عن دار عرب للنشر والتوزيع صدر كتاب ” 25 يناير : التاريخ ـ الثورة ـ التأويل ” .. يقع الكتاب في 206 صفحة من القطع المتوسط ويضم 3 دراسات :

ـ ثورة مصر الدائمة من 1795 إلى 2011 / مجدي عبد الهادي

ـ هل سقطت جمهورية يوليو ؟ / حسام شادي

ـ الثورة والخيال المابعد حداثي / ممدوح رزق

 

* * *

على الثورة ـ ككل الأشياء ـ ألا تخدم أحدا

 

 

تحاول ما بعد الحداثة ربط الثورة بالخيال الحر أو تحديدا بما يسمى : ( تأويل اللانهاية ) بالتعبير الفرويدي ، وهو انفلات من قانون المفهوم وإعادة التذكر والتنبوء .. تجاوز للميتافيزيقا وتجاوز لكافة محاولات تجاوزها السابقة ، والتي لم تخرج بعيدا عن أرضها .. ذوبان الذات في ما ينبغي تأويله إلى ما لا نهاية ، وهذا ما يجعل ( الثورة ) خاضعة دوما للتساؤل .. يجعلها متاحة للتفكير ليس في أحداثها ولا معانيها فحسب بل وفي ما هو محتجب عنا منها سواء كان لحكم سابق أو لتصور مستقبلي .. تسعى ( ما بعد الحداثة ) هنا لتفادي خدعة البحث عن الأصل الماضوي في الثورة باعتبارها نتيجة مباشرة له ومتبرأة مما عداه حيث يعد هذا مجرد تكرار لما هو سابق .. ( ليوتار ) في مقاله ” إعادة كتابة الحداثة ” والذي ترجمه : ( رضوان شقرون ) و( منير حجوجي ) يعطي نموذجين لهذه الخدعة قائلا :

 

” لقد اعتقد ( ماركس ) أنه قام بكشف وفضح الجريمة الأصلية  في أصل شر الحداثة ” يتعلق الأمر باستغلال العمال ” واعتقد كذلك كمحقق شرطة أنه بالتعرية عن الواقع سيمكن البشرية من الخروج من طاعونها الكبير .. إننا نعرف اليوم أن ثورة أكتوبر تحت غطاء الماركسية وفي العمق كل ثورة أخرى لم تقم ولن تقوم إلا بإعادة فتح الجرح ذاته : يمكن للتعيين وللتشخيص أن يتغيرا ولكن المرض نفسه يعاود الظهور داخل إعادة الكتابة هذه. . لقد اعتقد الماركسيون أنهم قضوا على اغتراب البشر، ولكنهم لم يقوموا إلا بتحويل هذا الاغتراب من مكانه .

نقترح الآن التوجه نحو الفلسفة : لقد حاول ( نيتشه ) تحرير الفكر وطريقة التفكير من قبضة ما سماه الميتافيزيقا ، أي ذلك المبدأ الذي يشير منذ أفلاطون وحتى شوبنهاور إلى القضية الأساسية الوحيدة بالنسبة للبشر المتمثلة في الكشف عن الأساس الذي يمكنهم من التحدث بشكل ملائم مع الحقيقة ، ومن الفعل وفقا للخير والعدل .. إن الطرح الأساسي عند نيتشه هو الاستحالة الجذرية لأي “وفقا لـ” نظرا لاستحالة المبدأ الأول أو الأصلي ، تماما كما طرحت ذاتها فكرة الخير عند أفلاطون أو مبدأ العلة الكافية عند لايبنز .. إن كل خطاب بالنسبة لنيتشه بما في ذلك خطاب العلم أو الفلسفة يجب أن ينظر إليه كمنظور ، ولكن نيتشه يسرع بدوره إلى تعيين ما يؤسس المنظورات ذاتها في ما يسميه إرادة القوة .. تعيد فلسفته بذلك إنتاج الطرح الميتافيزيقي وتحقق أكثر من ذلك وبشكل دوغمائي ومتكرر جوهر الميتافيزيقا لأن ميتافيزيقا الإرادة التي ينهي بها فلسفته هي ذاتها التي تحويها الأنظمة الفلسفية للغرب الحديث ، وهو ما يوضحه هايدجر” .

 

يذكرنا ( ليوتار ) في نفس المقال بقاعدة ” الانتباه العائم المتساوي ” التي ألح ( فرويد ) على أي محلل أن يحترمها : ضرورة إعطاء نفس الأهمية لكل ما ينتجه المريض من كلام حتى وإن بدى تافها أو دون قيمة .. تقول القاعدة ما مجمله : لا يجب إصدار حكم مسبق ، يجب تعليق الحكم وجمع المعلومات وإعطاء الأهمية ذاتها لكل ما يأتي من المريض دون التدخل فيه .. من جهته ، على المريض أن يحترم وضعا مماثلا : عليه أن يترك كلامه طليقا وأن يترك ” الأفكار ” والصور والمشاهد والأسماء الجمل تأخذ مجراها كما تنتج على لسانه وعلى جسده ، ” في فوضاها ” دون أن يخضعها لاختيار أو قمع ” .

 

هذا التذكير يقيم علاقة بين ” تأويل اللانهاية ” ، والإحساس والإنصات له بتعبير ( ليوتار ) ، ولو طبقنا هذا على الثورة لحولناها إلى شذرات من جمل وكلمات ومقاطع تكوّن وحدات غير منطقية لمشاهد لا تأخذ في عين الاعتبار البحث عن قيمة .. طريقة / تقنية لا تقدم معرفة بل تستبدل التعريف بحضور الماضي كفاعل لا يطرح ركائز قديمة وإنما يوفر للحاضر موضوع الفكر إحساسه الجديد .

 

يقول ( كانط ) : إن الخيال يعطي للعقل مجالا للتفكير أكثر مما يمنحه العمل المفهومي للفهم ” .. الثورة إذن عليها أن تكون منفتحة للخيال وللتداعي الحر ولكل ما هو معلوم ، ولكل ما نجهله .. أن يصير الزمن الشخصي هو زمن الجميع في نفس الوقت .. الثورة لا يكشف عنها ولا تُمثل وإنما  يُكشف عن عناصر لها تُوثق وفقا لآلية غير محاصرة بالحجج والبراهين .. إنها اللامنفعة المابعد حداثية التي لا تقدم حقيقة بل تشتبك مع واقع يقع دائما خارج دائرة الفهم .

 

* * *

ممدوح رزق

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D9%85%D8%AF%D9%88%D8%AD-%D8%B1%D8%B2%D9%82/140571469348154