في يوم الرابع و العشرين من الشهر الحادي عشر من عام ألفين و تسعة تم و بحمد الله و شكره حل مجلس النواب الخامس عشر في الأردن. لا شك أن غالبية الأردنيون يشعرون بأنه كابوس و انتهى. حمل ثقيل و انزاح. و قد يكون من المبكر استخراج القراءات عن أسباب الحل و دوافعه و المبكر أكثر هو توقع الآتي من الأحداث.

إلا أنني و لأنني كنت بلا فخر أول من توقع الحل و رسم سيناريو الأحداث قبل أكثر من شهر و نصف من الحل، فإنني أشعر بأنه ما زال في جعبتي سهم آخر أطلقه، و إن كان السهم الأول قد أصاب بنسبة 100% و جاء في وسط مقلة الهدف. فإنني أتوقع أن يأتي السهم الثاني ليشق السهم الأول من منتصفه و ينغرس في بؤبؤ عين الهدف و بنسبة تصويب تصل إلى 100% بلا أي تشكيك.

إنما قبلا فاسمحوا لي أن أذكر أن سبب الحل ليس هو عدم رضى الشارع، ليس هو عدم رضى الناخبين عن نوابهم و إنما هو في الأكيد عدم رضى صاحب القرار عن أداء المجلس بأكمله.

لقد أسند إلى أعضاء المجلس الكريم مهمة غاية الأهمية ألا و هي التشريع و التطوير، و حاولت الحكومات التي تعاقبت على عمر المجلس الكريم أن توفر لهم كل وسائل الدلال فزادت من رواتبهم و أغدقت عليهم العطايا و المكافآت و يسرت لهم كل السبل ليتفرغوا لعملهم، للمهمة التي عينوا أو اختيروا لأجلها لكنهم و للأسف كما يقولون ( أكلوا بأنفسهم مقلب ) فتفرغوا أولا لتعويض الملايين التي أنفقوها للوصول إلى مقعد في المجلس الموقر. و استغلوا كل وقتهم في عمل الإجتماعات الجانبية لتقسيم المقاعد و المكاسب و بالغوا في الولائم و لم يخفوا ذلك فقد كانوا حريصين على دعوة كل من له لسان طويل و قلم حاد ليرى و يصور و يكتب عن مستوى ثرائهم و إنفاقهم و كأنهم يريدون أن يقولوا للناخب أننا لا زلنا على مقدرتنا المالية و سنكون قادرون على شراء أصواتكم من جديد بعد انتهاء عمر المجلس المفترض.

إلا أن المبالغات فاقت التوقع فحتى رخصة تسجيل سيارة و التي منحت لهم لتمكينهم من قيادة سيارة مناسبة قاموا ببيعها دون شعور أي ممن باعوا بالخزي و هو يبيع هدية ملكية، ميزة تميزوا بها على غيرهم.

ثم أنهم افتعلوا تلك المعارك الجانبية مع الصحفيين تارة بالأيدي و تارة بالتصويت تارة ضد و تارة مع و تارة بين بين على قوانين تضر بالجسم الصحفي و تلاعبوا بالضريبة التي فرضت لدعم الثقافة و أصبح القانون مجرد ممسحة زفر يتفاوضون عليها و على المتضرر أكثر أن يتنازل أولا. ثم تم افتعال المعارك مع رجال الأمن و الدوريات الخارجية و الداخلية حتى أصبح رعبا لرجل الأمن أن يقترب من النائب بل بأي من أفراد عائلته ممن يركبون سيارته و المصيبة أن كل نائب استخرج العديد من اللوحات بنفس الرقم و وضعها على سيارات مختلفة حتى أصبح رجل المرور و رجل الأمن في ربكة مما يرى حين يشاهد نفس الرقم عدة مرات على سيارات مختلفة.

