كثير أوي و لإفتقادنا القدرة علي تقبل الإختلاف ننهي أي نقاش بعبارات تطفيء نار الجدل و التشاحن في من نوعية “محدش فاهم حاجة” و “الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” و غيرها. و أنا بالطبع كثيرا ما أقول تلك العبارة أنه “محدش فاهم حاجة” بينما في أعماقي أنا علي ثقة و إيمان كبير بأنني أقرب ما يمكن إلي الصواب و الحقيقة المطلقين و أنه بقية البشر دونا عني. بس ده مش لأنني عبقري أو كشف عني الحجاب و لكن لأن من حولي يؤكدون لي أنه فعلا “محدش فاهم حاجة”. ما هو لما الإخوان المسلمين و الكنيسة و الجيش و القومجية و كمان السلفيين يقولوا أنهم يبغون دولة مدنية, يبقي أكيد في حاجة غلط! ما هو مش معقولة الناس دي كلها بإختلافتهم و تناقضتهم مرة واحدة كدة هتجمعهم كلمة سواء. دي يا ريتها حتي كلمة سواء ده أغلب التيارات و القوي السياسية بصمت بالعشرة علي مدنية الدولة.

و لعلك تتسائلين ده بيزعجني في إيه؟ شوفي يا سيدتي, تعالي كدة نأخذ الإخوان المسلمين كنموذج و نراجع تصريحات الدكتور عصام العريان و المفكر الإسلامي محمد سليم العوا و غيرهم اللي بيقولوا أنه لا توجد دولة دينية في الإسلام بمعني أن يحكم الفقهاء و رجال الدين و أنه بالتالي لا داعي للقلق و الخوف الغير مبرر من مشروع الإسلام السياسي في مصر. أنا طلعت غلطان: هي المسألة مش أن محدش فاهم حاجة أكثر ما هي أن القوي السياسية تمارس إستراتيجية “تكوير المربع” في التعامل مع الفترة الحالية و “تكوير المربع” لمن لا يعرف هو أن تفرغ قيمة ما من معناها و تبقي الإسم و أن تخلص قيمة أخري من إسمها ثم تدمج ده مع ده و تصبح النتيجة أن قوي إسلامية مثل الإخوان المسلمين عاوزين دولة مدنية  و قيادي بارز زي دكتور أيمن نور يقول أنه يؤمن “بليبرالية ابن تيمية” و قم بالقياس علي كدة و كله لزوم جس النبض و التماشي مع الموجة و تتويه المتربصين. نعود بقي لمدنية دولة الإخوان: هو المشكلة تفتكروا بالنسبة لمن يؤمن بقيمة الحرية مين مثلا اللي هيكون علي رأس الدولة أثناء تطبيق حد الردة  أو العقوبات التعزيزية أو التعدي علي حرية التعبير؟ و هل وجه الإختلاف إذا كان الحاكم ده رجل فقيه بعمة و لا رجل سياسي بكرافتة و بدلة؟ الإشكال أعمق من كدة بكثير و لكن أنا لن ألوم الإخوان المسلمين و تيار الإسلام السياسي عامة في الرد الساذج علي مخاوف الكثيرون من صعود الإسلاميين لأن التيار الليبرالي و العلماني لا يقدر أن يصارح المجتمع  و الرأي العام بعد بلب المشكلة. معلهش ما هو إيه اللي يخلي واحد يقولك أنا عاوز قانون وضعي لو هو مش شايف أن ما يقدمه الأخرين علي أنه مشروع يخدم إرادة الله علي قدر المستطاع, من الأخر كدة, أونطة؟ حتي الان لا يوجد حوار جاد يدور حول ما يمثله المشروع الإسلامي من قيم و أسباب رفضه و هي دي النقطة اللي يتفادها أغلبية معارضي التيار الإسلامي يا إما بحسن نية لأنهم تربوا في ثقافة مصرية فريدة إحتوت تناقضات عدة بدون أن تقارع بعضا البعض في ضمير ملايين المصريين يا إما خائفون علي أنفسهم من النبذ علي أحسن تقدير و لهم في فرج فودة مثال يا إما, أخيرا, هو مش فارق معاهم أصلا لا ليبرالية و لا حرية : أهو ده البادج اللي شايلينه و خلاص.

أظن أنه حان الوقت للمصارحة و الشروع في صراع الأيديولوجيات و إقحام أزمة الهوية اللي صدعونا بيها المفكرين و الكتاب السنين اللي فاتت دي في الحوار السياسي و الإجتماعي. من هي مصر؟ و ماذا يريد الشعب بالفعل؟ مصر ستصبح مسرح لمواجهة تم تأجيلها كثيرا بين القيم المدنية و القيم الدينية (ده لو كان جائز أن نضعهم في أقطاب مطلقة),  و التقاليد و التغيير, و الماضي و الحاضر مش بس في السياسة و لكن أيضا في ضمائر و عقول الناس. أستطيع أن أتصور أن أمريكا و إسرائيل ستحاولان التدخل أو أن إيران و تركيا و دول الخليج سيحاولوا التأثير علي ما يحدث في مصر بصورة أو بأخري. ده غير طبعا مشاكل البلد الإقتصادية و الإجتماعية و تحدياتها الدولية و الإقليمية بس مأظنش أنه في حاجة هتغلوش علي الكلام ده كله أكثر من “تكوير المربعات” يعني بإختصار و بلغة بلدي: اللف و الدوران و اللعب بالثلاث ورقات. و ده كل اللي أنا شايفه حاليا حتي و أنا لا أتوقع الكثير من السياسيين …. يعني لسة مفيش جديد و لعل من هنا لحد الإنتخابات البرلمانية تدخل مصر في نقاش مهم و جاد و محاولة تقارب وجهات النظر و خلق قواعد شعبية لكل الأطياف . تفتكروا ممكن؟