ما حدث في أعقاب مباراتيّ مصر والجزائر الأخيرة جاء خادمًا لفكرة القوميّة الخادعة، والتي لا تتحرّى الصّدق، بل وتنخر في دماغ المجتمع صدعًا لا سبيلًا إلى رأبه، ولم يكن لإعلام الدّولتين أيّ شرف أو مصداقيّة في نقل الخبر، بل وانحازا بعصبيّة عمياء نحو أمور هي بعيدة كل البعد عن تحليل مباراة كرة قدم لما هو التّجريح والإهانة لتاريخ وحاضر الدّولة المضادة، بل وجاءت تصريحات جهازيّ الإعلام، الجزائريّ والمصريّ، موافقةً لفلسفة هتلر نفسه بشكل كبير، وهو أنّ الإعلام الحكوميّ قد يضلل السّواد المغيّب لمصلحة الدولة. وهي المصلحة التي هي جدّ غير موضوعيّة، وهزليّة في آن، لأن المصالح متضاربة ومتعارضة بين الأمم وبعضها، كما بين الأفراد وبعضهم. وقد ينشب عن تضليل الإعلام للأفراد، سواء بهدف المزايدة على شعبيّة رئيس شموليّ في “جمهوريّة وراثيّة” كما ذكر إيدان لويس في معرض تقريره الهامّ الذي صدر في الأسبوع الماضي عن هيئة الإذاعة البريطانيّة بي.بي.سي.، تحت عنوان “توريث السّلطة في عائلات شمال أفريقيا الحاكمة“، أو لإذكاء رّوحٍ وطنيّةٍ مفقودة، أو لبثّ الهمم الفاترة، أو لشغل الناس عن قضيّة أخرى أكثر حيويّة، أو خلافه، ما لا يُحمد عُقباه. وقد يصل لما حدث في أعقاب مباراة مصر والجزائر في الخرطوم من إرهاب مسلّح من جانب الجزائريين بحسب شهود عيان.

لا مفرّ من التّوجيه والعصبيّة والانحياز إن بقي الإعلام حكوميًا، أو سيطرت الحكومات بأجهزتها على الإعلام وراقبته. والتّساؤل التالي الذي يجول في ذهني، من سيفضح فساد الحكومة إن كان الإعلام نفسه حكوميًا؟! هذا التّساؤل موجّه بالأساس بخصوص الدّول التي ترزح تحت وطأة الشّموليّة المطلقة، والتي تسيطر فيها أجهزة الحكومة على الإعلام، وهو أحد الأسباب التي جعلت أوضاع هذه الدّول تتردّى من سيّء لأسوء في ظل سُبات الأفراد العميق، وإذكاء الحكومة لهذا السّبات بمساعدة الإعلام. ولهذا قد ارتأى لي بارقة أمل في أعقاب الثّورة المعلوماتيّة الأخيرة، والتي أجبرت الحكومات لنشر وبثّ الحقائق. لأن هذه الحقائق قد أمست تُبثّ، وبشكل أسرع من قدرة الحكومة على تلفيق أخبار كاذبة، على الإعلام الخاص. وقد أجبرت هذه الثّورة الحكومات، والحالة هذه، أن تُرخي حبل الكذب والتلفيق، وأن تُبرز الخبر مع التوضيح، خير من السّكوت التام، بحيث يدفع هذا الفراغ، النّاتج عن إمساك الإعلام الموجّه عن طرق قضايا معيّنة، بالأفراد لتلقّي الخبر من مصادر الإعلام الخاص، والذي قد يلفّق هو الآخر بدور الخبر لمصالح أخرى، مما قد يُفقد الأفراد الثّقة في حكوماتهم تمامًا، وبالتالي تفقد هذه الحكومات شعبيّتها. نعم، إنّ الحكومات الشّموليّة أُجبرت على المصداقيّة بسبب الثّورة المعلوماتيّة، وهي لم تفضح نفسها أمانةً ونزاهةً على أيّ حال.

