قلت من بداية الثورة، للكثير من المثقفين حولى، بأن الديمقراطية شىء، وما تحويه شيئاً آخر تماماً، وأن الناس تؤيد العناوين، وحينما تواجه التفاصيل، تتوجس خيفة. فالإنسان يستريح إلى المُعلن وليس إلى المجهول أو الأكثر تفصيلاً، لأن هذا الأخير، بحاجة إلى الكثير من التدقيق والعُمق، وعادةً ما يميل الأغلبية فى أى مكان، فى حال تكوين رأيهم حول القبول أو الرفض، إلى ما يسهُل فهمه، وهو العنوان الكبير فى أغلب الأحيان!

إن الديمقراطية ليست بسيطة فى تطبيقها، لمن لم يعتدها، كما يظن الكثيرون. إن التجربة ستثبت مدى صعوبتها، فكيف يتقبل الديمقراطية، أُناس اعتادوا “التصفيق” نحو 60 عاماً، ليتحولوا فجأة، ودون سابق إنذار، لثقافة “التفكير”؟! هذا، ليس أمر قاصر على “الأميين” فقط، ولكنه يشمل كل المصريين، سواء كانوا ليبراليين أو راديكاليين أو إسلاميين!! إن قدرتنا على ممارسة صحيحة للديمقراطية لا تزال قاصرة لغياب الكثير عنا!!

إننا نفتقد “للثقافة الصحية” فى الاختلاف، قبل أى شىء آخر. وهذا كان شديد الوضوح فى الفترة، من أول قيام الثورة وحتى اليوم، وسيظل هو عماد الساحة السياسية، طالما، لم نستوعب الثقافة الديمقراطية بعد. فنحن يغيب عنا “السلام النفسى” الواجب توفره، لكى نُقرر، عن طيب نفس، وتُسيطر علينا حالة من الغل، وكأن التصويت فى مسألة ما، هو نوع من “الانتقام” من فريق آخر.

ففى الاستفتاء الأخير تبنى الكثيرين آراءهم، وفقاً لرؤيتهم مكاسب الفريق الآخر، وليس وفقاً لرؤيتهم المواضيع المطروحة!! ولذا، رأى الكثيرون نتيجة التصويت، وكأنها النصر المبين، لمن فاز والهزيمة الساحقة، لمن خسر!!

كما أنه وكما يحدث فى “مباريات كرة القدم” عند تشكيك مُشجعى الفريق المهزوم، فى الحكم، يحدث التشكيك فى التصويت، ويتهم الفريق المهزوم الفريق الآخر بالتزوير!! وهو أمر كنت أتوقعه، مهما كانت النتيجة، ومن الفريق المهزوم، أياً كان!! إن آثار ثقافة “الشك” فى أغلب ما ساد ويسود مصر، ظاهرة على المصريين، ليس فقط منذ وقت حدوث الثورة، ولكن أيضاً من قبلها بعقود!! وبالتالى، فإن تقبل الرأى الآخر، من خلال الصندوق الانتخابى، سيكون أمراً صعباً اليوم بالنسبة للمصريين!! فالمصريون لا يقبلون الرأى الآخر من خلال النقاش الهادئ أو المقالات، ولذا يُصبح السؤال: كيف يقبلون الرأى الآخر فى التصويت، وهم لا يقبلون الرأى الآخر فى نقاش هادئ، بعيد عن سُبل التوتر؟!

إن الديمقراطية أيضاً فى حاجة إلى العلم، ولا يمكن لمن لا يملُك العلم أن يملك قراره!! وقد ظهر خلال التصويت الماضى فى الاستفتاء، أن هناك استغلالا واضحا للناس، من خلال الحديث عن أمور ليس لها أدنى علاقة بموضوع التصويت!! فالإسلاميون تحدثوا حول أن من سيصوت بلا، هو كافر يريد القضاء على المادة الثانية من الدستور، وكثيرون من الفريق المناوئ، صوت بلا، لأنهم وجدوا أن الإبقاء على المادة الثانية، خطر عليهم، رغم أن “مجمل” الدستور من المفترض أن يتغير، كما أن المادة الثانية، ليست ذات صلة بالمسألة من أولها لآخرها!! وبالطبع، هناك من صوت بنعم أو لا، بناء على تفكير، ولكن كم هو عددهم فى النهاية؟!

إن من تأثر بالدعاية “غير السوية” سواء ممن أراد التصويت “بلا” أو “بنعم”، ليسو فقط من البُسطاء، كما اكتشفت، وإنما الكثير منهم من ميسورى الحال!! لقد استُخدم الدين والمال، للتأثير على آراء المصوتين، فى إطار التأثير على رؤية الناس، من خلال اللعب على مشاعرهم وعلى حاجاتهم!! هذا لا يجوز من الناحية الديمقراطية، وإنما ما يجب وأن يكون، هو أن يصل الناس لقرارهم من خلال التفكير والفكر فى أسباب القرار، بحيث يكون قرارهم مُعبر عن ضمائرهم الذاتية!!

إننا اليوم، وكما هو ظاهر، نريد ديمقراطية، بلا ديمقراطيين!! فنحن لم نبلغ بعد الديمقراطية على المستوى الشخصى!! لم نبلغها فى البيت والعمل والشارع، ونريدها فى النهاية للوطن، فكيف ونحن المكون الأساسى فيه؟! إننا لا نملُك الديمقراطية، طالما لا نقبل رأى الغير ولا نملكها طالما أننا لا نتقبل نتائجها، أياً كانت!! إننا لا نملك الديمقراطية، لأننا نناقش ما ينبغى الحصول على الرأى حوله، بوسائل لا علاقة لها به!! إننا لسنا ديمقراطيين، ولن نكون طالما أننا لا نلجأ للحوار الحقيقى، البعيد عن التجييش “للعناوين”، بعيداً عن التفاصيل!! ولن نكون طالما أننا لا نبحث فى أعماق الأمور، ونُفضل تسطيحها، بشكل يفقدها كلها معناها!!

لقد صوت “بلا” فى الاستفتاء على تعديلات الدستور، ولكنى أتقبل النتيجة اليوم، لأننى أقبل الفكر “الديمقراطى”، ولأننى على علم، بأننى إن لم أقبل النتيجة، فإنما أرفض شرعية ما قبلت حين ارتضيت التصويت، ولأننى أدرك تماماً أيضاً، بأننى فى حال عدم قبولى النتيجة، أمنح الشرعية لغيرى، بأن يرفض أى نتيجة تكون فى صالح قرارى مُستقبلاً!!

علينا بأن نبدأ فى أن نتعلم الديمقراطية ونُعلمها لغيرنا ممن حولنا، لأنها ثقافة، صعبة المراس، وتحتاج إلى الكثير من السنوات، المليئة بالجهد والمثابرة!! وعلينا أن نُفكر فى الخطوات القادمة والبدائل المفترض الاتفاق عليها واتباعها من أجل ما نؤمن به لمستقبل هذا البلد!!

ومصر أولاً…

اقرأ المزيد:

- التعديلات الدستورية … استفتاء على شخص الرئيس القادم.

- حين فسفرت إصبعي!

- لهذا فلترفض مصر ما بعد 25 يناير الترقيعات الدستورية المتأسلمة.