نادراً ما يتسلل الينا اسمه عبر جرائدنا (القومية) قليلاً ما يتذكره أحد من الآباء.. وأبداً ما أجد أحد يعرفه من جيل الشباب، ولكن على هذا وذاك لا تنتهي أبداً ذكراه لأنه باقٍ لا يرحل أبداً، فليس مُقدر لبضع رصاصات أن تمحو ما تركه لنا د/فرج.. فهو لم يترك كلاماً في الهواء.. بل ترك لنا الحقيقة الغائبة معطيةً لنا النذير.. حتى اذا ما كتب وجدت صداه في المصريين بالداخل وحديث آخر في المهجر.

بقلمك سيدي حاربت الإرهاب.. رفضت أن يصير بين رجال الدين والسلطة زواج المتعة حتى لا يكون هذا هو الملعوب. أبيت بعدها أن تصمت لتأمن حتى لا يكون كلاماً في الهواء.. سيدي، عشت رجلاً ومت واقفاً.

من هو؟
ولد الدكتور فرج فوده في الزرقا بمحافظة دمياط المصرية عام 1945، حصل على بكالريوس كلية الزراعة العامة وماجستير علوم زراعية ودكتوراه في الفلسفة الاقتصادية الزراعية..
انضم لحزب الوفد ثم استقال منه لرفضه التحالف بين الحزب والاتحاد الاسلامي المكون من عدة تنظيمات اسلامية.
كتب فى العديد من الجرائد مثل الأهالي والمنار والأحرار واكتوبر..
لديه ولدين وبنتين..
حاول تأسيس حزب سياسي مستقل لكن ما يعرف بجبهة علماء الأزهر تفرغوا للهجوم عليه وأصدروا فتوى مثيرة للجدل بارتداده عن الدين لمخالفته آرائهم وأصدروا في فتواهم حرمة السماح بحزب له.
صاحبت أفكاره عن بناء دولة مدنية ذات مرجعية علمانية ورفضه للعديد من المطالبات المتعلقة بالحدود الإسلامية ودولة اسلامية الجدل، وتعرض للإغتيال في 8/6/1992 بناء على فتوى متطرف مصري يسمى عمر عبد الرحمن.

مؤلفاته:
-1- الحقيقة الغائبة
-2- الإرهاب.
-3- قبل السقوط.
-4- النذير.
-5- حتى لا يكون كلاماً في الهواء.
-6- حوار حول العلمانية.
-7- الملعوب.
-8- زواج المتعة.
-9- حديث في المهجر.
-10- نكون أو لا نكون.

أكبر معارك د/ فرج فوده:
كانت للدكتور فرج فوده عدة مراكز رئيسيه للصراع أو فلنقل نقاط تمثل اكبر و أبرز ما اختلف حوله مع الغير ، كان سلاحه فيها الحوار و الحجه بالحجه و كان سلاحهم التكفير و اهدار الدم ، و مع هذا كان النصر مع حجته..لأنها كانت هادئه مستقره لها أسس عقلانيه و تاريخيه..لم يتوقف رحمه الله ليدافع عن دينه ضد اتهامات الكفر بل كان يأتى بنفس الاتهامات التى تلقى على عاتقه من التاريخ حيث يريدون اعادة عصوره القديمه التى يرصدون فيها بقولهم كل الحريات المدنيه زاعمين ان ما يريدون يحققها و كان يفعل هذا فقط ليبرهن ان ما يدعون اليه سيؤدى الى ما صار فيما مضى من حقب التاريخ..كانت حجته من حديثهم و ليست من فراغ ، أحدد أكبر مراحل الصراع فى أربع نقاط نقاط: الحدود الإسلاميه..دولة السودان.. انضمامه و خروجه من الوفد..المواطنه و الدوله المدنيه فى مصر.
الحدود الإسلاميه:
كانت فترة الثمانينات فترة فتنه تتبع ىثار السبعينات و ما مثلته من قتل لمفهوم الدوله المدنيه المصريه و بدء مرحلة الفتنه الدينيه فى خضم توجه سياسى للسادات مؤسس على الانتساب للتيار الاسلامى شكلاً ، أو لنقل التأسلم للمزايده عيله..و مع أواخر حكمه تصاعدت كلمات تؤكد على تقين تطبيق الحدود الإسلاميه ، و بعد اغتياله بدات مساعى عديده للتطبيق..و هنا كان دور د/فرج فوده.
كانت رؤيته تتلخص فى الاتى:
-1- دعوة التطبيق الفورى للحدود ستؤدى الى فتن داخليه بين أبناء الوطن خاصةً مع حدود معينه مختلف عليها مثل حد قتل المرتد.
-2- المشكله ان هذه الحدود تؤدى الى الدوله الدينيه و هى دولة حكم رجال الدين..حيث أن هذه الحدود لتطبيقها شروط و تمتد الشروط حسب الإجتهادات السائده بصوره اولى الى الحريات الشخصيه كالملبس ثم بدرجه ثانيه الى الفن بكل انواعه..و النحت و الرسم..و من هذا سنجد حتماً رقابه دينيه على التشريع لضمان سلامته الدينيه..باختصار سنرى فى النهايه فتنه ثم تحويل البلاد لدوله دينيه على اعتبار نظرية التداعى نقطه وراء نقطه.
-3- هذه النظريه فشلت فى كل الأماكن التى طُبقت بها و على رأسها السودان لأسباب تتعلق بالعصر و طبيعة و ملاءمة قونين العصر له.
-4- مبدأ المصلحه يفرض علينا اتقاء ما ذكر بالتعزير القانونى الوضعى بديلاص عن الحدود اتقاء لخطر محتم الوقوع.
تعقيب:
سواء كان هناك اختلاف حول هذا أو اتفاق ، أياً كان الرأى فلا مجال لنا هنا الا بالقول باجتهاده رفضاً او اتفاقاً و نقاشاً ، مع ملاحظة سلامة أمثلته و اطروحته و بيان دقتها و خطورتها..اما قتله او اضطهاده عبر الأزهر فلا مجال إلا للإزدراء.

