عفاك درهم” “صدقة الوالدين”…عبارات أصبحت مألوفة ضمن قاموس المتسولين ,السعاية, و كلمات أضحت تتردد على مسامعنا خارج أبواب المساجد, قرب الأبناك و على الأرصفة!! و تعود أسباب هذه الظاهرة بشكل أساسي للفقر و مشكل البطالة و قلة الحال. إلا أن نظرة المجتمع للتسول تختلف من بلد لآخر ففي اروبا تكون غالبا في أنفاق المترو و يقوم المتسول بالعزف على آلة موسيقية ، ومن شخص إلى آخر، ويرى الكثير أن أخد التسول كمهنة يومية تدر دخل معقول سببه تعاطف الناس مع الاستجداء الكاذب للكثير من المتسولين , و تختلف طرق و وسائل التي يستخدمها المتسولون من شحاذ لأخر ؛ قصد الحصول على النقود! فمنهم من يقوم باستعطاف المارة عن طريق عرض عاهته و التشوهات التي يعاني منها (يد أو طرف مبتور …مثلا) فهذه الصورة قد تبعث الألم الممزوج بالاشمئزاز و النفور من المنظر ، و بعضهم يعمل على كراء طفل أو طفلين و يتسول بهما طيلة اليوم ، و آخرون ويقومون بحفظ بعض آيات قرآنية ؛و أحاديث تساعد على هذا الفعل. أماكن هؤلاء قارة : أبواب المساجد و ذلك لاستغلال خروج المصلين من المساجد و ينتهز الفرصة ليمد يده و يطلب الصدقة. و قد تكون الصدقة التي نعطيها للمتسولين من الأطفال سبب في تفاقم وضعهم حيث يقوم هذا الأخير بإنفاقها في شراء المخدرات أو ما يسمى ب”سيليسون” المادة التي خربت و لازالت تخرب عقول الأطفال و الشباب.

تكثر هذه الظاهرة بوجه الخصوص ، في الأعياد و المناسبات الدينية كيوم الجمعة، شهر رمضان، عيد الفطر..، حيث يبتغي العبد مرضاة الله عن طريق الصدقة “لمن يستحق” فالمسألة المهمة في الموضوع هي أن الإسلام رافض لهذا السلوك ، لذلك افترض على الأغنياء الزكاة و الصدقات لمساعدة و رعاية الفقراء و المحتاجين لها بضرورة و ليس الممتهنين لشحاذة , و قد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم ” . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر.”

لكي لا يكون لنا يد في مساهمة في تنمية و انتشار الظاهرة يجب على كل فرد من أفراد المجتمع ألا تاخده العاطفة و ينساق وراء مشاعر الإشفاق و الرأفة بأولئك المتسولين و الامتناع إعطائهم المال لان في منحهم النقود نكون بدلك نشجعهم على تفشي و ارتفاع عدد المتسولون الشيء الذي يوثر سلباً علينا في ارتفاع معدل الجريمة إضافة على تشويه صورة سياحة بالمغرب خصوصاً في المدن التي تعد وجهة لسياح الأجانب فواجب علينا كمواطنين تبليغ فورا الجهات المسؤولة أن نتصدى لتلك الظاهرة المتفشية ، والقضاء عليها.

المثير في ظاهرة الشحاذة أنها تفرعت منها حالات و دخلت عليها فئات، من بينها ؛ فئة الحال الميسور وكما نعلم لا يحتاج أفرادها للتسول . فهل إراقة ماء الوجه للحصول على النقود أصبح هينا لهذه الدرجة؟

ففي احد الأيام بينما انتظر انطلاق إشارة المرور و إذ بي اسمع صوت ينبعث من وراء زجاج النافدة “لله يرحم لوليدين عطيني لقاسم لله…” فألتفت لأري مصدر هذا الصوت إلا أني اندهشت لما رأيت, كانت في العقد الخامس من العمر ، خطت التجاعيد وجهها ، كانت مهمومة متقمصة شخصية ؛بل تعيش في الدور ، التقت عيني بعيناها دارت في خطرها مجموعة من الأفكار المتباينة لدى رؤيتي كانت كمن يحاول الهروب ، لكنها لم تستطع ؛ نظرت إلي نظرت المستنكر ، أحسست بشعورها ، تمنت لو أن الأرض تنشق لتبلعها ، لم تعرف كيف تبرر موقفها ، فضلت الجمود على الكلام فبادرت أنا بسؤال تلطيف للجو: كيف حالك يا سعاد ؟ فأجابت بصوت هادئ لا يكاد يسمع:” أنا بخير و الحمد لله ” ماذا تفعلين هنا ؟ فردت ابحث عن لقمة العيش” فاستغربت للجواب الذي تلقيته منها.

كنت على درايتي جيدة بحالتها المادية ، نظرا لأنها تسكن في الحي الذي اقطن فيه إضافة إلي أن ابنتها التي تعيلها كانت صديقة للعائلة ، فأردفت مادا عن ابنتك ؟ هل تعرف هذا الأمر ؟؟ فانهارت بالبكاء و ظلت تشكي من سوء معاملة التي تتلقها من ابنتها و أنها لا تمدها بأي مساعدة مالية …أخذت ما تيسر و رحلت ؛لكن الفضول تملكني ؛ فأصررت على متابعة البحث في الموضوع فاتصلت بابنتها فورا التي نفت الإدعاءات و أكدت أن كل هدا غير صحيح و أنها ليست هده المرة الأولى التي تقوم أمها بشحاذة و لطالما تكلمت معها في الموضوع لكنها تنكرانها تقوم بذلك ، و أرجعت السبب الذي دفع بها لامتهان التسول هو الدافع النفسي المحض لأنها توفر لها كل ما تحتاجه.

و هنا نجد أن أسباب الظاهرة لا تقتصر علي الفقراء فحسب بل وتمتد للأغنياء كذلك, هذه الفئة دخيلة على الظاهرة مع أنها ليست منتشرة بشكل كبير و إنما حاضرة!!! قد يكون السبب الرئيسي لخروج هده الشريحة من الناس ليس المال بدرجة الأولي و إنما خلل نفسي ،و قد يكون الطمع و الجشع ، و الرغبة في تكديس الأموال غافلين أن الدنيا مجرد محطة للعبور و ليست خالدة كما يظنون ومما سبق تظهر بشاعة التسول وأضراره على الفرد والمجتمع ، وأنه يؤدي إلى موت الهمم ، ودفن النبوغ ، وفي التسول تظهر دناءة نفس المتسول ، وحقارته وضعف دينه وعقيدته ، وأنه يورث سفولاً وانحطاطاً في الأخلاق والقيم ، وانتزاع البركة من المال ، وأكل للأموال بالباطل وبالتالي فهو يؤدي إلى حرمان إجابة الدعاء ، وهو مظهر من مظاهر تخلف الأمم وتأخر الشعوب.