هالتني مؤخرًا كميّة المناوشات الإعلاميّة التي حدثت قبل وبعد وأثناء مباراتيّ الجزائر ومصر في تصفيات كأس العالم 2010 لكرة القدم بجنوب أفريقيا، وهي مناوشات إعلاميّة اتّسمت بالحروب الكلاميّة شديدة اللهجة، والسّب والقذف، والتّجريح. وقد أدّت لما يشبه حروب الشّوارع بين مشجّعي الفريقين بعد المباراتين، بالإضافة لحالة التّعبئة في كلتا البلدين تحسّبًا للطرف الآخر. وقد وصل حدّ الخلافات إلى أنّ الحكومة المصريّة تدرس الآن قطع جميع العلاقات الدبلوماسيّة، والسّياسيّة، والرّياضيّة، والثّقافيّة مع الجزائر. وقد آثارني تناول الإعلام للحدث إلى الخوض في بعض النّقاط الهامّة.

كان من المفترض أن يجذبا هذان اللقاءان الكرويّان أنظار العالم كون المباراة الفاصلة لم تتكرر في تاريخ تصفيات كأس العالم في القارة السّوداء من قبل. وكان من الطّبيعيّ أن يستخدم مشجعيّ الفريقين الإعلام لمتابعة أخبار المنتخبين مثل أيّ مباراة في أيّ رياضة أخرى. ولكن ما حدث أن حديث الإعلام سواء في البلدين أو العالم أجمع عن المباراة نفسها لم يتعدّ 25 بالمائة من حجم ما صاحب هذين المباراتين من عنف، وصل لذروته في الخرطوم الأسبوع الماضي.

كنت أولًا أقف منحازًا مصر، كوني مصريّ الجنسيّة، ومتابعًا لكرة القدم، بالإضافة لما حدث في الخرطوم من إرسال الحكومة الجزائريّة لمساجين أو قوات مسلّحة، لا أحد يعلم على وجه التحديد، ولكن المؤكد أن الحكومة الجزائريّة أرسلت طائرات حربيّة تحمل فرق كلّ همّها كان إرهاب المشجعين المصريين والجمهور المصريّ في الخرطوم، وليس تشجيع منتخب بلادهم، وتحمل هذه القوّات “وجبات فرديّة للقتال”. وحتى أكون أمينًا، فقد حدث اعتداءات من جانب الجمهور المصريّ ضد الفريق والجماهير الجزائريّة المؤازرة في المباراة الأولى في القاهرة، ولكن هذه الاعتداءات لم تصل بأيّة حال لنصف أو ربع ما حدث في الخرطوم. الأمر الذي جعل الإعلام المصريّ يتسائل حول إمكانيّة وجود مؤامرة كبرى بين النظام الجزائريّ ونظيره الإيرانيّ، الذي يكنّ عداءًا صارخًا لمصر، لإحراج النّظام المصريّ في المنطقة. بل وامتدت اللوثة لتشمل جميع الصحف الجزائريّة التي وصفت مصر والمصريين بما لا يتقبّله أيّ عاقل، سواء كان مصريًا أو غير ذلك.

ما جعلني أعيد النظر في القضيّة برمّتها بعد انتهاء المباراة وفوز الجزائر، هو التهويل الإعلاميّ الذي صاحب المباراتين بدايةً بالإعلام الجزائريّ الذي ادّعى موت سبعة جزائريين، واعتداءات وحشيّة على امرأة جزائريّة في فترة الحمل في القاهرة، وما إلى ذلك من أمور نفاها السّفير الجزائريّ في القّاهرة، عبد القادر حجير. ولم تنتهِ هذه الحالة الهيستيريّة بادّعاء صحيفة مصريّة تُصدر على الإنترنت بمقتل مشجع مصريّ هنالك، سرعان ما تناقلتها كل المواقع والمنتديّات، ولكن من جديد نفى هذه الشّائعات وزير الإعلام المصريّ أنس الفقّي. الأمر الذي تطوّر بعد ذاك منذ المباراة الأخيرة لنقطة اللاعودة. حيث استُفزّت الجماهير الجزائريّة من جرّاء هذا الافتراء الصّحافيّ، وقد خرجت في أعقابه جموع الجماهير الغاضبة لتهديد المصريين المقيمين في الجزائر بالقتل، وتخريب فروع الشّركات المصريّة هنالك. وهو ما استوقفني بشدّة، وأجبرني على تقييم القضيّة كلها مجددًا، وتحليلها تحليلًا نزيهًا بعيدًا عن أيّ  عصبيات، تحليلًا أحسبه موضوعيًا في وسط ذروة ما يحدث، وما يُقال، وما يُذاع حتى يومنا هذا. وكما ذكر عمرو بقلي، وهو ناشط ليبراليّ مصريّ، في مقالته الأخيرة على موقع فيسبوك، تحت عنوان “أسئلة جادّة في أزمة الجزائر،” أن “التّقارير الطبيّة الصّادرة عن وزارة الصحة المصرية تفيد بأن عدد المصابين لم يتجاوز 22 مصابًا، بل وكلهم إصابات سطحيّة، وهذا يتنافى فعلًا مع منطق المذبحة التي صوّرها الإعلام المصريّ و كأنها هولوكوست نصبة الجزائريون للمصريين في الخرطوم.”

