نستطيع القول ان التخيلات التي تجتاحنا عبارة عن ثمرة لصور عقلية وجدت للتعويض عن خيبات امل أو قلق نفسي، و من هذه الخيالات الحرة و المنعتقة من كل الموانع و التابوهات الخارجية، ولدت القصص الخيالية لتأخذ يوماً ما منعطفاً مؤثراً على حياتنا و طريقة تفكيرنا فتتحول إلى وحوش و آلهة و شياطين.
و لكن من اين نبعت هذه الصور الخيالية العقلية؟

بين لنا علم الأنتربولوجيا النفسي ينبوع هذه القصص المرتكزة بشكل أساسي على الطفولة، فمع احتياج الطفل إلى الخارج و المترافق لشعور عدم الاستقرار، و الحذر، و منهما يولد القلق و العنف النفسي تجاه الآخر. هذه المشاعر تتجلى بوضوح من خلال الأحلام أحياناً، و أحياناً من خلال الجلسات الاستشفائية لمرضى العصاب، إلا انه بالتأكيد يمكننا رؤيتها بشكل واضح من خلال الآساطير، القصص الخيالية، الأديان و الآلهة اجمع.

نعود اذاً إلى الحالة الطفولية و التي منها نشأت الصور الخيالية و التي تحولت مع الزمن إلى ديانات اسطورية، بالطبع علينا النظر اليها بشكل واقعي، أي خارج دائرة المشاعر المتراكمة و المتوالدة لدينا من خلال التلقين و الحشو الفكري عبر الزمن.

من المؤكد اننا لا نستطيع أن ننسب ظهور الأديان و الآلهة إلى عامل واحد، فلا يوجد عامل فردي واحد بل عدة عوامل مؤثرة تنتقل و تتفاعل ما بين الفرد و الجماعة، و بتعبير أدق، تتفاعل هذه العوامل النفسية الفردية مع المؤثرات الجينية الجماعية البيئية، أي ان الأديان عبارة عن حصيلة نفسية بدأت عند نشوء الكوارث الطبيعية و تأثر الكائنات الحية بها إلى يوم ظهور الانسان و تطوره تدريجياً.

كثيراً ما يستهجن البعض من فرضية انتقال هذه المعاناة و المؤثرات نفسياً عبر الأجيال، و خصوصاً ان العلم مازال إلى يومنا هذا عاجز عن اعطاء الآلية الموثوقة لتوارث هذه المعاناة و التي بنيت عليها فرضيات كثيرة، إلا ان ما أعجب له هو تبني الحجج العلمية الناقضة لهذه الفرضيات من خلال أفراد و مؤسسات تعتقد بما هو خارج عن العقل و المألوف، أي استطيع تفهم نظرة علمية مناقضة لهذه الأسس بحجة عدم التوصل إلى نتيجة تجريبية تتيح لنا معرفة الآلية الخاصة لها، أما ما لا أستطيع فهمه هو عند تبني أفراد و جماعات يتنفسون و يعيشون في الخرافة نفسها، يخشون الشياطين و الآلهة و يقتنعون بالغيب و المكتوب، و من ثم يأتون متبرجين بحجج علمية لا يفقهون منها شيئاً سوى للنقض و لاثبات خرافاتهم.

لا نستطيع تلقيب هؤلاء الأفراد، أو الجماعات إلا بماكينات ناسخة للمعلومة الملقنة، ليس هذا فحسب، بل نستطيع لمس عجزهم عن الاحساس الغريزي الجنسي من خلال سلوكياتهم و أفكارهم و أخلاقهم.

هؤلاء عاجزون عن النظر و الإدراك إلا من خلال ما حرمه إله فاقد للذكورية محاولاً تعويضها من خلال سطوة ذكورية قائمة على سحق الأنثى.

دعونا نبحر في أصول الآلهة و الشياطين، و فهم انقسام الخير عن الشر، و الآتية كلها من الغريزة الجنسية، لهذا نجد ان تحريم الغريزة و تشويهها أمر لا بد منه من أجل سيطرة الخرافة على عقول البشر، و للوصول إلى سلامة عقلية، علينا الغوص في ينابيع الاساطير و التصالح مع غرائزنا.

