تقف الحركات الأصولية وهيئات الإسلام السياسي بالمغرب في وجه كل الجهود والمساعي المبذولة لبناء مجتمع حديث الشكل والمضمون معا، ويقومون بتشبيك كل الجهود من أجل محاربة أي نداء من أجل علمنة الدولة والدفع بها نحو الأفضل في مسار الحريات وحقوق الإنسان، بل إنهم لا يكفون عن اتهام كل من عارض مشروعهم الأصولي وفهمهم التاريخي المتجاوز للإسلام والمجتمع بالجهل والخروج عن رغبة الإجماع من المسلمين، وكلما صرح مثقف عن مواقفه الداعمة للعلمانية إلا وتصد إليه حماة العقيدة بمشنقة الكفر والخروج عن الملة الإسلامية، وحيثما وجدت دعوة ما من أجل احترام حقوق المرأة والأقليات إلا واعتبرت محاولة من طرف من لهم مصلحة في تخريب المجتمع وقتل قيمه، موهمين أنفسهم بأن مشروعهم الديني صالح لكل زمان ومكان.

ونجد أن الأحزاب التي ترفض العلمانية وتتخذ من الدين مرجعية لها غالبا ما تفتقد لبرامج اجتماعية تقدم حلولا عملية للمشاكل والمطالب الاقتصادية والاجتماعية لتلعب على وتر الدين و حينما يطلب منها تقديم البرامج السياسية تحيلك على الشعب، الذي بدوره يستسلم لعاطفته الدينية بتغلبها على اختياره لمن ينوب عن مطالبه ذات الطبيعة المادية المحضة.

إن الدولة الدينية لا يمكنها أن تضمن الحرية وبالتالي لا يمكنها ان تساهم في الإنتاج الفكري والثقافي والعلمي، بل تعمل فقط على تشجيع الناس على النسخ واللصق والتقليد وإعادة اجترار ما أنتجه الأخر المبتكر، وكمثال حي لذلك فبلد كالصين حيث تصادر الحرية لا يمكنه أن يكون منتجا للجديد لكنه الأول عالميا على مستوى تقليد المنتجات والبضائع القادمة من أمريكا وأوربا.

العلمانية لم تكن يوما ضد الدين وحرية الأفراد في المعتقد، ولا تدعوا إلى فصل الدين عن الناس فهذا ضد مبدأ الحرية الذي تسعى هي نفسها إلى حمايته وضمانه لجميع مكونات المجتمع باختلاف أديانهم وطوائفهم كما أنها لا تسعى إلى طمس عقيدة أو إلغاء دين ما، فذاك ضد مبدأ حرية الاعتقاد الذي تضمنه كل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، فالعلمانية تدعوا إلى فصل السياسة عن الدين، لأنها لا تريد للدين المقدس أن يدنس برتن السياسة و مكر السياسيين، و العلمانية ليست إيديولوجية لأنها لا تتبنى أي موقف من أي قضية سواء كانت سياسية اقتصادية أو أخلاقية، بل هي أداة من أجل ضمان السلم الاجتماعي والسياسي وتحديد اختصاصات المؤسسة الدينية وحمايتها من ما يمكن أن يستغلها ويوجهها لخدمة مصالحه المختلفة