أحيانا تبحث عن مقدمة لمقال فلا تجدها. أحيانا تنهمر الكلمات فلا تعرف من أين تبدأ فكل الكلمات تصلح أن تكون مقدمة ووسطا وخاتمة. الآن أنا أعترف أنني لا أعرف من أين أبدأ ولا كيف يجب أن أنتهي.

شاركنا في مسيرات دعيت بمسيرات الغضب أو فلنقل أنها مسيرات احتجاج. احتجاجاً على كثير من الأشياء. احتجاجاً على الشؤون المعيشية واعتراض على الأوضاع الإقتصادية وعدم رضى على الواقع الحياتي السياسي بالمجمل.

قبل أقل من أربعة شهور فاجأنا دولة الرئيس بخطاب يطلب الثقة فيه من مجلس نواب موقر عيّن أو انتخب لتوه، بأنه ومن ضمن برنامج الحكومة، لا زيادة على الرواتب ولا تعيينات في الوظائف ولا أحد يضمن ما هو آت من الضرائب وارتفاعات في الأسعار. وفجأة تعلن الحكومة برنامجها لخفض الأسعار فتخفض من سعر حوالي عشرين مادة غذائية منها الشاي والسكر والرز. حتى البندورة خفض سعرها لأقل من عشرين قرشا للكيلو واللحمة بأنواعها ما بين أربعة دنانير إلى سبعة دنانير للكيلو الواحد ولسنا هنا في معرض تسعير بقية المواد التموينية، إلا أن المدهش أن كل ذلك كان يحتاج فقط لعشرين مليون دينار سنويا أي بمعدل أربعة دنانير للمواطن الواحد فقط وتنتهي عندها كل مشاكله الغذائية.

ولم تفرغ جعبة الحكومة من المفاجآت إذ أتحفتنا قبل يومين بزيادة على الراتب أيضا بمقدار عشرين دينار للموظف المتقاعد والعامل، ولست أدري حكاية العشرين مع الحكومة إذ يبدو أنه الرقم المعجزة بالنسبة لها. ثم فأجأتنا أيضا بوجود شواغر تحتاج لتعيينات وأن المطلوب فقط من المواطنين التقدم للعمل لكنهم هم العازفون عن العمل، والتقصير ليس من الحكومة ولكن من المواطنين.

لا نعلم إن كانت الحكومة قد هدرت بسيلها هذا من الكرم الحاتمي فجأة بسبب المسيرات التي سارت في مختلف أنحاء وطننا الحبيب أم أنها اكتشفت أنها تستطيع أن تعطي كل هذه المنح والعطايا من تلقاء نفسها ولو لم تكن هناك مسيرات لقامت بنفس الشيء، لكن الناس استعجلوا على رزقهم وهم كالعادة مخطؤون والحكومة فقط تعرف الصحيح.

سيدي الرئيس سادتي أعضاء الحكومة الأجلّاء، ربما لم تفهموننا بشكل صحيح وربما لم نستطع التعبير عن طلباتنا ونعترف أننا أيضا مخطؤون. المسألة ليست في بضعة قروش تخفض في سعر الشاي و السكر، والمسالة أيضا ليست في تعيين بضع عشرات من الخريجين أو العاطلين عن العمل. المسألة سادتي الكرام هو الفساد الذي ينخر دولتنا. ثروات شعبنا بيعت ولا نعرف لماذا بيعت ولا أين ذهبت عوائد البيع. تجيب الحكومة أحد النواب الأفاضل أن عوائد البيع أنفقت على الجيش وجهات أمنية، إجابة مقنعة، بل مخرسة حتى لا يتجرأ أحد ليسأل أبعد من ذلك.

المشكلة سادتي الكرام في فروقات الرواتب بين سكرتيرة راتبها 2500 دينار وأستاذ جامعي وحامل لشهادة ماجستير أو دكتوراة راتبه لا يتجاوز الخمسمئة دينار. المشكلة في مدخرات الأجيال التي أضاعها الضمان الإجتماعي ما بين فساد إداري وخطأ في الإستثمار ومصاريف إدارية ورواتب مذهلة لدرجة الرعب. المشكلة أعمق بكثير مما تصورتم سادتي الأفاضل. لقد طفح الكيل بنا. إنفلقنا، إنفجرنا غيظا وقهرا. وكما قالها لكم غيري أعيدها الآن، ليست هكذا تورد الإبل.