السودان:
مع اعلان جعفر النميرى الظام الإسلامى بالسودان اتجهت كل الرؤى و التأييد له و كانت من المفتى بمصر و شيخ الأزهر و الشيخ الجليل القرضاوى و الشيخ الراحل عبد الحميد كشك و غيرهم من علماء الأمه ، كذلك من شخصيات صحفيه شهيره جداً..كان د/فرج رافضاً للفكره بحيث لم يراها الا وسيلة خاع للشعب السودانى باسم الدين و التفافا حول بواقى الحريات بالبلد الشقيق و محاوله لحصار الجنوب المسيحى-الوثنى مما دفعه للكتابه ناقدا لها و مبشراً بفشلها المحتم و انها عملية نصب من النميرى حيث أن الإعلان كما رآه الراحل الكبير وسيله لإبتزاز الدافع الدينى لدى الجميع كما ذكرت ووسيله للإطاحه بالمنافسين الأحق بالحكم باسم الدين أى تحويل الحكم لحكم دينى سلطوى لصالح فرد واحد باسم الدين لا اكثر ولا أقل..و كانت النتيجه غير معقوله بالمره و لا تتناسب مع خلاف فكرى حول اسلوب حكم ، اذ باتت تتراوح بين سب له و بذاءه و تكفير و دعاوى لقتله باعتباره منكر للحدود ، فى حين ان المسأله بسيطه ، دوله ذات نظام معين لا يعجبه..و بعد ثبوت صدقه و سلامة منطقه و فشل النميرى و تفاصيل مرعبه عما ارتكبه من جرائم باسم الشريعه عاد كل من أيده و هاجمه ( هاجم النميرى ) لنفس الأسباب التى ذكرها د/فرج و لم يعتذروا له؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
بالطبع لا يُنتظر منهم الإعتذار لكن على الأقل الغاء تكفيره و التراجع عنه مادام قد ثبت صدقه ..لكن ماذا نقول؟..لقد حول النميرى السودان لمزبلة العالم و قتل حب الشريعه و الدين فى نفوس ابنائها بما فعل و هذا ما حذر منه د/فرج لا أكثر و لا أقل و لم يكن هناك ولو حتى اقرار بصحة موقفه بل تعنت و مزيد من القباحات فى كل الصحف بما فيها الصحف القوميه حينها .
تعقيب:
هنا اجد نماذج ما فعل النميرى واضحه: نصب نفسه اماماً بلا عزل ، منع محاكمته ، وضع محاكم اسلاميه استثنائيه من الجيش و الموظفين ، اعدام أغلب العارضين باسم الرده؟؟ ، وضع حدود ليست حدود مثل حد الجلد بتهمة الشروع فى الزنا ؟
و بالتالى ما قاله د/فرج أن هذا نصب باسم الدين و استغلال له و ان اصلاح الوضع يحتاج لصدق لا تمثيل و ابتزاز للمشاعر الدينيه كان سليماً..و لم يعتذر أحد.
و لا مجال الان بعد اقبال الجنوب على الانفصال فى استفتاء 2011 القادم الا القول بصدق توقعاته لما سيحدث من ثوره من الجنوبيين بعد طول وفاق ( اتفاق اديس ابابا 1971) و انه كان حديث سياسه لا دين و الغرض منه امر حكم لا شرع و بالتالى فى مسالة السودان اجد من جانبى انه قد تعرض لظلم بين فيما حدث له.