وهذا يقودنا للحديث عن الإعلام الاجتماعيّ “Social Media” الناشئ حديثًا، وهو الإعلام الذي يُبثّ عبر شبكة الإنترنت بشكل خاصّ، والذي لا يعترف بالهويّة الضيّقة للحدود السيّاسيّة، بقدر ما يدعّم حريّة الرّأي والتعبير بشكل كامل، بل وقد يفضح أول ما يفضح، ممارسات الحكومات التي يعايشها كنتيجة طبيعيّة لوجوده معها. ومواقع الإعلام الاجتماعيّ قد شهدت في هذا العقد منحنًا جديدًا أجبر الإعلام التّقليديّ على الاعتراف بوجودها، وقد أفسح لها المجال في بعض الأحيان لتنقل هي بالصّوت والصّورة الأحداث مباشرةً، بل ونقل عن بعضها في بعض الأحيان الأخرى. والدّليل على ذلك أن من قام بتصوير مشاهد أثارت ضجة عالميّة في السّنين القلية الماضيّة ما هم إلا مدنيّون، لا هم إعلاميّون، ولا تدرّبوا يومًا على حمل كاميرا، ولا تعلّموا أصول الصّحافة في كليّات الإعلام، وعلى سبيل الذّكر لا الحصر، أذكر ڤيديوهات التحرّش والتعذيب في مصر، وڤيديو مقتل ندا، الفتاة الإيرانيّة، وڤيديوهات التظاهرات الإيرانيّة، وڤيديوهات أحداث هندوراس الأخيرة.

ولمّا تميّزت كل هذه الأحداث بخطّ واحد يربطهم جميعًا، كان هذا الخطّ هو نُدرة أو الانعدام التّامّ لوجود الإعلام التّقليديّ في هذه المناطق بالتحديد لتصوير هذه الأحداث وقت حدوثها، مما دفع الإعلام التّقليديّ في بعض الأحيان لمناشدة المدنيين لتصوير الأحداث عبر كاميراتهم، أو كاميرات أجهزتهم الجوّالة وقت حدوثها، وإرسالها بعد ذاك لبثّها. بل وأُجبر الإعلام التّقليديّ في السّنين الأخيرة في بعض الأحيان للنقل عن مصادر مجهولة لأهميّة الحدث وانعدام التّغطيّة الإعلاميّة له.

إنّ كلّ مواقع الإعلام الاجتماعيّ بدأت وانتشرت انتشارًا مذهلًا خلال هذا العقد تقريبًا، سواء المدوّنات، أو المواقع الشّخصيّة، أو مواقع مؤسسات المجتمع المدنيّ، أو مواقع التواصل الاجتماعيّ، والتي أحدثت تغييرًا هائلًا، أُسميه العولمة الاجتماعيّة، سواء موقع فيسبوك، تويتر، ماي سبيس، وغيرهم، أو مواقع مثل يوتيوب، بيكاسا، فليكر، وويكيبيديا، والأخير هذا هو الآخر يعدّ، من وجهة نظري، العولمة الثّقافيّة في أعتى صورها.

وسواء كان ناقل الحدث كاميرا هاتف جوّال حديث، أو مدوّنة، أو موقع للتواصل الاجتماعيّ، فهي في الأخير كلها من ابتكارات الثّورة المعلوماتيّة الهائلة الذي شهدها العالم في آخر ثلاثة عقود. الجدير بالذّكر، أن المنتديات، وإن كانت فكرة أقدم نوعيًا في التّواصل الاجتماعيّ، إلا أنها لم تحقق ما حققته المدوّنات والمواقع المذكورة. وقد كتبت الصحافيّة والناشطة الاجتماعيّة أمينة شفيق مقالة جديرة بالتأمّل في الأهرام اليوميّ منذ شهرين أو أكثر، عن دور الإعلام الاجتماعيّ في الأحداث الأخيرة خاصّةً التظاهرات الإيرانيّة التي أعقبت عدم نزاهة الانتخابات الإيرانيّة، ولكن للأسف لم أعثر للمقالة على أيّ مصادر على شبكة الإنترنت.