إن عامّة الشّعب في البلدين ما هم إلا ضحيّة افتراءات الإعلام، ولا شكّ. وإن كانت هنالك بعض التّجازوات والاعتداءات، فهي ليست كما صوّرها الإعلام على أيّ حال.

أول تساؤل يخطر على ذهني هو، ما هو دور الإعلام بصفة عامة في العالم؟ أو السّؤال الأكثر جذريّة، هل هنالك في عصر الانفتاح الاقتصاديّ ما يسمّى بدور للإعلام من الأساس؟ فأنا لا ألوم أيّ صاحب محطة إذاعيّة، أو قناة تلفازيّة، أو جريدة خاصّة، أو حتى موقع إنترنت، ينشر أفكاره وتوجهاته عبر منبره الخاصّ هذا أيّ كان، فهذه حريّة التعبير التي طالما ننشدها. وأعتقد، والحالة هذه، أنه لا يوجد دور أساسيّ يمكن الاتفاق عليه للإعلام الخاصّ، أي لا يمكن وضعه جميعًا في سلّة واحدة. بل أنّي أرفض بشكل قاطع سائر أشكال الرقابة أو الحجب التي تمارسه الحكومات ضد الإعلام. وكما نعلم فأنّه لا يوجد موقعًا واحدًا على الإنترنت تم حجبه بقرار عالميّ متزمت، لأن كل محتوى الشّبكة مهما كان يُعرض بحريّة تامة، والإنترنت غير قابل للتفاوض بشأن حريّة المحتوى تلك، وهذا ليس له علاقة بالتّاكيد بحجب بعض الدّول الشّموليّة للإنترنت، فأنا أتحدث عن الظّاهرة العالميّة التي تقضي بحريّة محتوى الإنترنت حريّة كاملة لا مساومة عليها. فهي شبكة تشبه نظام فوضويّ لا يوجد أيّ سلطة عليها. والآن، لماذا يتمّ حجب قنوات تلفازيّة أو الرّقابة عليها من قبل الأجهزة الحكوميّة أو منعها من بثّ موادها بحريّة تماثل حريّة الإنترنت؟

رجوعًا إلى الإعلام الخاصّ، والذي اتفقنا أنه ليس له أيّ دور أو رسالة واحدة متفق عليها، بل يختلف تبعًا لأهواء مالكيه. ولكن من يملك الكلمة الأخيرة هو المستهلك، فالمستهلك هو الذي يحكم للإعلام الجيّد بالبقاء، وعلى الإعلام الرّدئ بالفناء، كأيّ خدمة أو منتج أخرين. وهكذا، فإنّ للمستهلك الدّور الأكبر في عقد المقارنات بين المصادر الخاصة المختلفة لتصدير للخبر، واختبارها للاختيار فيما بينها. ولمعارضي هذه الفكرة حجّة كلاسيكيّة تقول بأن المستهلك غير واعٍ لما يتم بثّه له، أو حجبه عنه، بل ويجب من وجود “فلتر حكوميّ” من المقاس الكبير حتى يسمح بما هو جدير بالمرور، ويحجب ما هو ليس أهلٌ للعرض. وهذه حجّة نازيّة جديرة بمجتمع أبويّ تتسلّط فيه الحكومة على رقاب الأفراد، وتختار لهم ما يشاهدوه في سهرة عطلة نهاية الأسبوع، وما يُبثّ لهم في أخبار منتصف الليل، وما يُعرض من وثائقيّات، أو حوارات، أو إعلانات، إلخ…