تعهد دولة الرئيس بمحاسبة الفاسدين الذين سيتم اكتشاف فسادهم. ألا تعرف سيدي المبجل ماذا فعل الفاسدون وأين تجدهم؟ هل تحتاج لمثلي أن يدلك عليهم؟ عد سيدي على أصابعك، لا عفوا لن تكفي أصابع يديك العشرة. تحتاج لأكثر حتى من أصابع وزراء حكومتك كلها. خذ مثلا…..

سيدي دولة الرئيس. اليورانيوم مخزون في الأراضي الأردنية، وعندما نستطيع استخراجه سيكون العالم في ذلك الوقت ممنوع تماما من استخدام الطاقة النووية وستكون أشكال استخراج الطاقة قد اختلفت تماما.

سأعطيكم دولة الرئيس اقتراحا واحدا قد يكون جزءا من الحل. أرصدة الغيلان معروفة لديكم في البنوك الأردنية وغير الأردنية وتعرفون كم يملكون من الأراضي والشركات. أقترح أن يستدعى هؤلاء واحدا واحدا وتقارن ثروته بما أقر عليه لدى ضريبة الدخل، فإن كان أقر بهذا الدخل فهو له ومن لم يقر بهذا الدخل فهو ليس له وإنما أصفار أضيفت لأرصدته بالخطأ. كيف يمكن أن تزداد ثرواتهم دون أن يصرحوا بدخولهم ويسددوا عنها الضريبة المتوجبة قانونا؟

لا أعلم وكمواطن أردني إنما لست موظفا حكوميا ولا متقاعدا، متى يمكن أن أنتفع من قرارات الحكومة. هل كل الأردنيون موظفون مدنيون وعسكريون؟ أين متقاعدو الضمان من كرمكم؟ ألا يحق لهم التمتع بالزيادة في الرواتب أم أنها فقط حكر على موظفي الحكومة والجيش؟ الصوت بيع أقله بخمسين دينارا في الإنتخابات، وحيث أنك تسعى لنيل أصواتنا فلماذا لا تدفع كما دفع أقل المرشحين الخاسرين. عشرون دينارا لا تكفي سيدي، أنا لا أبيع صوتي بأقل من مئتين….. هل من مزاود؟ لا تصدق ما أقول فصوتي ليس للبيع إنما هي مداعبة…. وهل أجرؤ؟

دولة رئيس مجلس النواب زاد موظفي المجلس مائة دينار ودولة رئيس مجلس الأعيان زاد موظفي مجلس الأعيان خمسين دينارا والحكومة زادت رواتب السادة النواب ألفي دينار شهريا….. هل كل هؤلاء يختلفون عن باقي الشعب؟ لماذا تزاد رواتب الشعب بعشرين دينارا وغيرتهم بالمآت؟

وحتى لا تبق في حيرة سيدي عن حيرتي في بداية المقال عندما قلت أنني لا أعلم كيف أبدأ وكيف انتهي. السبب يا سيدي أنني وبكل صدق فخور بكم وبحكومتي التي أحاطت كل المسيرات والإعتصامات بعنايتها وحنانها. لا أعرف حكومة في العالم توزع الماء البارد والعصير على مطالبين بإسقاطها. لقد كنتم ورجالكم  النشامى في منتهى الحضارة والرقي وفعلا كدت في لحظات ما سأهتف للحكومة، لكنني تراجعت عندما قرصني الجوع وتذكرت ما أنا آت بسببه. إلا أنني ولطبيعة الشك التي في نفسي تسائلت، هل يا ترى تم توزيع الماء والعصير بإرادة أعلى من إرادتكم وما ذلك إلا تعبير عن عدم الرضى عن سياستكم؟ أكاد أشك في نفسي لأني أكاد أشك فيك وأنت……. لست منا.

[email protected]