وحتى مع تأثّر الإعلام الاجتماعيّ بأهواء كاتبيه وناشريه، فإنه يظلّ أكثر مصداقيّة من الإعلام التّقليديّ، ليس فقط لأن الأوّل يبرز في صورة تطوعيّة عن الثّاني الذي يُعتبر مصدرًا للدخل والمعيشة، وإن وُجدت بعض الحالات الاستثنائيّة، وفي الغالب فإن الأعمال التّطوعيّة تتسم بمصداقيّة أكثر. ولكن أيضًا لأن متصفّح الإعلام الاجتماعيّ يقابل تنوّع ضخم وتنافس شديد، غير مُراقَب ولا مُنظَّم من قِبل هيئات سلطويّة، فيجد المتصفّح، أو المستهلك في هذه الحالة، نفسه بين ملايين المواقع، والتي تعدّ بيئة تنافسيّة مثاليّة للفرز والانتقاء، حتى يصل المستهلك لأعلى الأخبار والمقالات جودةً ومصداقيّةً.

لقد هدم الإعلام الاجتماعيّ، وللأبد، فكرة الاتجاه الواحد لنقل المعلومات، وأصبح الإعلام ذو اتجاهات متعددة، فلم يقتصر الأمر على كاتب يوجّه مقالةً من مكتبٍ مكيّفٍ أو صحافيّ يراسل المشاهدين من موقع للأحداث السّاخنة، بل أصبح الفرد نفسه يشارك في صنع ونشر وبثّ الخبر، أيّ أن الفرد قد قبض على زمام العمليّة برمّتها، مما نتج عنه تدنّي شعبيّة الإعلام التّقليديّ لصالح الإعلام الاجتماعيّ، وهذا قد ينقل المنافسة بينهما لمستوى آخر، وهو المنافسة كأنداد في نقل الخبر و نشر الآراء، سينتصر فيها الأعلى جودة والأرخص ثمنًا، أقصد الإعلام الاجتماعيّ الذي لا يكلّف لاقتناءه سوى معرفة بسيطة لكيفيّة التّعامل مع شبكة الإنترنت، بالإضافة لقيمة الاشتراك الشّهريّ مع أحد مزوّدي الخدمة، والتي هي في متناول معظم فئات المجتمع، مقارنةً مع بعض اشتراكات القنوات التّقليديّة الخاصّة على الأقمار الاصطناعيّة.

وما أتمنّاه هو أن يُجبر الإعلام الاجتماعيّ نظيره التّقليديّ، سواء الحرّ أو الموجّه، على الالتزام بمعايير المصداقيّة الكاملة في نشر الخبر بغضّ النّظر عن جنسيّة مالك الصّحيفة أو القناة، كما أجبرت من قبل الثّورة المعلوماتيّة الإعلام الحكوميّ الموجّه على تحرّي شبه المصداقيّة وعدم تكتّم الأخبار.

أعتقد أنّ تلاشي الإعلام الموجّه سوف يجرّ في ذيله تلاشي الأنظمة الشّموليّة بالتّبعيّة. نعم، إلى هذه الدّرجة يعدّ الإعلام الموجّه وبالًا على المتلقّين، فهو الذي يستر الأنظمة الشّموليّة، فتبدو هذه الأنظمة المهترئة تحت لباسه الفاخر صلبة العود شديدة المراس. ولكن إذا استمرّ الإعلام الاجتماعيّ يعمل بهذه الدّرجة وهذا النّشاط، سوف تسقط الأقنعة تباعًا، أولًا من على وسائل الإعلام الموجّه، وهي السّاتر الأوّل للأنظمة الشّموليّة، ومن ثمّ هذه الأنظمة نفسها، بعد أن يكتشف خداعها وزيفها الجمهور الذي يزيد وعيه ونضجه تدريجيًا، بعد حالة الخدر المزمنة التي عززها الإعلام الموجّه لعقود مديدة.

