النموذج التركى: صراع القبعة والطربوش
كغيره من الشرقيين ممن تلقوا تعليمهم فى اوربا فى القرنين الماضيين كان مصطفى كمال المعروف بأتاتورك منبهرا بالحداثة الغربية التى شهدها عن قرب فى فرنسا ابان دراسته فى اكاديمية تولون العسكرية ناقما فى ذات الوقت على التخلف الذى تقبع فيه بلده تركيا والحكم العثمانى العليل الذى وصمها بالجهل وعدم مواكبة تيار العلم والحداثة الاوربية . مما جعله يعتقد ان الاسلام والارتباط بالعرب ( الذين يعتبرهم الشعب التركى خانوا الاتراك ابان الحرب العالمية الاولى بعد اعلانهم الثورة العربية الاولى بقيادة الشريف حسن 1916،)هو سبب وضعف وتمزق الدولة التركية فعاد محملا بأفكار ثورية تهدف للحفاظ على القومية التركية ضد التيارات الاسلامية والعربية على السواء.
فانضم الى جماعة الاتحاد والترقى التى كانت تهدف الى القضاء على الخلافة الاسلامية واحياء القومية التركية ومع اندلاع شرارة الحرب العالمية الاولى بدأ اتاتورك بطولاته العسكرية دفاعا عن الوطن وتمثل ذلك فى قيادته للفيلق العسكرى المواجه لمضيق الدردنيل وانقذ بلاده من الاجتياح البلغارى لذلك اطلق عليه الاتراك بطل الدردنيل ومنقذ العاصمة . وهو ما جعل اتاتورك يحظى بشعبية كبيرة لدى الشعب التركى اهلته بعد انتهاء الحرب الى الى ان ينخرط فى الحياة السياسية التركية حتى تمكن من اقناع نواب البرلمان من خلع السلطان العثمانى واعلان الجمهورية فى اكتوبر 1923 وبذلك دانت له السلطة المطلقة وبدأ يطبق افكاره ويمارس سياسة التحديث وتغريب تركيا.
وكانت البداية بالغاء الطربوش الذى كان رمزا للدولة العثمانية واعتمار القبعة بدلا منه كغطاء للرأس ،ثم اغلقت المدارس الدينية وتم حل الطرق الاسلامية كالنقشبندية والشاذلية والنورسية واغلاق جميع المزارات وقبور الاولياء ومشايخ الطرق كما تم اقرار العمل بالقانون المدنى الفرنسى وجرى ايضا فرض السفور على النساء ومنع لبس الجلباب والحجاب كما تم ايضا الغاء اعتماد الدين الاسلامى كدين رسمى للدولة وتغيير حروف الابجدية التركية الى الاتينية بدلا من العربية كما قام بترجمة القران والصلاة ورفع الاذان باللغة التركية بدلا من العربية .
وبذلك كان الاتجاه العلمانى الاتاتوركى شديد التطرف والانقلاب على المجتمع التركى المسلم حيث انه لم يستند الى المفهوم الانجليزى او الالمانى عن فصل الدين عن الدولة بحيث تصبح الدولة مستقلة فى شئونها الحياتية تمارسها فى ضوء العقل والمنطق وليس بواسطة الدين على انه ينبغى على هذه الدولة ان تكون محايدة ولا تتدخل فى امور الدين. الا ان اتاتورك قد اخذ بالنموذج الفرنسى للعلمانية الذى لا تعنى فقط فصل الدين عن الدولة وانما ان تكون ذات طابع نضالى مضاد لكل ما هو دينى . لقد ارتبطت العلمانية فى الغرب بقيمتى المساواة وحرية الضمير سواء كان دينيا او غير دينى وهما قيمتان لازمتان للديمقراطية ولكن تجربة اتاتورك قامت على اخضاع المجتمع للدولة بعد فرضه نظام الحزب الواحد وسيطرته المطلقة على الجيش الذى اصبح حامى حمى العلمانية التركية كما نص الدستور الذى وضعه اتاتورك. لذلك كان لنتيجة التغير بالصدمة الذى احدثه اتاتورك ان بدأ انبعاث المرجعية الاسلامية من جديد بعد وفاته وتحول التغريب الى تحديث شكلى ليس الا ، وهو ما اطلق عليه المفكر محمد اركون” انها كانت صورة كاريكاتورية للعلمنة” . وبعد وفاة اتاتورك عام 1938 بدأت تركيا مرحلة جديدة من التعددية السياسية وانطلاق الاحزاب اليمينية واليسارية على السواء وتجلى ذلك ابان حكم خليفة اتاتورك عصمت اينونو . الى ان بدأت فى المجتمع التركى ارهاصات انبعاث تيار اسلامى لم يرضى عن المظاهر التغريبية التى احدثتها التجربة الاتاتوركية من بعد عن الدين وتمثل ذلك فى فترة الخمسينيات اثناء حكومة عباس مندريس الذى اعاد بعض المظاهر الاسلامية كرفع الاذان باللغة العربية وعودة التعليم الدينى ارضاءاً لمشاعرالشعب الغاضبة من التحول الاتاتوركى العنيف من هنا بدأت مظاهر الصراع بين انصار الطربوش ممن يتمسكون بالانتماء التركى للحضارة الاسلامية وبين انصار القبعة من المحافظين على تجربة اتاتورك وفى مقدمتهم قواد الجيش حماة العلمانية الذين تدخلوا واسقطوا حكومة مندريس وشنقوه لمجرد الشعور بخطر اسلامى يهدد العلمانية التركية وبذلك كان تدخل الجيش التركى حدثا فريدا حيث يبقى الجيش مستقلا عن الحكم ولكنه يتدخل لحماية العلمانية بالرغم من عدم مشاركته فى الحكم وهو ما حدث فى اعقاب ذلك فى عامى 1971 و1980 فى انقلابات قام بها العسكر عدما شعروا بتهديد التجربة الاتاتوركية من قبل اليمين الدينى من اصحاب التوجهات الاسلامية كنجم الدين اربكان ذلك السياسى المخضرم الذى قاد انبعاث المرجعية الاسلامية منذ الستينيات حتى تمكن من خلال حزبه الرفاه من الوصول للحكم عام 1996 بعد صراعات دامية بينه وبين كلا التيارين اليمينى واليسارى بزعامة اسماء فى وزن تورجوت اوزال وسليمان ديميرل وبولند اجاويد وتانسو تشيلرمن ناحية ومن ناحية اخرى صراعه مع الجيش المناوىء لكل ماهو اسلامى.
