كثيراً ما يتشدق المؤمنون بسماحة إلههم، فلا يتأخروا عن كيل الاتهامات للآخر المختلف، فنراهم في حالة دائمة من الشكوى، فهم على حسب ادعائهم يعانون من اضطهاد معنوي يمارس عليهم بأبشع الطرق، كحرمانهم من مزاولة حرياتهم الدينية (عند تواجدهم فقط كأقليات في بعض المجتمعات)، و هنا علينا أن نتساءل عن معنى الحرية، فمفردة الحرية بالتحديد لا نراها متواجدة في قاموسهم العقلي، فهم لا يؤمنون إلا بفكر واحد أحد، غير قابل للنقد أو الجدل، كما لا يبخلون أبداً في استخدام جميع المصطلحات لإدانة الآخر و تلقيبه ألقاباً عدة، فيصفون كل من يختلف عنهم (ان كان الاختلاف دينياً، أو عقائدياً، أو حتى عند تبني الآخر لاخلاقيات اجتماعية مغايرة…) بالمنحرفين و الشاذين عن حقيقتهم الأحادية، فيأخذ (أي المؤمنون) على عاتقهم دور تربيتهم من جديد و ارشادهم إلى حقيقتهم الواهية، فنجدهم يبيحون لأنفسهم استخدام جميع الوسائل، فهم يحاربون من دون تعب او كلل جميع الضالين عن حقيقتهم، ليمارسون أنواعاً شتى من الاغتصاب.

أحياناً يكون الاغتصاب من خلال الهجوم على المواقع و المدونات و الصفحات الالكترونية، و هذا بالطبع يتم في أحسن حالات الاغتصاب و أرقاها، و دعونا نلقبها بحالة “الاغتصاب التعبيري”، فهناك عدة أنواع من الاغتصاب، نأتي إلى النوع الثاني و هو “الاغتصاب اللفظي التعنيفي” أي أرسال الشتائم و التهديدات إلى جميع من أراد النقد و التعبير، أما النوع الاخير من الاغتصاب و الذي يبلغ ذروته  من العنف، فهو “اغتصاب الحياة” وذلك عن طريق زج الرؤوس، و بعد كل أنواع الاغتصاب الممارسة من طرفهم، يأتون شاكين، باكين، متهمين الآخر بعدم احترامه عقائدهم و حرياتهم الشخصية، و هنا يحق لنا التساؤل عن حدود الحريات الشخصية.

نبدأ أولاً  بالنظر إلى المتشددين في الغرب و المطالبين بحرية تبدأ أولاً بحرية اللباس من برقع إلى أزياء تنكرية أخرى لتنتهي ربما يوماً ما للمطالبة  بممارسة صلواتهم في منتصف الطرق، و المطالبة بإغلاق البارات و منع الكحول و ادانة ممارسة الحب، وذلك كله تحت شعار ممارسة الحرية الشخصية، و عدم مس عقائدهم و شعاراتهم، و وجوب احترام مشاعرهم الرقيقة الهشة القابلة للكسر الفوري، فنراهم لا يبخلون علينا أبداً في اعطائنا دروس في الاحترام و مراعاة الآخر، و ذلك كله تحت بند “الحرية الشخصية”، أما هم فلا علاقة لهم في تبني ما يطالبوننا به، لأنهم أصحاب الحقيقة و أحباء الله، فإلههم قد أنعم عليهم بنور الفكر و المعرفة، فنراهم في قمة القمع و الاستبداد تجاه الآخر المختلف عندما تتاح لهم الفرصة، فهم في سباق أبدي لخنق أي نفس يحاول التعبير و النقد  و ممارسة حقه في الحرية الشخصية المنافية و المغايرة لمعتقداتهم. هنا علينا التوقف لإيجاد صيغ جديدة و تعريف الحريات الشخصية و وضع حدود للجميع، فإما أن يتفق الطرفان على حرية الرأي و التعبير من دون اضطهاد أياً منهم، و بما  ان الأمر مازال وعراً، فعلى المؤمنين اليوم اكتساب ثقافة “قبول الآخر” و السعي نحو النضج الديني، فالأطفال يبكون و يصرخون عند سماعهم ما لا يروق لهم، و هكذ الدينيون يفعلون.