هذا الأمر يختلف البتّة مع مقال الرّأي، سواء المنشور في صحف الإعلام التّقليديّ، أو المنشور على إحدى مواقع الإعلام الاجتماعيّ، وهو الفنّ الذي يختلط فيه توجهات الكاتب بموضوع ما، حيث يباشر كاتب المقال في عرض وجهة نظره الخاصّة في قضيّة أو أمر ما، متضّمنةً ومدعومةً بأدلّة تاريخيّة أو جارية، وللقارئ أن يتّفق أو يختلف معه، ولكن يظلّ كاتب المقال بمنأى عن التّشكيك فيه أو في نزاهته، لأنه لا يوجد ما يسمّى بفكر صحيح أو فكر خاطئ، أو آخر بنّاء وآخر هدّام، فالأفراد مختلفون في الآراء والتّوجهات اختلاف بصمة الأصابع، وعلى القارئ الواعي أن يلتزم بالنّقد والرّد في حدود اللياقة، وفي حدود تقبّل الرّأي المخالف كسنّة من سنن الحياة، وألّا يتمّ شخصنة المقال، والهجوم على صاحبه، أو تخوينه، أو خلافه. وهي آفات تعاني منها الدّول الشّموليّة التي تعتقد دائمًا في المؤامرات، والخيانات، والوساخات، بل ودائمًا ما تهمّش أصوات الأقليّات، وتحكم بالتخلّف على المختلف، وبالجنون على المتعقّل، وبالاعتقال على الحرّ.

أعود لأذكّر بأن الإعلام الاجتماعيّ تسبّب بشكل أو بآخر في حالة التّعبئة قبل وأثناء وبعد المباراتين، خاصّة من مستخدمي الإنترنت أنفسهم، حيث نشبت حروب شديدة المراس على الفضاء الإلكترونيّ بين مشجعي الفريقين، مما جعلهم أكثر تحفزًا لبعضهم البعض من ذي قبل. وقد دار ذلك على أروحة المدوّنات، والمنتديات، ومواقع التّواصل الاجتماعيّ المختلفة، خاصّة يوتيوب وفيسبوك. أي أن الإعلام الاجتماعيّ قد يسهم بشكل أو بآخر في تعبئة القرّاء والمتابعين، وبذلك يكون قد سحب البساط من تحت أقدام الإعلام التّقليديّ في درب آخر، والأخير هو الذي ظلّ لأكثر من قرن من الزّمان يُعتبر المحرّك الأول الذي يقود الجماهير ويشكّل رأيهم، سواء كان دافع هذا التحرّك المزعوم حقيقةً أو وهمًا، تأصيلًا أو تضليلًا. ونحن إذ ندرس الآن الحالة نفسها، نجرّدها عن أيّة ملابسات أخرى. فنحن لا نعني الآن سوى بإثارة الإعلام للأفراد من خلال استفزازهم استفزازًا جماعيًا، بغضّ النظر إن كان هذا الاستفزاز صادقَ النّيّة، أم موجّهًا، أم مضلِّلًا.

ما حدث في حالة مباراتيّ الجزائر ومصر هو انتهاز الإعلام الموجّه لحسّاسيّة الحدث، عن طريق طرق أكثر المواطئ حساسيّةً في نفوس القطيع، وهي مشاعر الوطنيّة والقوميّة مشجعي الفريقين، وهي أقذر أنواع الاستفزازات، بعد استفزاز القطيع عن طريق الدّين والخرافة، وغالبًا ما ينتهزها المزايدون على قضيةٍ ما لمصالحهم الشّخصيّة، عن طريق إثارة هذه المشاعر في نفوس الأفراد كمن ينفث السُّم. وهذا ما فعله إعلام الدّولتين، بإيعاز من الأنظمة المستبدة، كي تمتطي هذان النّظامان الحدث لخلق أرضيّة جديدة لدى مشجعي الكرة الذين يمثّلون الأغلبيّة المطلقة سواء في مصر أو الجزائر، وكسب رضا المواطنين على حساب شعبيّة كرة القدم. وقد استفاد كلاهما من الحدث للمزايدة على روح الانتماء، وهيبة العلم، والإنجازات الوطنيّة. وهو ما تجلّى بارتفاع شعبيّة بوتفليقة بعد فوز الجزائر. وأبضًا لم يفوّت النّظام المصريّ الهزيمة، فقد استخدمها الاستخدام الأمثل هو الآخر، حيث قرر الاستغناء خارجيًا عن دولة بقطع كافة العلاقات معها، في سبيل كسب تعاطف شعبيّ كامل داخليًا، خاصةً مع اقتراب موعد الانتخابات الرّئاسيّة المزمعة، والتي من المتوقّع أن يترشّح لها أحد نجليّ الرّئيس مبارك. وهو نفس الشّعب الذي هيّجه الإعلام الحكوميّ الموجّه في ذي قبل، أي أن النظامين، الجزائريّ والمصريّ، قتلا قتيلًا وقدّما أحرّ التّعازي.