فرج فوده و الوفد:
من نماذج الهجوم على الراحل الكبير الهجوم على فترة انضمامه لحزب الوفد ، ثم كتابه الشهير الوفد و المستقبل ثم بعد هذا تركه و هاجم تشكيلاته الداخليه و أداؤه..هنا يقولون ان د/فوده كان منافقاً ينضم لجهه و يرفعها للسماء و عند تركها يهبط بها لأسفل سافلين..و لى عدة امور لا بد من ذكرها:
-1- انضم د/فوده للحزب بناء على اسم زعامته فؤاد سراج الدين رفيق و تلميذ الخالد مصطفى النحاس.
-2- كان اسم الوفد بتاريخه الليبرالي العريق هو دافعه للإنضمام بناءً على فترة الوفد (1923-1952) ، اى أن مبادئ حكمت مصر باسم الوفد هى دافع أساسى للإنضمام بالنسبة له.
-3- كتب د/فوده كتاب الوفد و المستقبل كتعبير عن ربط بين الماضى العريق و أمل لتكراره و تطويره على يد مدرسة الوفد العلمانيه..أى ان الحزب بمبادئه أمل لمستقبل كماضى مشرق.
-4- فوجئ د/فوده بأن الحزب يضع يده بيد الإرهاب ممثل فى الجماعه الإسلاميه و أمرائها و أطياف الجهاد و أعضاء من الإخوان المسلمين فى 1984 بإسم التحالف الإسلامى؟؟!..أى ان الحزب خان مبادئه عندما وضع يده فى يد أمراء الدوله الدينيه.
-5- أعلن المرحوم فؤاد سراج الدين ان حزب الوفد اسلامى مما شكل الضربه الكبرى للدكتور فرج فوده حيث بهذا يتجاوز حدوده بأن يؤسلم حزب الأمه المصريه..حزب الوفد و يطيح بتراثه الوطنى تماماً من اجل مقاعد بالبرلمان.
تعقيب:
مما ذكرت يتضح أن المسأله ليست تقلب و نفاق كما يردد كل جاهل بتاريخ مصر أو كل مردد بلا عقل..المشكله مشكلة اختلاف مبادئ و خلاف حول الرؤى مما يدفع للإنفصال و نقد التجربه..د/فوده كان على حق فيما فعل فعندما يضع رأس الحركه الوطنيه الليبراليه يده فى يد ارهاب أسود و ينظر للدوله الدينيه باسم الوفد فلا حل الا ترك الحزب و النجاه بالمبادئ من نيران الجهل القادم.
المواطنه و الدوله المدنيه:
كانت كل أفكار و آراء الراحل تدور حول اتجاه واحد..الدوله المدنيه الديموقراطيه فى مصر ، قائمه على أساس حق المواطنه الكامل و مبادئ حقوق افنسان الحضاريه.
من هنا خرجت كل النشكلات ، فمع وجود طوائف مصريه تريد نزع رداء المواطنه باقرار حقوق للمسلمين تفوق نظيرتها لدى غيرهم او اضطهاد غير المسلم و تجنيبه باعتباره درجه ثانيه من المصريين ، و كذلك آرائهم فى بناء دولة رجال الدين حيث يكونوا من وراء الستار حاضرين عبر رقابة شديده على التشريعات و رقابه أقسى على السلطه التنفيذيه و تحويل القضاء لمرفق تابع لهيئه دينيه أو على أقل تقدير تحويله الى جهه تحت رقابة هيئه دينيه ، كذلك مدنية الدوله التى تحتم حريات الفكر و التعبير و الإبداع المتولد عنهم..كانوا يرفضوه باسم الدين و الغرض هو تحويل الوطن قسراً لوجهتهم بلا جدال.
كانت رؤية الشهيد للدوله المدنيه و المواطنه هى المحرك للنقاط السابقه كلها من الحدود الى نظام النميرى الى الوفد.
تعقيب:
لا جدال اليوم و قد زالت غيوم هذه المرحله ان ما نظر له الراحل الكبير كان هو الحل و فى تعديلات 2007 تم اعتماد المواطنه كأساس لنظام عام مصرى..و كذلك ثبت فشل كل تنظيمات : الجهاد ، الجماعه الإسلاميه ، الإخوان المسلمين و غيرهم فى بناء نموذج مقبول من المصريين باختلاف دياناتهم..و بات الحل اما يسارى او ليبرالى محدد..اليوم مع تراجع الرؤى الإسلاميه الناجحه باستثناء وحيد هو الوسط بقيادة مختار نوح و ابو العلا ماضى و غيرهم ، بات هو الحل الإسلامى لمن ينظر لذلك الإتجاه.
و هنا أضيف من عندى ان الرؤيه الاسلاميه القائمه على منافع و مقاصد و مصالح الحياه هى الحل لكن باطار حديث و جديد متطور يصلح للوفاق بين المصريين.
مقتطفات من آرائه:
-1- ما معنى العلمانيه ؟ :
حق المواطنه الأساس فى الإنتماء بمعنى أننا ننتمى الى مصر كمواطنين مصريين سواء مسلمين او مسيحيين أو غير ذلك..-2-الأساس هو حكم الدستور ، الذى يساوى بين جميع المواطنين ، و يكفل حرية العقيده دون محاذير أو قيود..-3-المصلحه العامه و الخاصه هى أساس التشريع..-4-نظام الحكم مدنى يستمد شرعيته من الدستور (بالمعنى السابق)و يسعى لتحقيق العدل من خلال تطبيق القانون (بالمعنى السابق) ويلزم بميثاق حقوق الإنسان.
-2- من هم الذين نخشاهم على مصرنا و حضارتنا ؟ :
السائرون خلفاً ، الحاملون سيفاً ، المتكبرون صلفاً ،المتحدثون خرفاً ، القارئون حرفاً ، التاركون حرفاً ، المتسربلون بجلد الشياةِ ، الأسود إن غاب الرعاه ، الساعون إن أزفت الآزفه للنجاه ، الهائمون فى كل وادٍ ، المقتحمون فى مواجهة الإرتداد المنكسرون المرتكسون فى ظل الإستبداد ،الخارجون على القوانين المرعيه ، لا يردعهم إلا سيف الشرعيه ، و لا يحمينا منهم إلا حزم السلطه و سلطة الحزم ، لا يغنى عن ذاكَ حوارٌ أو كلام ، و إلا…فقل على مصر السلام.