لم يرتقِ العالم بعد لفكرة خصخصة جميع وسائل الإعلام خصخصة شاملة، وإن كان الإعلام الخاصّ قادرًا على قهر الإعلام الموجّه بالنزاهة التي يفتقدها الأخير، وقادر على توجيه الضّربة القاضيّة، كما الحال في كل المجالات، للإعلام الموجّه إلى الأبد. ولكن هذا لن يتمّ إلا بمساعدة من المشاهد الواعي. وإن كان قد بدأ الإعلام الخاصّ في السّيطرة نظرًا لأعداده التي تقدّر بأضعاف أضعاف الإعلام الحكوميّ العالميّ كله مجتمعًا. ولكن تظلّ مقصلة الرّقابة الحكوميّة قادرة على قصف الإعلام الخاصّ الحرّ، خاصةً في الدّول الشّموليّة. هذا بالإضافة إلى كون الإعلام الحرّ الأكثر جودة يقدّم مقابل دفع اشتراكات، قد لا يقدر معظم الجمهور العريض على اقتناء رفاهيّتها. بالإضافة لكون أغلب المشاهدين في المناطق التي يعوزها المصداقيّة مايزالون تحت درجة الوعي التي تؤهلهم للإعتماد بشكل كامل على الإعلام الحرّ ونبذ الإعلام الموجّه، وهو الحبل الذي تجيد الدّول الشّموليّة اللعب عليه، سواء بفرض رقابة صارمة على ما يبثّ في الإعلام الخاصّ الذي يبثّ من أراضيها، أو بتقليص امتيازاته، أو يتقليم أظافره، أو الحطّ من شأنها من خلال الإعلام الموجّه الذي يدّعي الوطنيّة والحفاظ على مصالح الشّعب.

إذن، هنالك نقطة فاصلة نقف عندها الآن، وهي الإعلام الحكوميّ “الموجَّه،” وأنا لا أجد فكاكًا من لصق كلمة الموجَّه، بفتح الجيم، لأن طالما تدخّلت الحكومة في إنتاج أيّ سلعة أو منتج، فهو موجه، بدايةً بالاقتصاد، وليس نهايةً بالتعليم، والإعلام، والصّحة… إلخ. التّساؤل الذي يطرح نفسه الآن، هل يوجد دورًا ما للإعلام الموجه؟ هذا السّؤال يفضح نفسه، لأن الغرض من الإعلام الحكوميّ هو توجيه الرّأي العام وقيادته بلا شكّ، سواء كان التّوجيه هذا لخدمة مصالح المواطنين في الدّول المؤسساتيّة والفرديّة، أو كان التّوجيه هذا لخدمة مصالح الطّبقة الحاكمة في الدول الأوتوقراطيّة والشّموليّة، فالأساس في كليهما واحد، وهو التوجيه – توجيه الرّأي العام وقيادته نحو هدف معيّن.

وهنا يبرز أمام ذاكرتي أول ما يبرز فصلًا هامًا لأدولف هتلر من كتابه الشّهير كفاحي، وأهميّة الفصل ترجع إلى أنّه يوضّح بعض من فلسفة هتلر بشكل صريح في التّعامل مع الرّأي العام، أو قهر الرّأي العام إذا أردنا أن نكون أكثر موضوعيّة، وعن كيفيّة توجيهه وإحكام السّيطرة على الإعلام الحكوميّ بقبضة من حديد، تجعل من اليسير السّيطرة بالتّبعيّة على شعبٍ كاملٍ، خاصّةً في الفترات العصيبة من تاريخ الشّعوب، مثل إبان الحرب العالميّة الأولى كما ذكر في الفصل، والفصل تحت عنوان “الدّعاوة في الحرب،” وسوف أقتبس منه فقرات متقطّعة لتوضيح التساؤل الأهمّ عن دور الإعلام الحكوميّ أو الموجّه. يقول هتلر؛