ما نُفِّث في الجزائر عبر الإعلام، خاصّة من الجريدة التي تُدعى بالشّروق، كان له نفس التّأثير السّلبيّ على الشّعب الجزائريّ. حيث خرجت الصّحيفة بتصريحات هي أبعد ما تكون عن النّقد الموضوعيّ البنّاء، بل وقد توصف بأنّها عناوين رخيصة لصحافة صفراء. وما فعله جهاز الإعلام في الدّولتين هو اللعب على وتر حواس الجماهير وليس التّخاطب مع عقليهما، وهو ما نصح به هتلر تمامًا، وأوضحناه في مقالتنا السّابقة.

وهذا يقود الحديث لمسلك آخر خاص تحديدًا بالإعلان والتّسويق، وخصوصًا بتأثير الإعلان في سلوك المستهلك، المستهلك الذي قد يقوده الإعلان لتقليد البطل أو البطلة في تسريحة الشّعر، أو شراء الجبن المفضّل الذي يتناوله نجمهم المفضّل، أو اقتناء العطر الذي يستخدمه، وقد يمتدّ تأثير الإعلان، والإعلام على السّواء، إلى الجانب الآخر من حيث الكُره، أو التمييز، أو العنف ضد مجموعة أو فئة من الناس، إن كانا يحويان على رسالة تمييزيّة ضد فئة معيّنة، سواء بغرض الهزل أو بغرض التّعبئة، كما حدث في المباراة.

إن خطط التّسويق العالميّة التي لا تهدف إلا للرّبح قد باءت معظمها بالفشل، وانتهت صلاحيّتها تمامًا، وحتى ما يتمّ إنجازه باسمها تحت بنود مثل الأعمال الخيريّة للمجتمع، أو نشر وثائق “الحفاظ على البيئة،” أو خلافه، فهي كلها ليست إلا طرقًا ملتوية من جانب الحملات التّسويقيّة الفنكوشيّة، نسبةً لفيلم عادل إمام الشّهير واحدة بواحدة، بغرض تجنّب صداع الجمعيّات المعنيّة بالمستهلك، والبيئة، إلخ. أمّا إن كانت الشّركة عالميّة تتميّز بالحرفيّة والاسم التجاريّ، فهي تعني أولًا، وبجانب كلّ ما مضى، إلى جودة المنتج المعروض، كسبب أوليّ للرّبح في ظل تزايد وعي المستهلكين، فلا تجدها تتجه لتبذير ملايين الدولارات على خطط التّسويق لمنتج سيء الجودة، مثل الشّركات ضيّقة النظر. وهذه الماركات سرعان ما يكتشفها المستهلك الواعي، ويثق فيها، وينصح المستهلكين الآخرين باقتنائها. وهكذا فإن المستهلك الواعي الفرد يشكّل “صداعًا” مضافًا على الشّركات المنتجة بجانب الجمعيّات المذكورة، مما يجبرها على الاعتناء بالجودة كشريطة أساسيّة للرّبح. أعتقد أنه في القرن القادم، لن تقوى المنتجات الصّينيّة رديئة الجودة على المنافسة، بل وستموت كل محاولات تقليد المنتجات الأصليّة، والغشّ، إلخ… بسبب وعي المستهلك المتزايد، بالإضافة لتعزيز سياسات الملكيّة الفكريّة، والإبداع، والابتكار.

إنّ لسلسلة إعلانات ضخمة لشركة مياه غازيّة أو بيرة، موجّهة لكل قارات العالم في نفس الوقت، كلٌ بلغته، أبلغ الأثر في إدراك العولمة الاقتصاديّة المنشودة. فهي تقرّب بين سلوك المستهلكين كلهم في آن واحد، وتؤثر عليهم في نفس الوقت بالتّاثير ذاته، من خلال طرق نفس المواضع في نفسيّة المستهلك، ويبقى تجاوب المستهلكين، والذي يختلف لا شكّ تبعًا لدرجة وعي مستهلك عن آخر، مما يسهّل على هذه الشّركة أو ذاك دراسة مدى تجاوب المستهلك في كل قارة عُرض فيها إعلان المنتج، وعقد مقارنات بيانيّة بينهم تمهيدًا للتأثير بشكل مختلف على كلّ قارّة، أو منطقة، أو دولة على حدّة في سلسلة الإعلانات القادمة.

