لم يكن من السهل على شعب مصر اجتياز الصراع الداخلي الذي اختزلته البنية النفسية لكل فرد جراء القمع المسلط عليه خلال عقود طويلة من حكم مبارك ونظامه البوليسي، فخروج الشعب للشارع من أجل التظاهر كان في حد ذاته انتصارا لكرامته وتكسيرا لحاجز الرعب أمام ما عايشه المصري من جرائم كثيرة ارتكبت باسم القانون وعلى أيدي رجال الشرطة.

جزء من الضمير الإنساني الحي المتبقي كان كافيا لأقناع الشعب بضرورة الانتفاضة، وهاهم قد نجحوا أخيرا في تحقيق المطلب الأهم في لائحة مطالبهم الاجتماعية والسياسية، لكن الذي يحفه الغموض الآن هو  قدرة هذا الشعب مستقبلا على الثورة ضد دكتاتورية السماء إذا ما أنتج المشروع الديمقراطي للمصرين  ”دولة دينية” و الذي هو في الأخير لن يعبر إلا عن اختياراتهم الخاصة.
فتجربة القهر السياسي رغم انه “وضعي”  يفتقد لأية قداسة دينية إلا أن صيرورة رفضه والثورة ضده كانت مكلفة جدا شملت اعتقالات مواطنين أبرياء وتقديم دماء شهداء وسنوات عجاف من الجوع والقحط والتضييق على الحقوق و الحريات…. كلها كانت قرابينا من أجل الحرية.
لكن ما أدراك إذا ما كانت ”المكينة” المنتجة للقهر والاضطهاد تقيم بالسماء وتتخذ من شرع الله قانونا لها يمكنها من كسب قداسة مرضية كبيرة في نفوس المواطنين الذين شربوا من كأس الخرافة وخضعوا لعملية تخذير كاملة، وتربوا على أن العالم الإسلامي لن يعرف ثورة ديمقراطية تعطي للفرد والجماعة حقوقا كونية إلا في ظل حكم إسلامي لان الحقوق كما يقال موجودة في القرآن والسنة وأن الإسلام هو الحل…. فهل سيكون حينها من السهل على الشعب الثورة ضدها؟ ألن تعتبر ثورة ضد الله وشرعه؟
السؤال اذا، كيف سيتعامل الشعب مع دكتاتورية سماوية لا تعترف بحقوق الأقليات ولا ترى في الدمقراطية الا وسيلة للوصول نحو الحكم ومن ثم الالتفاف على العملية الديمقراطية واعدامها! وللعلم فالمسلمون او المتأسلمون يخال لك أنهم ديمقراطيون لكن الحقيقة غير ذلك لأن المرجعية اقصائية ” وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ آل عمران:85
قليلون يعلموان بأن الشعب المصري يميل أكثر من نصفة للدولة الأسلامية، وأن الأنتخابات الأخيرة زورت بسبب فوز الأخوان بالأغلبية في المحافظات حسب مصادر مقربة من الحزب الوطني، أي تقريبا أكثر من نصف شعب مصر رشح الأخوان.
أعتقد أنه يجب الخوض في نقاش جاد للحيلولة دون حدوث هذا السناريو مجددا، فالعالم اليوم في غنى عن تقديم المزيد من الرقاب والاجساد البريئة للجلد والرجم بدعوى تطبيق الشريعة، كما أن منطق الخبير الذي بات يتبناه الكثير من العلمانين بالوطن العربي والغرب على حد سواء والمتمثل في ” يجب انتظار قيام دولة إسلامية تتبنى الشريعة ومن ثم التعويل على أن الشعب سيثور عليها” هو أمر غير مقبول لأنه لم يكن يوما من خيارات الضمير الإنساني الحر اعتبار شعوب معينة كفئران تجارب… في الوقت الذي تستطيع فيه الهيئات الدولية وقوى الضغط وصناع القرار التدخل للحيلولة دون ذلك!
أن الحرية والديمقراطية تقتضي أولا إلغاء ومنع كل الأحزاب الدينية المتطرفة التي لا تؤمن إلا بالدين كحل مثلما قامت ألمانيا بحضر الأحزاب النازية، وبعدها هلما مرحبا بفتح صناديق الاقتراع أمام خيارات الشعب، لأن الدين هو ممارسة تخص الشعب قاطبة والتدين مسألة حرية فردية و من واجب جميع الأطياف ضمانها وليس اللعب عليها للوصول لسدة الحكم.
http://bahmut.blogspot.com/