نقطتين الأولى هي القواعد المجردة للإنسانية و الثانية هي النسبية.

*القواعد المجردة و هي مصدر الأديان و مفاهيمها و قواعدها من عدالة الى حرية و مساواة تُعد مرجع لكل البشر و من أجل تعميم تلك القواعد توجد الديان كسبب أساسي الهي لتحقيق تلك القيم ، من هنا فإن أي تطبيق ديني أو إنساني لا بد أن يكون مرجعه في النهاية تحقيق تلك المبادئ المجردة و أي تطبيق يؤذي تحقيق هذا الهدف فهو غير إنساني و بالتالي خاطئ.

*النسبية في كل شئ كأساس للحياة لسبب هام هو الإختلاف الإنساني و المجتمعي بين كل البشر فلا يمكن أن نضع قاعدة و نسميها موحدة للتطبيق في حياة كل البشر بلا إستثناء ، النسبية هي قاعدة الحياة الأولى و التي بدونها ستفشل النظرية أو قاعدة العمل تماماً لوجود الإختلاف البشري ، التيار الإسلامي مُصر في كل أدبياته على رفض فكرة النسبية أو تقبلها في شكل محدود للغاية لا يؤدي الى تطبيق حقيقي للنسبية.

دعونا نختار مثال و هو الحق الجنسي ، في الغرب (و أغلب الشرق) تعريف محدد يتناو حرية الطرفين سواء زوجين أو شريكين من نوعين أو نوع واحد و يجعل الخيانة إخلال أحدهما بعلاقتهما في تصرف (غير أخلاقي) ، عندنا الأمر مختلف فهي علاقة بين زوج و زوجة فقط و الاخلال (غير أخلاقي) ، بالنظر للنموذجين فلا تعريف محدد للحق الجنسي و لا للأخلاق بالمرة فالتناقض فج لكن طبيعي في إطار المجتمعات المختلفة عن بعضها و بالتالي فنرى نسبية مكانية لتعريف هام كالأخلاق مثلاً و كلا الطرفين على حق.

فالدين له قواعد كقصة الخلق و العبادات و غيرها لا تتغير أبداً و لكن له رؤية قاصرة على زمنه حين ظهر و هي الرؤية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و هي التي بالتالي نسبية متغيرة مختلفة عن النقاط الغير نسبية.

هنا نعود لنقطة خلافنا مع الاسلاميون فكيف بدأ الأمر؟

في حياتنا شئون متغيرة دوماً تشمل كل شئ حتى الدين في تغيير شامل عبر العصور و ربما عبر سنوات قليلة ، الإسلاميون متمسكون بشكل الحياة في عصر محدد و بنصوص دينية محدةة و كلها سواء شكل الحياة أو النصوص متعلقة بالسياسة و الإقتصاد و هي ملامح جذرية التغيير فبات الأمر أنهم يستنسخون ملامح عصر محدد و يبررون الاستنساخ ببعض النصوص الدينية مهملين قاعدة النسبية ، نحن نؤمن بأن النسبية تحكم كل شئ في سبيل تحقيق القيم المجردة للعدالة و الحرية و المساواة فنموذج كالحقوق المدنية هم يستنسخون ملامح عصر كان يفرق سياسياً بين مسلم و غير مسلم و نحن نقول بأنها سياسة نسبية متغيرة فللعصر الماضي ملامحه و لنا ملامحنا لأن السياسة نسبية ، هم يستندون مثلاً لآية قرآنية تحد من شهادة المرأة في العقود التجارية و نحن نقول أنها قواعد نسبية فالقرآن أقر قاعدة تناسب حالة و تلك الحالة تغيرت فالنسبية موجودة و متحققة و بالتالي تصير شهادة المرأة هنا مساوية للرجل بحكم أن الظرف المسبب للتفريق انتهى و باتت النسبية موجودة.

عمر بن الخطاب ألغى سهم المؤلفة قلوبهم و هو فرض قرآني و سنة نبوية و سنة أبي بكر فلماذا؟

الجواب لأنه كان رجل عاقل يعلم بنسبية القوانين الخاصة بتوزيع الثروة الواردة بالقرآن فحين كان للسهم ضرورة كان باقياً و حين انتهت لم يستنسخ عصر النبي (الذي انتهى من عامين) و ألغى سهم المؤلفة قلوبهم لعدم فائدته.

ألا نرى هنا قاعدة النسبية تتجلى؟

إن العمل بالنسبية هو أصل الخلاف مع الإسلاميين فهم يريدون نقل جاف لعصر انتهى منذ قرون سياسياً عبر الخلافة و قانونياً عبر الحدود و اقتصادياً عبر قواعد لعصر ما قبل الاقتصاد الحديث ، نحن نريد إرتباط بعصرنا عبر استلهام النظم الديموقراطية المدنية في اطار نسبي يفرق بين عصر و عصر في شئون متغيرة هي السياسة و نريد قوانين بديلة عن الحدود تناسب عصرنا و بشر عصرنا في إطار نسبي يفهم أن القوانين (كسهم المؤلفة) نسبية و نريد قواعد اقتصادية في عصر الوحدة الحالي حيث عالم بلا قيد و لا حدود .

إن النسبية تقود لتحقيق قواعد العدالة و الحرية و المساواة في تكامل بَيِّن بشكل صريح ، نحن نقبل النسبية و نعمل بها فاهمين لطبيعة كل عصر و لكون الأديان بقواعدها لها هدف أسمى هو تحقيق قواعد العدالة و الحرية و المساواة فهذا هو هدف الأديان و ليس هدفها تطبيق جامد لنصوص جامدة.