أعتقد أن عصر استغفال المستهلك سيتلاشى تمامًا عمّا قريب، لأن المستهلك في بحثه الحثيث نحو الأفضل، سيركل كل عروض شركات الهواتف الجوّالة، على سبيل المثال، التي لا تراعي الالتزام بالأسعار المعلَنة عن خطط أسعارها، وسيتجه لا محالة نحو الأكثر مصداقيّة. ولكن يظلّ الخيط الرّفيع الفاصل بين خداع المعلِن للمستهلك بخصوص تفاصيل منتجه من جهة والخطّة التّسويقيّة النّاجحة الجاذبة للمستهلك من جهة أخرى. ويجب علينا أن نتسائل هنا ما هي المعايير التي تضمن الموضوعيّة والشّفافيّة الكاملتين مع الحفاظ على مقدار نجاح الخُطّة الإعلانيّة أو حتى الإعلاميّة؟!

يتخوّف البعض من أن انعدام الرّقابة الحكوميّة على المنتجات الاستهلاكيّة من أطعمة، وأدوية، وملابس، وخلافه قد يستحيل لخداع الشّركات المُعلِنة للمستهلك، ولكني أعود لأذكّرهم بدور المستهلك في فرز المنتج الجيّد عن النّظير الرّدئ. فالمستهلِك ليس طفلًا أخرقًا عديم المسؤليّة يلقي بأمواله هباءًا. ولذا أعتقد أنّ لا يتوجّب على الجهات المُعلِنة إلا تبيان المُستخدَمات تفصيلًا لكل منتَج تقوم بالإعلان عنه، ويتمّ معاقبة الغشّاش الذي لا يلتزم المصداقيّة ومُستخدَمات منتجاته. فأنا لا أعتقد وجود ثمّة جُنحة جنائيّة على شركة أنتجت سُمًّا، على سبيل المثال، ودوّنت على العبوة أنها تحوي على درجة سُمّيّة معيّنة. ثم قام بشرائها أحد المستهلكين، وتناولها، ومات في إثر ذلك. فالشّركة، والحالة هذه، لم تخدع المستهلك، وقد اشترى منتجها بكامل إرادته. أي أن كل ما على المنتِج، من وجهة نظرنا، أن يُنتِج، ويُبيّن المُستخدمات تفصيلًا بنسبها الحقيقيّة، وعلى المستهلِك أن يفرز المنتجات تبعًا لعدّة تفاصيل مثل الجودة، والسّعر، ونصائح المستهلكين الآخرين، وتزكيّات شركات اعتماد الجودة، وهي شركات عالميّة تمنح شهادات، مثل شهادة الأيزو على سبيل المثال، للمنتجات التي تطابق مواصفاتها الجودة والأمان والسّلامة. وقد تناولنا هذا من قبل في نقاشنا مع أحد القرّاء حول مقالة “ثقافة الاستهلاك الكبير” وهي منشورة هنا على موقع شباب الشّرق الأوسط. ولكن يظلّ الخيط الرّفيع قائمًا بين تبيان المُستخدَمات لكلّ منتج تفصيلًا من جهة، والغشّ والخداع من جهة أخرى.