لنسافر الآن في ترهات الاساطير عند القبائل الاسترالية، و لنتوقف عند قبيلة “اندامانيز” لنستشف الفحوى المختبئ ما وراء اساطيرهم، و على حد تعبير “روهيم” ترتكز اسطورتهم على الأب الأول “بولوجا” و رغبته الجنسية المقتصرة على ذاته في ممارسة الجنس مع النساء، سواء كنّ امهات او اخوات، و معاقبة كل من يتجرأ على اقامة أية علاقة معهن، اما بخصيه أو زج عنقه… إلا انه مع مرور الزمن استطاع ذكور القبيلة من الأخوة قتل الأب “بولوجا” ليحلوا مكانه و ليؤسسوا تشريعات خاصة بهم، و هنا نلاحظ ان صورة قتل الابن لأباه تتكرر في كثير من الاساطير و التي على أساسها وضع “فرويد” فرضيته لركائز الأخلاق و القائمة على عقدة الذنب و المصالحة مع الجريمة الأولى، ليتم منع الممارسة الجنسية بين الامهات و أولادهن و من ثم بين الأخوة و الأخوات.

لنتمعن قليلاً في هذه الاساطير و التي تدلنا على ان الرغبة الجنسية للأبناء تجاه أمهاتهن، ربما تكون نتيجة رغبة متبادلة ما بين الأم و ابنها، فالحمل العجائبي للأم من دون الجماع المباشر مع ابنها نجده في كثير من الاساطير الطوطمية و الاغريقية و غيرها، والذي يعكس الجماع المباشر المحرم.

لهذا يحق لنا التساؤل عن هذه العلاقة المتميزة ما بين الأم و ابنها، و التي أصابها أول تحريم جنسي قبل تحريمه ما بين الأخوة و الأخوات، و من ثم ما بين الأب و ابنته. صحيح انه يمكننا القول ان عدم معرفة الأب بدوره في الانجاب ساهم في تأخير عملية التحريم، إلا اننا ندرك من خلال علم النفس التحليلي للاساطير و المعتمد تجريبياً على تحليل العصابيين، ان عقدة الخوف الأولى للذكر هي فقدانه عضوه عند ممارسته الجنس، أي الخوف من العضو التناسلي الانثوي و اعتباره قادراً على الاحتفاظ الدائم بالعضو الذكري من خلال بتره، كما ان رغبة الذكر الابن بالعودة إلى رحم امه يعكس لنا المشاعر المتناقضة ما بين الرغبة في الجماع و الخوف منه في آن واحد.

في اسطورة “بيليكو” الانثى الأم، و التي ترمز إلى الحماية و الخطر، نجد ان “تاراي” الزوج-الابن أقل شأناً منها، و مكملاً لها من جهة اخرى، اذاً علاقة الأم-الابن الحميمية تعكس نوعاً ما رغبة في الجماع المتبادلة و حالة تصعيد هذه الرغبة في آن واحد، لنرى ان الذكر تبنى مسألة التصعيد، أي ان دور الأنا الأعلى حسب المفهوم الفرويدي، و المتقمص لدور الأخلاق و الآلهة، بينما تعكس الانثى الليبيدو الحر و العودة إلى الغريزة الأصلية، و لهذا السبب ربما، نجد ان الديانات الروحانية قامت بإكساب المرأة صفة الغانية و التي لا تنفع إلا للاشباع الجنسي.

يمكننا ان نقول ان تهميش الانثى و تحديدها ضمن مهمة الانجاب و حرمانها أيضاً من الاشباع الغرائزي يعود إلى علاقة الابن بأمه و الخوف منها في نفس الوقت و الناتج عن تسلط الأم و رغبتها أيضاً بإمتلاك عضو ابنها للتعويض عن حالة عدم امتلاكها للعضو الذكري.

يُتبع بالجزء الثاني…