إلى مجدي رزق

 

فعلت كل ما هو ضروري .. وقفت في منتصف حجرتك وشغلت Honey Honey لكن البوستر الكبير لفريق ABBA لم يخرج من الحائط في نفس المكان الذي كان ثابتا عليه ولا في أي مكان آخر .. رفعت ذراعيّ في الهواء فظلا كما هما طويلين وثقيلين أكثر من اللازم .. الأسوء أن جسدي أيضا لم يصغر ، ومع ذلك انتظرت تجاوزك عن عدم حدوث تلك التغيرات لتظهر فجأة من هذا الفراغ الصامت تماما ، وتأخذني من يديّ ، ونندفع ضاحكين نحو الصالة كي نرقص على الأغنية كما تعوّدنا .. لكنك لم تفعل .. ” بابا ” ليس هنا ، وكذلك ” ماما ” ، أما أختنا فأنا واثق أنها لن تشتكي هذه المرة ولن تصيح فينا وتتهمنا بالجنون .. ما الذي يمنعك إذن ؟ .

صحيح أن البنت البيضاء الجميلة ذات الركبتين الممتلئتين لم تعد تقف في الشرفة المقابلة حتى تراك لأنها تركت بيتها منذ زمن لتعطي رجل غيرك في منزل آخر ما هو أكثر من ركبتيها .. صحيح أن البيت نفسه لم يعد موجودا وأن ما تبقى منه صورة فوتوغرافية منشورة على مدونتي ، وقطع قليلة من الطوب المفتت لا أعرف هل تعمد من هدموا البيت تركها إلى الآن أم أنها هي التي أجبرتهم على البقاء .. لكن على أي حال لماذا لا تعتبر هذا ـ من أجلي على الأقل ـ نوع من الهزائم العادية التي ينبغي على الحياة أن تستمر بعدها بأي شكل ، وألا تدفعنا آلامها إلى الاختفاء التام مثلما قررت أن تفعل كل هذه المدة ؟ .

طبعا لايزال في العالم الكثير من الأولاد ” تربية شوارع ” الذين يستغلون حاجة ولد ” تربية بيوت ” إلى صداقتهم حتي يأخذ كل واحد منهم بواسطته فكرة ولو عابرة عن مدى تحول ” حمامته ” إلى ” أفعى ” .. لكنه مجرد ماضي فحسب .. أنت لم تعد صغيرا كما أنك جربت الشوارع بما يفوق خبرة أكثر البشر انتماءً لها .

أشياءك التي احتفظت بها لفترة والتي ضاعت لأسباب لا أريد أن أتذكرها الآن تمكنت من استعادتها أخيرا : ساعة يدك الرقمية التي كنت تشعر دائما أنها متصلة بقنبلة لامرئية زرعها الزمن في جسدك قبل اختباءه دون أن يعرّفك موعد انفجارها وجدتها محشورة وراء المكتبة وتحديدا وراء رف الكتب التاريخية .. قصص المغامرون الخمسة والمغامرون الثلاثة والشياطين الـ 13 عثرت على بعض منها عند باعة الجرائد والباقي أواصل البحث عنه وتحميله من الانترنت ، أما صور شراميط الثمانينيات اللاتي كنت تصورهن عرايا بالكاميرا الفورية التي أحضرها أبوك من السعودية فللأسف لم أستطع العثور عليها ، وأغلب الظن أنني أهملتها نتيجة استنفاذ غرضها السري بعد توفر بدائل أكثر واقعية جعلتني لم أعد في حاجة لأخذها معي إلى الحمام .. لكن صدقني فأنا لازلت أتذكرهن ، ولازلت أتعرّف عليهن بوضوح تام داخل الأفلام التي تعطيها مواقع البورنو كنتائج كلما كتبت كلمة ” Classic ” داخل خانة البحث .. الذي لم أفقده أبدا ومازلت أحتفظ به بحرص بالغ هو الدفتر الصغير الذي كنت تكتب فيه خواطرك عن الله والوحدة والحياة والموت وركبتي البنت البيضاء الجميلة .

فندق ” أبو شامة ” لم يعد موجودا ولكن لا تنزعج فـ ” مارشال المحطة ” و” راندوبلو ” و” القهوة الأهلية ” و” فندق مكة ” لا زالوا في أماكنهم : هل تتذكر حفلة رأس السنة في ” مارشال المحطة ” والتي عدت منها بصورة مع ” علاء عبد الخالق ” ؟ .. الصورة وضعت في برواز صغير لكن ” علاء عبد الخالق ” لم يعد موجودا بها لأن أختك انتزعته بالمقص خارج المشهد لتتركك وحدك برفقة ذراع ” علاء ” المقطوع الذي يحاوط كتفيك .. هل انتبهت أختك أنها أيضا مزقت الكلام الذي كتبته بخط يدك على ظهر الصورة : ( علاء عبد الخالق .. صوت الحب .. مارشال المحطة .. حفل رأس السنة .. 1988 ) فلم يعد باقيا منه سوى : ( علاء عب .. صوت الحـ .. مارشا .. حفل رأس .. 88 ) ؟ .. ربما هي لا تعرف ” علاء عبد الخالق ” ولا يعنيها ” مارشال المحطة ” ولا يمثل لها ” 1988 ” قيمة ما ولهذا أرادت الاحتفاظ بك وفقا لرغبتها .. معزولا عن سعادة اللحظة القديمة التي لا تخصها حيث يقتضي الخلود في بعض الأحيان فصل الجسد عن ذاكرته باعتبارهما شيئين مختلفين .

بالمناسبة ” باولو كيرياكيدس ” أغلق محل الخمور .. كنت جالسا معه منذ فترة وحزنت أنه لم يتذكرك رغم أنني رأيت وجها يشبهك تماما في لوحة من اللوحات الكثيرة التي تملأ بيته .. هل كنت تعرف أنه رسام ، وأنه لن يرجع إلى ” اليونان ” وأنه يريد أن يموت في ” المنصورة ” ؟ .. هل تصدق أنني حينما سألته عن اللوحة وعن هذا الوجه الذي يشبهك أخبرني أنه تصوره الشخصي لملامح المسيح ؟ .. لم يكن في اللوحة سوى هذا الوجه وحوله الفراغ الذي لا يمكنه أن يشبه فراغا آخر إلا هذا الذي في حجرتك .. أنا أعرف أنك هنا وأنك ربما تكتم ضحكاتك في هذه اللحظة بإجادة تامة وأنت تراقبني من مكانك السري مثلما تعوّدت أن تفعل كلما دبرت لي شركا كوميديا .. على فكرة أنت لازلت شريرا جدا .

 

* * *