كانت شوارع اسطنبول فى هذه الاثناء تعبر بصدق عن الدراما التركية كما يقول د.رضا هلال : “الحنين للماضى يعانق انكسار الحلم الاوربى ، المينى جوب الى جانب الجلباب والحجاب ، الكازينوهات الى جانب المساجد” . لقد كان انبعاث التيار الدينى نابعا من المظاهرات التى قام بها الاسلاميون احتجاجا على وضع القيود على التعليم الدينى ومنع الطالبات والموظفات من ارتداء غطاء الرأس او الحجاب فى ذلك الوقت. وقد استغل الاسلاميون هذه المشاعر الشعبية ولعب الرفاه على وتر الاحباط التركى من الرهان على الغرب مستغلا الشعارات ورفض طلب تركيا بالانضمام الى الاتحاد الاوربى بعد اكثر من اربعون عاما . لذلك اجتذبت شعارات الرفاه ضد الغرب ومناداته بأمم متحدة اسلامية وكومنولث اسلامى افئدة الطبقة الوسطى التركية وعكست تصريحاته معاداة الغرب ومعاداة السامية ووعد بتحسين العلاقات مع ايران وسوريا وانه سوف يقوم بمراجعة الاتفاق العسكرى مع اسرائيل فى ذلك الوقت. لذلك استشعر الجيش والمؤسسة المدنية خطرا من اربكان الذى بدأت تتزايد شعبيته ، وخوفا من يتكرر نموذج الثورة الايرانية وجبهة الانقاذ فى الجزائر قام الجيش بانقلاب سلمى هذه المرة واقال حكومة اربكان وقام بتعيين مسعود يلماظ رئيسا للحكومة . ونلاحظ هنا ان اسلوب التغيير الصادم للمجتمع المسلم الذى قاده اتاتورك والذى عبر عنه الكاتب الامريكى صمويل هنتنجتون بقوله: “ان الاتاتوركية كانت متطرفة فى اللجوء الى تغريب مجتمع غير غربى من اجل تحديثه ومن ثم كان الاحياء الاسلامى استجابة ورد فعل عكسى لذلك” وبنفس الدرجة كان الاحياء الاسلامى الذى قاده اربكان متطرفا ومنقلبا على النموذج العلمانى الذى يحميه الجيش لذلك لم يؤت هذا التغير الصادم فى كلا الاتجاهيين ثماره حتى نهاية العقد الماضى مما اتاح الفرصة لحزب جديد يدعى العدالة والتنمية الاجتماعية والذى يحكم تركيا منذ عام 2002 وحتى الان بزعامة عبدالله جول ورجب طيب اردوجان وهما من تلاميذ اربكان الى هضم واستيعاب الدرس بالكامل وتمكنا من ان يمارسا اسلوب المواءمات بفرض نموذج حكم مدنى علمانى يقود المجتمع التركى نحو التحديث ويرضى القوى العلمانية والجيش وفى نفس الوقت يكون ذلك فى اطار اسلامى يحافظ على الموروث الثقافى الحضارى والمحافظة على الشخصية والهوية التركية. وهو ما قاد الاقتصاد التركى الى تبؤ المكانة السابعة عشر على العالم وانضمام تركيا الى مجموعة العشرين وبلوغ دخل الفرد فى تركيا الى ما يقرب من 6000$ سنويا بمعدل نمو اقتصادى يصل الى 7% هذا الى جانب الدور الساسى المحورى لتركيا فى منطقة الشرق الاوسط وهو ماجعل العلمانين الاتراك ينتخبون حزب العدالة الاسلامى وهو ما يعبر عن نضج التجربة العلمانية التركية ووعى الشعب التركى.
وقد تمكنت الديبلوماسية التركية فى عهد حزب العدالة من تحقيق المعادلة الصعبة ان تضع على رأسها القبعة والطربوش فى نفس الوقت ، حيث تضع القبعة دائما وتظهر الطربوش عندما تقتضى الحالة الى ذلك.