نعم و للأسف، ما زال معظم الدينيون يفتقدون إلى النضج النفسي، فنراهم يشككون و يخونون كل رأي أو نقد، و قبل أن ندافع عن حرياتهم الشخصية، على المؤمنين المعتدلين ادانة ثقافة “قتل الآخر و اباحة دمه” بشكل واضح و صريح من دون نفاق، أي العمل الجدي على الغاء جميع البرامج الدينية المؤججة لهذه الثقافة.

و قبل أن يباشروا من جانبهم بهذا العمل، علينا التساؤل عن موقف البعض من المدافعين عن حقوق المستبدين في ممارسة حرياتهم الدينية المرتكزة على ابادة الآخر و ابادة الحرية بمعناها الجوهري و الفكري و الفعلي… فهناك الكثير ممن يدافع عن مجرمي الحرية مع ادعائه بعدم الموافقة على أفعالهم، أعتقد و من وجهة نظري القابلة للتغيير، ان علينا اتخاذ مواقف صريحة و شجاعة خالية من النفاق و المصالح.

أعود إلى الطرف المتدين و المتشبث بفكره و المؤمن بحقيقة واحدة غير قابلة للهدم و البناء، و المرتكز على قاعدة الإله المستبد، القامع، المجرم في حق البشرية و الكائنات الحية و الطبيعة و الكون، هذا الإله الذي لا يملك إلا السيف و الخنجر، إله الجهل، و ينبوع الكراهية في نفوس مؤمنيه، و حباً مني للحياة و الموت و للحرية، ودفاعاً عن الطبيعة و الكائنات اجمعها، لا يحق لأي منا الدفاع عن حريات شخصية لمغتصبي الحرية، و لا يحق لنا أن نعطيهم الحق في استخدام معاييرنا و التي نطمح بتطويرها مع الأيام لمعانقة الحياة و الحرية معاً، كي نصل بعدها إلى قيم شاملة تصب في معنى الحياة نفسها، أي سعينا تجاه وعي أكبر للأمور الخارجية بشكل أكثر حيادية مع تمكننا في وضع نظرتنا “الأنوية” جانباً، كي نستطيع التغلغل في الذات للمس الذوات الأخرى، انها رحلة في ثقافة الحياة للتصالح مع الموت من خلال التصالح مع جميع المفردات و المعاني و استخراج التجارب المتراكمة و المختزلة بعبارات و أمثال، انها رحلة الكائن الحي في أعماق الطبيعة، رحلة البحث عن حرية تفوق جميع المعايير الإلهية، رحلة في عري الذات.

ربما سأكون راديكالية في موقفي، إلا انني أعتقد ان للحرية ثمن، و هذا الثمن هو سد الطريق على كل من يريد أن يكبل حركتنا و غلق أفواهنا، فهم عبارة عن بشر مبرمجة  ملقنة ببعض المعلومات، التي لا تفقه إلا الإعادة و التكرار لما هو مغروس في أدمغتها، حالة قطيعية غير قادرة على التفكير، انهم حالة موحدة لا تلائم مسار الطبيعة، فالطبيعة تتمثل بالتنوع و نحن جزء من هذا التنوع، أما هم فليسوا إلا طفيليات على الحياة و الطبيعة و الحرية، فبتوحيدهم للحقيقة و المعرفة، وتكريسهم لفكرة الكمال و الفضيلة، انتموا إلى قانون آلي مجرد من الاكتشاف و التحول، فلا قانون آلي في الطبيعة، فالطبيعة متحركة و الحركة بمعناها الفيزيائي هي: الطاقة المتحركة و المنتقلة.

اعتقد ان ما يتوجب علينا فعله الآن هو الدفاع عن هذا البحث من خلال تجريد اؤلئك اللذين يحاولون استخدام معاييرنا للقضاء علينا و على الحرية نفسها، و الاتفاق على ان لا حرية معطاة لعبيد آلهة الجهل و الخراب.