“مما استرعى انتباهي، وأنا أتابع الأحداث السّياسيّة، أهمية الدّعاوة كأداة لتنوير الأذهان أو لتضليل من يُراد تضليلهم…

“وقد أبرزت الحرب أهميّة الدّعاوة وتأثيرها، وكنت وأنا أتتبّع نشاط العدوّ في هذا الحقل، أكاد أتميّز غيظًا لإغفالنا نحن هذا السّلاح الفعّال…

“أجل لم تكن لنا دعاوة بالمعنى الصّحيح. أمّا ما سمّوه دعاوة فقد قام في الأصل على أساس غير سليم، وأعطى نتائج معكوسة لأنه جاء ممسوخًا شكلًا وموضوعًا، ولأن الذين عُهد إليهم بتنظيم الدّعاوة الألمانيّة في الحرب لم يحملوا أنفسهم عناء تحديد الغرض منها ومعرفة ما إذا كانت وسيلة أو غاية…

“الدّعاوة وسيلة، ما في ذلك من ريب. أمّا شكلها فيجب أن تُراعى فيه المصلحة أو الغاية المنشودة. وقد كانت الغاية التي من أجلها حملت ألمانيا السّلاح أنبل غاية يمكن أن يضعها إنسان نصب عينيه: الدفاع عن حريّة شعبنا واستقلاله…

“ولكن إلى من توجّه الدّعاوة؟ أإلى المتعلّمين أم إلى سواد الشّعب؟ يجب أن توجّه الدّعاوة إلى سواد الشّعب، أمّا المتعلّمون فيوجه إليهم التفسير العلميّ للدّعاوة… ففنّ الإعلان قائم على براعة الرّسام في إثارة فضول الجمهور بشكل الإعلان المرسوم وألوانه…

“إن الدّعاوة لا تقوم على تنوير الفرد على أساس علميّ، يل تقوم على لفت السّواد إلى وقائع وأحداث وأمارات وضرورات معيّنة لا يمكن إعطاؤه فكرة عن أهميّتها وخطورتها بغير هذه الوسيلة. لهذا ينبغي للقائمين بالدّعاوة أن يتوجهوا إلى قلوب الناس قبل عقولهم.

“يجب أن تكون الدّعاوة شعبيّة وأن يُجعل مستواها الفكريّ في متناول مدارك الفئة الأضيق أفقًا…

“إن الدّعاوة التي توجّه إلى حواس الجمهور قبل عقله وجنانه هي الدّعاوة التي تؤتي ثمارها، ولكن يُشترط لنجاحها ألّا تعتمد التضليل وقلب الحقائق تكتيكًا لها.

“لقد أجهدت الصّحافة النّمساويّة والألمانيّة نفسها في التهكّم على العدوّ وإظهاره للقرّاء بمظهر الجبان الرّعديد. ولكن آثار هذه الدّعاوة الهزيلة قد تبخّرت في ميادين القتال، لأن قرّاء الصّحف المضلِّلة قد اكتشفوا في الأعداء جنودًا شجعانًا، يمشون إلى لقاء الموت بجنان ثابت. وبديهيّ أن يترتّب على هذا الاكتشاف التواء القصد على الدّعاة، فبدلًا من أن تقوّي الدّعاوة في نفوس جنودنا روح المقاومة والعناد، أضعفت معنويّاتهم وأثارت في نفوسهم النّقمة على الذين خدعوهم.

“أمّا الدّعاوة الإنجليزيّة والأميركيّة فقد كانت منطقيّة، نيّرة، بارعة، ففي الوقت الذي كانت تُدخل في روع الشّعب أن الألمان برابرة كقبائل الهون، كانت تُعدّ الجنديّ للثّبات بعناد والتأهّب نفسانيًا وجسديًا للمفاجآت المزعجة بحيث يكون بمأمن من الأوهام. فلمّا وجد في الألمان مقاتلين شديدي المراس، وفي سلاحهم أداة فتك رهيبة، أيقن أن حكومته لم تخدعه واقتنع بأن الألمان برابرة، لا يقلّون همجيّة عن قبائل الهون.

