أي كاتب في العالم، لا يسعده شيء بمقدار تفاعل القرّاء مع كتاباته سواء كانت روايات أو شعرا أو نثرا أو مقالات أو أي نوع من الكتابات. فهذه الكتابات موجهة أساسا كي تقرأ وليس لتحفظ في أدراج أو صناديق مغلقة. لذلك فلا أستطيع أن أصف سعادتي بتفاعل القراء مع مقالي المنشور قبل أيام بعنوان “لغز وادي عربة لا يحله إلا الجن” والذي تساءلت فيه عن بدل إيجار المناطق التي أدّعي أنها أجّرت إلى إسرائيل من مناطق وادي عربة والباقورة ومزرعة الغمر. لقد قرأت العديد من التعليقات ووصلني كثير من الإتصالات مما جعلني أتأكد أن ما يكتب، إن كان ذو قيمة فإنه لا يضيع هباء وأن أثره في مستقبل الأيام لا بد فاعل.

ما جاءني من تفاعل جعلني أعيد الكتابة في نفس الموضوع من ناحية أخرى. فإتفاقية وادي عربة من الإتفاقيات المثيرة في عالم السياسة التي رسمت جزءا مهما من ماضينا وترسم حاضرنا ومستقبلنا. وكثيرا ما يرد في الخطب والمقالات ذكر هذه الإتفاقية ما بين مطالب بإلغاءها أو الإعتراف بها، إلا أن المثير في هذه الطروحات هو تسليمها لأمور ليست من الإتفاقية أساسا، وإنما جرى تسويقها على أنها جزءا من الإتفاقية بينما لم يرد ذكرها لا في نص الإتفاقية ولا في أي من ملاحقها. بمعنى أنه يتم تسويق ترجمات معينة للإتفاقية غير صحيحة، بأسلوب الدس والخداع، ومحاولة تسريب معلومة على أنها من المسلمات بينما تخفي معلومة مسيئة لم يرد لها أن تكون واضحة للعموم، اعتمادا على عدم تدقيق الأغلبية بدقائق المعلومات. من هذه النقاط مثلا:

في ما يخص الحدود: يرد في كثير من النصوص العربية أن الإتفاقية تحدد حدود دولة اسرائيل بالأراضي التي كانت خاضعة للإنتداب البريطاني، بينما في النص الأساسي لا يوجد أي ذكر لكلمة بريطاني وإنما يفهم وكما هو واضح من السياق أنه إنتداب أردني للأرض. إن وصف الحكم الأردني للأراضي الأردنية الفلسطينية بأنه انتداب، هو إساءة بالغة للشعب الأردني بأكمله، أردنيون وفلسطينيون. كما يشير النص إلى إعتراف الحكومة الأردنية بالمطلق أن أراضي دولة اسرائيل هي من البحر وحتى النهر دون أي استثناء لا لمناطق السلطة الفلسطينية ولا لحدود 1967.

بالنسبة لملكية الأرض: ذكر في الإتفاقية تعبير الأراضي التي تحت السيادة الأردنية ولكنها ضمن الحقوق الإسرائيلية التي تملك حق تملك هذه الأراض، ويتمادى التوصيف بأن الأردن سيطرت ( Sovereignty ) سابقا على الأرض، أي أنه إقرار من الحكومة الأردنية بأنها أرض اسرائيلية بالحق والتملك لكن الأردن تعهد بها ( Undertakes ) ( Israeli private land ownership rights and property interests “Land owners” ).

في ما يخص الإيجار: لم يتم مناقشة أي تفاصيل في الإتفاقية وملاحقها لموضوع إيجار الأراضي المذكورة سابقا وقيمة الإيجار وإنما ترك ليتم الإتفاق عليه لاحقا. وهذه نقطة مرعبة إذ أن مثل هذا الإتفاق، كان يجب أن يكون من صلب الإتفاقية ولا يترك لأطراف أقل شأنا للإتفاق عليه.

في ما يخص مدة الإيجار: يرد في كثير من الترجمات أن الأراضي الأردنية المملوكة لأشخاص أردنيين مؤجرة لمدة 99 سنة بينما لا يوجد أي ذكر لهذا الرقم في الإتفاقية.

في ما يتعلق بإسم نهر الأردن: فلم تعرّف الإتفاقية هذا النهر باسمه هذا وإنما بإسم نهر اليرموك، ونحن نعلم أن نهر الأردن هو أحد روافد نهر اليرموك إلا أن تخلي الحكومة الأردنية للكيان الإسرائيلي عن الإسم يعني الكثير وليس شكليا فقط.

هذه عينة من محاولات التدليس على الشعب وإخفاء معلومات كان يجب التركيز عليها والإنتباه إليها خاصة من قبل البرلمانيين، وربما نعذر بعضهم لكونهم أقرب للأمية الأبجدية من الأميّة السياسية.

ولمراجعة النص الأساسي للإتفاقية باللغة الإنجليزية، والتي تتكون من ثلاثين بندا ثم خمس ملاحق تتعلق بتوضيحات الإتفاقية ثم وثيقة المرفقات، يمكن الرجوع إلى موقع جلالة الملك الحسين المعظم في الرابط التالي:

http://www.kinghussein.gov.jo/documents.html

 

[email protected]