-3-ما موضوعنا..الإسلام أم دولة الإسلام ؟ :
حديثنا اليوم ليس عن الإسلام الدين بل عن الإسلام الدوله و شتان الفارق بينهما فبينهما إجتهاد و تفكير و تخطيط فالإسلام الدين فى اعلى عليين اما الإسلام الدوله فهى مجموعه من البرامج و الرؤى ، السياسيه و الإقتصاديه و الإجتماعيه.

نهايه..من كلمات البدايه:
لم تكن الجريمه بيد سَمَّاك قتل د/فرج فوده ، لم يكن القاتل هو هذا البائس او زميله..كان القاتل الحقيقى هو :
-1- كل من أفتى بردته ظلماً و بهتاناً لغرض فى نفسه.
-2- كل من انكر عليه حق التفكير و الإجتهاد فى شأن الوطن.
-3- كل من كتب حرفاً وصفه فيه بعداء الدين ، بينما هو محب له مدافع عنه.
-4- كل مسئول تقاعس او جبن من دعوة الدوله لإنصافه امام جحافل الإرهاب.
-5- كل من زايد على ظلاميى مصر و العرب و المسلمين و كَفَّره مثلهم.
-6- كل من باع مبادئه و آراءه فى سبيل أى مكسب سياسى او انتخابى.
-7- كل من يدرك الحقيقه و يصمت خوفاً او طمعاً..و الأخطر ، غيرةً.
-8- كل حزب غير رؤيته و باع مستقبل وطنه لكى يكسب مقاعد برلمانيه.
-9- كل جريده تسمح بالكذب و نشر التكفير و الذعر فيها.
-10- الدوله التى تتجاهل ذكراه بعد موته ، و أهملته فى حياته.
-11-… كلنا … و لا أقل من هذا .

إلى اللقاء!