وبذلك تكون أيّ مناقشات عن فرض رقابة سواء على الإعلام أو على الإعلان، أو على صانعي الخبر أو المنتجين هي جدّ غير مقبولة وهزليّة في آن. وفي الوقت ذاته سيطول القانون ملفّقي الأخبار والمخادعين من المنتجين الذين يغشّون مُستخدِمات المنتجات على عين السّواء، وفق إجراءات رادعة تقتصّ من المخادعين، ويطمئنّ الأفراد من خلالها إلى صون حقوقهم في حالة وقوع ضررًا عليهم من جانب منتجات أحد المعلِنين. وهي الإجراءات القانونيّة الصّارمة التي يجب أن تُتّخذ بدون تفريط، لأن الحريّة الكاملة تعني على وجه العملة الآخر المسؤليّة الكاملة. وهذا قد يعتمد بشكل أو بآخر على المنتِج نفسه، لأنه مهما انتهج سياسات تتّسم بالشّفافيّة حول منتجه، سوف يظلّ الإعلان وورقة المستخدَمات غير موضوعيّين بالدرجة الكافيّة، وكما قال هتلر في نفس الفصل، ” أليس من السّذاجة أن يُعلن معمل عن صابونه الجيّد ويذكر في الإعلان ذاته أنّ صابون المعامل الأخرى جيّد هو الآخر؟!”* وهذا لأن المعلِن يبحث عن الرّبح بطبيعة الحال، وهذا حقّه المشروع. أمّا السّوق فينتقي بميكنة البقاء للأجود، وهي ميكنة أقرب للطّبيعة في انتخابها الطّبيعيّ للأصلح. وقد يُعتمد انتهاج هذه السّياسات في دول قد أصابت شوطًا من التقدّم والترقّي بمكان يسمح لأفرادها بدرجة كافية من الوعي، تؤهلهم، والحالة هذه، لمسيرة الانتقاء على أسس أكثر عقلانيّة. مع العلم أن المستهلِك دائمًا على درجة وعي تؤهله للشّراء سواء كان ذلك في أحراش أفريقيا أو نعيم چنيڤ، فالمستهلِك هو قوة شرائيّة سواء كان فقيرًا أو غنيًا، وسواء كانت الخدمة قناة تلفازيّة أو السّلعة منتجات ألبان. أمّا مآل هذا الوعي فيختلف تبعًا لاحتياجات الفرد، فإن كانت غاية الفقير هي البقاء فقط، فغاية الغنيّ هي البقاء صحيحًا غير معتلًا، وهذا سيسمح لمجال جدّ متّسع من المنتجات بدايةً من الأرخص للأغلى، ومن الأقلّ للأكثر جودة، بل سيجعل الفرصة مؤاتية للتنافسيّة وفق سياسات تتّسم بالشّفافيّة، قد تؤهل الفقير لوعي أكثر عمقًا، يُكسبه التّنافس مع شريحة أعلى، بل والتّرقّي لشريحة أعلى في طبقات المجتمع مستقبلًا، وهذا الحراك هو ما يحدث بفضل السّوق الرّأسماليّ الحرّ حيث تنتقل الطّبقات لدرجة ترقّي أعلى، بحيث تأخذ كلّ طبقة مكان الطّبقة التي فوقها بتطوّر الزّمن. ولكن سيظلّ الخطّ الرّفيع بين موضوعيّة الإعلام والإعلان على السّواء من جهة، وتّضليل القرّاء والمشاهدين لمصلحة فريق عن آخر من جهة أخرى.

مثلما المنتجات الماديّة، فإن لمواقع الإنترنت، ومواقع الإعلام الاجتماعيّ على سبيل التّحديد، شروطًا للاستخدام، قد لا يقرأها كثيرٌ منّا، ولكن نظلّ نتعامل معها برغم إجحاف هذه الشّروط لبعض خصوصيّاتنا، بل تستخدم هذه المواقع في بعض الأحيان تجاهل المستخدمين لقرائتها، أو جهلهم بها، عاملًا لبيع بياناتهم الشّخصيّة لأطراف أخرى معنيّة بهذه المعلومات، سواء شركات دعاية وإعلان، أو حتى حكومات، وقد تُستخدم هذه البيانات الشّخصيّة لإنجاح خطط تّسويقيّة، أو لإزعاج المستخدمين بسخام لا تُحتمل سخافته، أو في بعض الأحيان للاعتقال من قبل سلطات الدّول الشّموليّة. ونعيد التّساؤل مرة أخرى، ما هي المعايير التي تضمن موضوعيّة وشفافيّة هذه المواقع مع ضمان استمراريّة نجاحها؟ وما هي طرق رفع وعي مستهلكي أرض الواقع ومستخدمي الفضاء الإلكترونيّ، على حدّ السّواء، حول إمكانيّة استخدامهم، أو استخدام معلوماتهم الشّخصيّة لعرضها لأطراف ثالثة “Third Parties”؟!

