وضعت ساق فوق ساق و هي تنظر لي و على شفتيها إبتسامة  مألوفة ، تنحنحت و أنا أعتدل في جلستي قائلاً:

(أنا مش مرتاح ، يعني لو حد شافنا هنا..).

قاطعني فعلها و هي تخرج سيجارة و تشعلها في موقف نادر فتلفتت حولي و عدت أكمل:

(كان المفروض نروح الساقية مع الناس و نتكلم هناك بدل ما نقعد هنا في إستاشن و ممكن حد يعني يفتكر حاجة كدة و لا كدة).

إتسعت إبتسامتها و قالت:

(لو مكسوف ممكن نمشي في الشارع ، ممكن حتى نروح الساقية).

كان الوضع سخيف بحق و عرقي يتصبب و البعض ينظر الينا فلم أجد إلا أن أقول بإسلوب مستفز:

(المشكلة معاكي إنتي مش معايا ، بنت مش متجوزة مع شاب في كافية إستيشن في طنطا شكلها مش ولا بد ، أنا كمان ألغيت معاد مع واحد صاحبي و قلتله إني عيان علشان نتقابل يعني ده علشانك مش علشاني).

تحولت إبتسامتها لضحكة صغيرة و قالت:

(مكسوف برضة ، طب ماش خلينا نتكلم في موضوعنا..أنا طلبت أقابلك علشان عجبتني روايتك و علشان كده عايزاك تخليني في روايتك اللي قلتلي عليها عالفيس بوك).

تزداد السخافة و العرق فأقول:

(أنا جاهز  إيه الموضوع؟).

لمست بأناملهاجدران كوب المشروب البارد و قالت:

(أنا عانس..في مصر ده يعني إعدام أموت كل يوم و انا بعرف إني عانس من نظرة أو كلمة أو حتى نكتة ، مرات بتكون حاجات مش مقصودة بس بتنتهي بإني عانس بفتكر إني عانس و بموت و أصحى..تعرف تكتبها دي؟).

داعبت سالفي الأيمن و انا أنظر لشعرها المنسدل ثم أجبت:

(أنا بكتب في إطار اللي بقابلهم يعني محتاج قصتك).

سألتني:

(كل حاجة؟..مش شايف إن ده ممكن يعرض خصوصيتي للخطر؟).

أجبت:

(أنا مش حقول إسمك و لا حذكره سواء في المقال أو في الرواية لاحقاً و هغير حاجات معينة).

لم تتكلم لدقائق و هي ترتشف مشروبها الأقل برودة منها سريعاً ثم بدأت تقص و هي تشعل سيجارتها الثانية و عرقي يزداد:

(أنا خريجة ألسن ، لما كنت في الإعدادية كتير من البنات إتحجبوا و منهم أختي التوأم و لما رحت الثانوي كلهم بقوا كدة إلا المسيحيات و أنا أخويا المفعوص كان عامل راجل و عاوزني أغطي شعري و هو لسه مش فاهم حاجة ، ماما كانت عاوزاني أتحجب بس أنا مارضيتش و بابا قالي ده حرام بس أنا كنت مُصرّة و هوه كان بيحبني و مش عاوز مشكلات تزعلني فقاللي بلاش حجاب بس تلبسي طويل وواسع ، طول الثانوي و بنات حواليا بيقولولي إتحجبي علشان حرام و ستات قرايبي بيقولولي كده غلط و مرات كانوا بيعملوا مشاكل كبيرة معايا لما بيخلوا ولادهم ما يجوش البيت عندنا منغير سبب و شوية تانيين بيخلوا بناتهم ما يجوش لما عرفوا إنهم عاوزين ما يتحجبوش و طبعاً أخويا قلب الدنيا و إتخانق لكن بابا كان بيوقفه ، مشيت كام سنة على كده و دخلت ألسن و أنا مرتاحة لأني حروح القاهرة و حسيب(..) و هناك برضه نفس المشاكل بس على خفيف لأني كنت مع خالتي و هي مش محجبة يعني مش بتكلمني في ده ، المشكلة بجد لما بابا مات قبل ما أخلص الكلية و رجعت (..) و لقيت كل حاجة متغيرة).

لفت إنتباهي أنها باتت تهز ساقها بعصبية فقلت ممازحاً:

(حاسبي الترابيزة ، إنتي إتخانقتي معاهم هناك في (..) و لا إيه؟).