“وهكذا وثق الجنديّ الإنجليزيّ بحكومته وقام في ذهنه منذ الأسابيع الأولى للحرب أن رؤساءه لا يمكن أن يخدعوه أو يكتموا عنه الحقائق مهما تكن جارحة وحرجة. ولم يكن هذا مع الأسف رأي الجنديّ الألمانيّ في حكومته، وقد انتهى الأمر بهذا الجنديّ إلى اعتبار كل ما تذكره بلاغات قادته تضليلًا ونفاقًا… أليس من السّذاجة أن يُعلن معمل عن صابونه الجيّد ويذكر في الإعلان ذاته أنّ صابون المعامل الأخرى جيّد هو الآخر؟!

“كانت دعاوتنا تقوم على هذا الأساس. وقد فات القائمين بها أن الغرض منها ليس توزيع الحقوق على الفرقاء بالعدل والقسطاس، بل الغرض منها التّشديد على حقوق الفريق الذي تعمل الدّعاوة لحسابه ولمصلحته. وفاتهم كذلك أن الدّعاوة ليس مطلوبًا منها أن تتحرّى عن الحقائق المجرّدة، إذا كان إظهار هذه الحقائق يخدم مصلحة الخصم، ثم مطالعة الجماهير بها بدافع من الحرص على قول الحق، إنما يُطلب من الدّعاة أن يبرزوا الحقائق التي يخدم الإعلان عنها مصلحة دولهم فقط.

“لقد وقعت دعاوتنا في خطأ جسيم عندما انبرت تؤكّد أنّه لا يجوز تحميل ألمانيا وحدها تبعة جرّ العالم إلى الحرب، وأن العدوّ يتحمّل قسطه من التّبعة. ذلك أن السّواد الأعظم من الشّعب لا يتألّف من الدّبلوماسيين وأساتذة الحقّ العام، ولا حتى من الذين يمكنهم إصدار حكم معقول، فالسّواد الأعظم يتألف من أناس متذبذبين أبرز عيوبهم الشّك والتردّد. ومتى اعترفت الدّعاوة للعدوّ بحقّ أو شبه حقّ تكون قد حملت السّواد على الارتياب في قضيّة بلاده وسلامة موقفها، فيساوره القلق ويصبح عاجزًا عن تبيّن النّقطة التي ينتهي عندها ذنب العدوّ والنّقطة التي يبدأ عندها ذنب بلاده، بل ويزيده شكًا وتردّدًا دعاوة العدو المنظّمة، والتي ترمي الخصم بكلّ فريّة وتحمّله جميع التّبعات، وينتهي به الأمر إلى تصديق الدّعاوة المعاديّة والاستخفاف بكلّ ما يقوله قادته في معرض اتهام المعسكر المعادي والدّفاع عن معسكرهم.

“ليس أدلّ على إحاطة العدوّ بنفسيّة الجماهير إحاطة تامّة من زعمه المتواصل أن ألمانيا هي المسؤولة عن نشوب الحرب. وهذه الكذبة ما كانت لتؤتي ثمارها لو لم يجعل منها الأعداء لازمة يردّدونها كلّ يوم. ذلك أن نجاح الدّعاوة رهن بقصرها على مواضيع معيّنة وبالمواظبة على طرق هذه المواضيع باستمرار. وقد ناط أعداؤنا مهمّة الدّعاوة برجال خبروا  نفسيّة الجماهير، أمّا نحن فقد عهدنا بالمهمة نفسها إلى فرسان المنابر وحملة الأقلام، ممّن يؤمنون بالتّنوع ويعتقدون أنّ البلاغة هي أقوى وسائل الإقناع، وبدلًا من أن يُقصر هؤلاء الدّعاة نشاطهم الكلاميّ على طرق موضوع أو مواضيع معيّنة، رأيناهم يطلعون كل يوم علينا بموضوعٍ جديد، وقد فاتهم أن الدّعاوة إنما يُقصد بها الإقناع، وأن المطلوب إقناعه هو الجمهور الذي لا يمكن فتح مغاليق ذاكرته لإدخال فكرة ما، ما لم يُخاطَب باللغة التي يفهمها، وما لم تُنقَش الفكرة في ذاكرته بالترداد المستمرّ.