ثم بالغوا في عدم حضور الجلسات حتى أصبح وجود النصاب القانوني معجزة من المعجزات و معاناة ما بعدها معاناة لكن حين تكون الدعوة لسفرة أو احتفال تجدهم يتدافعون للمشاركة. بل يثيرون الإعتراضات لأن مقعدهم لم يكن الأول و كأن هذا هو صلب الموضوع و زبدته و ليس المشاركة. إلى أن جاءت الطامة الكبرى بتهريب أحدهم للمخدرات في سيارة نيابية رسمية و قيل الكثير و لم يكن من السهل أن يتم إقناع المواطن العادي و لا المثقف الأكثر إطلاعا أنها عملية فردية تمت لمرة واحدة و بيد شقيق النائب و ليس بيد النائب نفسه بالرغم من عدم وجود أية أدلة على ذلك التصور. المصيبة الكبرى كمنت في الوفد النيابي الذي سعى لإقناع المسؤولين بالتخفيف من وصف الجريمة و عدم مصادرة المركبة الفاخرة التي أعدت و عدلت للتهريب في سفرات مكوكية طالت تهريب المخدرات و حتى العملة مما أضر بالإقتصاد و ألحق بالبلد أذى فوق التصور. و لو تم ذلك في أي بلد آخر لتنادى أعضاء المجلس لسحب الحصانة عن الزميل و معاقبته و شقيقه دون رأفة لكن الذي حدث أنهم كانوا يتدافعون للدفاع عنه و كأنهم شركاء له خائفون أن يطالهم جزء من الحساب إن تمت محاسبته. ناهيك عن نائب هبطت عليه الثورة فجأة منذ سنوات بعد أن كان معوزا عاد لسيرته الأولى بإصدار الشيكات بدون رصيد و لم يتعظ بماضيه الصعب.

و غيره الكثير الكثير كالصراع لأشهر عدة على رئاسة و مقاعد المجلس و لو كانوا يتصارعون على نقاش قوانينه و محاسبة مسؤوليه بذات القوة لتفهمنا ذلك مما جعل صاحب القرار يشعر بخيبة شديدة من هذا الإختيار الذي مهد له مسؤولون، فبدأ بإقالة المسؤولين كناية لعدم الرضى عن إختيارهم و عدم دقة من أشاروا بهم. صحيح أنه تم استخدام مال نفس المرشحين لكنه كان توظيفا خاطئا و خيارا بعيدا عن الصواب.

وكان لازما حتما وضع حد لهذا الهزل و كان ذلك فالشكر و الحمد و الثناء أولا و أخيرا لصاحب القرار لأنه كان أبعد نظرا و أكثر حكمة و أصوب قرارا من كل من وضعهم موضع الأمل.

أما الآن فأقول و بتوقع بسيط و بلا أي دعم معلوماتي أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة إعداد لدولة عصرية جاهزة لدخول نادي الدول الكبرى و أدعوه بالنادي تجاوزا. أقول سيتم إقرار قوانين كثيرة تتماشى مع تطلعات جلالة الملك و حلمه و أحلامه لبناء دولة لا تقل عن أي دولة مهمة. و قد يقول الكثيرون إن القوانين إن كانت مؤقتة فلن تكون في قوة القوانين الدائمة، لذلك أتوقع إعادة السلطة التشريعية بشكل ليس انتخابي لمرحلة لا تقل عن السنتين و سيتم ذلك بتشكيل شكل من أشكال المجلس الوطني الإستشاري أو مجلس أعيان بلا برلمان. و سيقوم هؤلاء بسن القوانين الدائمة التي تعنى بمصلحة البلد و التي تتماشى من تطلعات القائد و بعد نظره و آماله و أحلامه.

المخاطر التي تتربص في هذا البلد كبيرة فمنها التوطين و منها الأمن الغذائي و المائي و مشاكل و مشاريع الطاقة و التعليم و الصحة، كلها أحلام لجلالته لا بد أن تتم. الأردن سيبقى وطنا للأردنيين فقط و الأردنيون هم من اختاروا أن يكونوا أردنيون و لم يتخذوا من الأردن محطة انتقالية. الزراعة يجب أن تتم على أفضل الصور و يجب أن يصدر الأردن الغذاء للعالم كله كما يجب أن تتوقف المعاناة من نقص الماء سواء بتدبيرها أو بحسن إدارة المياه أي إيصال المواطن الأردني لمرحلة يستطيع فيها أن يحسن التصرف بما هو متوفر من ماء لديه و بذلك يؤدي حاجته دون معاناة. كذلك لن تكون هناك مشاكل في توفير الطاقة التي ستتوفر للأردنيين كما ستتوفر للتصدير. و التعليم في الأردن سيعود كما كان مثالا يحتذى به للمنطقة و العالم و سيفد الطلاب من كل أنحاء الدنيا للتعلم في الأردن الأكثر أمانا و استقرارا و الأجود تعليما. كما سيأتي المرضى حتى من أمريكا للعلاج في الأردن بما أسميته أنا و كنت أول من أطلق شعاره في الأردن قبل عشر سنوات بالسياحة العلاجية.

و أخيرا أقولها كلمة و رزقي على الله، كلمة حق سأتحمل وزرها و تبعاتها من خارج الأردن و لا أطلب جزاء من داخل الأردن. أقول أن قدر الأردن أن يعيش و يموت الآخرون…. سيعيش لأن قدره هو أن يعيش بينما الآخرون سيموتون لأنه ليس لديهم ملك كما للأردنيين.