نظرت لي نظرة ضيق و كأنما يضايقها ضحكي في رواية كهذه ثم أكملت:

(في البيت ماما كل كلامها عن الجواز و إني متأخرة و أخويا مصمم أتحجب و اتجوز و بيقول إن كده قلة أدب ، أختي إتجوزت و بتتخانق معايا لأن جوزها بيسخر من إني مش محجبة و بلبس عند الركبة أو بناطيل جينز ، الجيران إستغربوا إني مش محجبة و بقوا يجيبوا عرسان يقولوا عاوزينها تتحجب أو تتنقفب ، لما بمشي في الشارع بتحصل حاجات غريبة تصور إن البنات اللي بيشتغلوا معايا بيكلموني في الحجاب و الاسلام كإني مش مسلمة؟؟..سخافات كتير بس معروفة لغاية لما حصلت مصيبة).

كان الحديث معتاد و أردت المغادرة فتصنعت النظر لساعتي و قلت:

(خير ، أصل انا مرتبط بميعاد و..).

أوقفتني سيجارتها الثالثة و أنا مرتبك فتركتها تكمل:

(واحد من ولاد الحي كان عاوز يتجوزني ، لقيته جاي و بيتكلم مع أخويا و فجأة أخويا زعق و العريس مشي زعلان و مكسوف ، اخويا جه يصرخ إنه مسيحي و إفتكرنا مسيحيين علشان مش محجبة ، الدنيا إتقلبت و أخويا لأول مرة ضربني و هددني بالموت للفضايح دي ، ما قدرتش أمسك نفسي و شتمته و شتمت الكل و سبت البيت يومها بالليل و رحت فندق بعيد لكن اخويا عرف و جه إتخانق معايا لدرجة إن صاحبة الفندق طردتني و طردته لما البوليس جه بعد ما واحد من النزلاء بلغهم ، سبت (..) و رحت القاهرة و هناك قضيت ثلاث سنوات ما رحتش (..) خالص و دي أول مرة آجي الدلتا بس علشان واحدة صاحبتي هنا في طنطا بتولد ).

سألتها و قد أشفقت عليها:

(طب إنتي ما إتجوزتيش في القاهرة ليه و المجال مفتوح؟).

أجابت مع سيجارتها الرابعة:

(أنا عايشة لوحدي ، بدخن ، مش محجبة ، بيقولوا جميلة و بروح شغلي كل يوم و أرجع متأخرة..ده يخليني رسمياً عانس).

نفثت دخان بطريقة ملتوية جعلته يتشكل و أكملت:

(مرات و مرات كانوا بيجولي للجواز ، واحد مامته ترفض ، واحد أخوه يعاكسني ، واحد نكتة ييجي يهديني مش يتجوزني ، السخيف لما واحد مسيحي جه فاكرني مسيحية..واحد منهم كان عاوزني بجد لكن لما إديته عنواني عملي إختبار و جه الشقة و سمحتله بالدخول فإعتذر عن الجواز لأني بدخل رجالة البيت.. ههههههه).

لمحت دمعة من عينها اليسرى مسحتها و قالت:

(نفسي أبقى طبيعية بس مش حغطي شعري مهما حصل ، طبيعية لما أتجوز و أبقى أم ، مش حبطل عند و مش حبطل سجاير و مش حبطل أي حاجة ، أهلي سابوني بعد ما عملت محضر عدم التعدي لأخويا يوم خناقة الفندق ، انا لوحدي و مش عايزة كده..أعمل إيه؟).

أدركت مدى سخافة موقفي معها منذ البداية و إحراجي لها بتخوّفي من الجلوس معها فنهضت و هي معي و قلت:

(حكتب عنك بدون تفصيل و مش حوضح إنتي مين أو مين على الفيس بوك..بس إنتي ناوية على إيه في حياتك؟).

لم تجب و هي تغادر و أنا أشعر بالأسف على ما يحدث ، فتاة قتلناها باسم عانس لأنها حرة و أخريات غيرها محجبات و أيضاً نلحق بهن تلك الكلمة القبيحة..عانس.

هذا بلد لن ينهض إلا حين نتوقف عن تقييم الأنثى بنصفها الأسفل و ملبسها فحينها نصف المصريين سيكونوا مساوين للنصف الآخر..

كانت تلك مقابلتي مع مصرية غير محجبة مضغوطة مقهورة.. و عانس!