“وقد رأينا الأعداء طيلة أربع سنوات ونصف سنة*، يواظبون على طرق موضوع أساسيّ واحد إلى جانب عدد محدود من المواضيع الأخرى، وبدت لنا دعاوتهم في البدء سلسلة أكاذيب فاضحة، ثم اعتبرناها تضخيمًا للحوادث والأشياء بقصد التضليل، وانتهى بنا الأمر أخيرًا إلى تصديقها. فاندلعت في ألمانيا ثورة أخذت شعارها من الدّعاوة المعادية**.

“لقد اعتبر الإنجليز الدّعاوة سلاحًا أساسيًا، فجنّدوا لها الرّجال الأكفاء، وبذلوا المال بسخاء ما بعده سخاء، فكان التّوفيق حليف دعاوتهم.

“أمّا نحن فقد اعتبرناها سلاحًا ثانويًا وعهدنا بها إلى نفر من السّاسة المتعيّشين وحملة الأقلام البعيدين عن عقليّة الجماهير، فكانت نتيجة جهودنا في هذا الحقل صفرًا.”**

بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا لما ذكره هتلر، يبدر تساؤل الآن هو الأكثر إلحاحًا، هل من المفترض أن يتحلّى الإعلام، كرسالة عالميّة، بالمصداقيّة، مهما كانت العواقب، وفقًا لكود مهنيّ عالميّ يتحرّى صدق الخبر ويخلع عنه لباس العصبيّة الفتّاك، طائفيّة كانت، أو دينيّة، أو حتى قوميّة؟! أم يقتصر دور الإعلام الحكوميّ على توجيه الرّأي العام للميناء التي يبغاه ربّان الحكومة؟ بغضّ النظر إذا كان هذا الميناء وهمًا أو لا؟ وحتى لو كانت هذه الميناء الموهومة في صالح الدّولة ورعاياها فعلًا في وقت معيّن كحربٍ مثلًا، وهو ما ذكره هتلر في فصل سابق على هذا الفصل؟ وبمعنى آخر هل الغرض من الإعلام الحكوميّ توزيع الحقوق على الفرقاء بالعدل والقسطاس؟ أم التّشديد على حقوق الدّولة التي يعمل الإعلام لحسابها ولمصلحتها فقط دونما بقيّة الدّول؟ هل دور الإعلام الحكوميّ يكمن في التحرّي عن الحقائق المجرّدة، حتى إذا كان إظهار هذه الحقائق يخدم مصلحة الخصم؟ أم أن دوره يقتصر على إبراز الحقائق التي يخدم الإعلان عنها مصلحة دولته فقط؟! وهل يُعتبر الإعلام الحكوميّ سلاحًا عدائيًا مسلّطًا ضد كل ما هو غير قوميّ؟ أم يجب أن يكون سلاحًا فكريًا يخدم قُرّاءه بغير تمييز سابحًا مع مراكب المصداقيّة ضد قراصنة الفساد سواء كانوا داخليًا أم خارجيًا؟! وهل دور الإعلام الحكوميّ يقف عند حد المصداقيّة في نقل الخبر؟! أم يمتدّ للتهليل للمجموعة أو الدّولة التي يعمل الإعلام لصالحها؟! والتهويل من فظائع المجموعة أو الدّولة المضادة؟! كلها تساؤلات يجب أن نُفسح لها بابًا للمناقشة والحوار المتعقّل.

* يقصد المؤلّف فترة الحرب العالميّة الأولى.

** يقصد المؤلّف ثورة نوڤمبر، والتي استمرّت من نوڤمبر 1918 حتى أغسطس 1919، وهو تاريخ تنازل ڤيلهام الثّاني عن الحكم، وسقوط الرّيخ الثّاني والقيصريّة الإمبراطوريّة، وإعلان الجمهوريّة الألمانيّة الفيدراليّة، أو جمهوريّة ڤايمار، وهو المكان الذي وُضع فيه دستور الجمهوريّة الجديد، بعد الانقلاب على الحكم الملكيّ من جانب القوّات البحريّة، والذي سرعان ما سانده تأييد شعبيّ بعد.

*** أدولف هتلر، كفاحي، ترجمة لويس الحاچ، الفصل الخامس: الدّعاوة في الحرب، ص. 97 – 102، بيروت: بيسان للنشر والتّوزيع، الطّبعة الثّانية، 1995.