تساؤل جديد، ولكن هذه المرة حول خصوصيّة المشاهير والشّخصيّات العامة بالتحديد. حيث تستفزّني وبشدّة هذه العبارة المُتداولة، والتي تُفيد “أن المشاهير قد تنازلوا عن خصوصيّاتهم وحياتهم الشّخصيّة مقابل الشُّهرة” وكأن هؤلاء المشاهير، الغير مرئيين، قد قرروا ضمنيًا بيع أسرارهم للإعلام مقابل الفضيحة، وهو ما يبرّره الإعلام العالميّ لنفسه في كل مرّة ينتهج سياسات الباباراتزي للسّطو على الحياة الشّخصيّة للمشاهير، بدايةً من السّياسيين، للفنانين، لنجوم الرّياضة، والأدباء، وغيرهم. تساؤلي بخصوص هذا الشّأن، ما هي المعايير التي تفصل تمامًا بين تتبّع أخبار النجوم للنشر والبيع من جهة والسّطو على خصوصيّاتهم ونشر أسرار حياتهم الشّخصيّة من جهة أخرى؟! يبدو أن دعاوة ودعاوى الإعلام قضيّة معقّدة أكثر من اللازم!

هل الإعلام غاية في ذاته؟ غاية تتمثّل في نقل الخبر بمصداقيّة كاملة، مهما كان، للجمهور، أيّ كان لون أو عرق هذا الجمهور. أم أنّ الإعلام وسيلة؟ وعندما أتحدث عن الإعلام، أقصد الإعلام الحكوميّ. هل هو أداة حكوميّة للسّيطرة على الأفراد؟ أم هو وسيلة كبرى لتسييس القطيع؟ أي ترديد ما تريده الحكومة أن يردده الرّأي العام كالببغان؟ سواء كان هذا بهدف قوميّ أو أيّ أهداف أخرى مخفيّة، لتهدئة من روع شعب تجاه قضيّةً ما مثلًا، أو شغله عن قضيّة أخرى، أو إيهامه، أو تضليله، أو كيت أو كات.

هل الإعلام الموجّه وسيلة مكمّلة لدور الحكومات في الحفاظ على حريّة واستقلال واستقرار رعايا هذه الدّولة أو تلك، وفضح أيّ انتهاكات أو مخططات ضدهم؟ ويُراعي في سبيل ذلك، بطبيعة الحال، بعض التّدابير الأمنيّة القوميّة، بل ويُساهم في طمس بعض الحقائق؟ أم أن دوره يقف فقط عند حدّ كونه نبض الرّأي العام في مكان معيّن وفي زمن معيّن حيث يشكّله توجهات المجتمع وثقافته وعاداته؟ هل دوره هو إثارة النّعرات القوميّة والدّينيّة والطّائفيّة؟! أم الحدّ من التّمييز بشكل عام والعمل على رفع من ثقافة ووعي ونضج الرّأي العام تجاه قضايا مثل المواطنة وانتشال الرّأي العام من براثن منفّثي السُّمّ؟! هل الإعلام قالب ينقش المجتمع بتضاريسه؟ أم هو مادة لدنة تتشكّل وفقًا لتضاريس قالب المجتمع؟! أيّهما المتغيّر وأيّهما الثّابت؟ أم أن كليهما متغيّران؟ وما هي رسالة الإعلام؟! هل رسالة الإعلام، الخاصّ والحكوميّ على السّواء، تقف عند خدمة مصلحة المجموعة التي تعمل لصالحها؟ أم أنّ رسالة الإعلام هي رسالة ذات طابع عالميّ تتّسم بشرف وأخلاقيّات مهنيّة لا يجب أن يحدو عنها مسار الإعلاميّ؟ كلها تساؤلات يجب أن نُفسح لها بابًا للمناقشة والحوار المتعقّل.

* أدولف هتلر، كفاحي، ترجمة لويس الحاچ، الفصل الخامس: الدّعاوة في الحرب، ص. 100، بيروت: بيسان للنشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانية، 1995.

الجزء الأوّل من المقالة: الإعلام الموجّه بين الدّعاوة والدّعاوى (1 – 2).