أعرف أن عنوان المقال يبدو مستفزًا لكن لي العذر فأنا لست مباركًا.. إسمًا وفعلاً ولم تطالني مباركة أحد، ولكنني أحاول معكم من خلال هذه السطور تصور ماذا كان سيحدث لو، لو كانت هذه الانتفاضة التي يصفها الإخوان والسلفيون بالمباركة، وأصفها أنا بالشعبية، وأعتقد أن الذين شاركوا فيها لن يقبلوا أي اشتقاق من المصدر بارك، وغم أني غير مبارك بالمرة، إلا أنني تخيلت نفسي مكانه، والأهم سألت نفسي سؤالاً حادًا وهو ماذا لو كان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مكان مبارك في انتفاضة غضب 25 يناير، ولو كان مكانه بطل الحرب والسلام محمد أنور السادات، ومن هنا كانت فكرة هذا المقال الذي تقرءونه الآن..

أظن وبعض الظن إثم وبعضه الآخر واجب، أن الزعيم الذي تنحى عقب هزيمة الخامس من يونيه، وخرجت الجماهير الغفيرة تسأله البقاء، على عكس مبارك الذي خرجنا جميعًا متفقين على “نسألك الرحيل” كان لو جابه جيل الفيس بوك، سيأخذ الأمر على أعصابه التي هدتها الهزيمة، وأحرقتها تقلبات الدهر، وكان سيتنحى كما فعل، ولكن لم يكن هناك ثم من يسأله البقاء، وكان سيفوض أمره إلى الله، وليس إلى الجيش المهزوم ساعتها، وكانت مصر ستدخل في فوضى لا يعلم مداها إلا الله، وربما كنا ساعتها نراجع أنفسنا وتقوم اللجان الشعبية بممارسة فن البقاء وحماية النظام من غيلانه، ثم يترتب عليها عدم وجود السادات بعده ولا مبارك.. شايفين بُعد النظر.. مش كنا جبناها م الأول!؟

ثم أن هذا التصور الفنتازي يجرنا لآخر مجبرين على تصوره، وهو تمكن تل أبيب من احتلال مصر، ولم يكن ثم بناء على ذلك شرعية كوبري 6 أكتوبر، وميدان التحرير كان هايبقى أوسع لملاقاة العدو الإسرائيلي الغاشم، والذي كان من المؤكد أنه سيعلن تخليه عن السلطة للشعب الذي دوخه في حواري القاهرة المحروسة، ويسألني أحدهم عن دور الولايات المتحدة وقتها هل كانت ستساند الشعب المصري في مطالبه بجلاء إسرائيل عن مصر؟ أشك لدرجة اليقين أنها لم تكن لتفعل!!

أما وقد وفق الله الزعيم القائد في قبول التنحي عن التنحي، ومات موتة ربنا، وفي رواية هيكل بالسم البطيئ، وجاء من بعده السادات صاحب نصر أكتوبر الذي حمانا من الغزو الإسرائيلي لمصر، والذي لم يستطع جيشه حمايته من الاغتيال في الاحتفال بنصر أكتوبر الذي صار بديلا عن شرعية يوليو، ومُدشنًا لشرعية حكم مبارك جنبًا إلى جنب مع شرعية كوبري أكتوبر، ومترو الأنفاق والطرق الدائرية، وغيرها من انجازات عصر مبارك التي لا ينكرها إلا جاحد!

ما علينا قل تصورً مثلاً أن السادات هاجت ضده مظاهرات الغضب، في حضور فيس بوك وتويتر، والعوامل الاليكترونية والإعلامية المصاحبة لـ25 يناير، ماذا لو, مجرد افتراض، وقد حدث ما يقاربه في 17 و18 يناير 1977 وباءت بالفشل، وأتخيل أن السادات كان سينزل إلى ميدان التحرير في 25 يناير، ويتحدث إلى الشباب: عايزين إيه يا ولادي.. نحل مجلس الشعب، حليناه عايزين إيه نغير الحكومة؟ غيرناها، وأنا معاكوا لحد إسقاط النظام!

ربما كان تصورًا كلاسيكيًا، إلا انه ربما، المهم أن تصرفه كرئيس أراري، من قلب الشعب، ويفهم دماغه تمام الفهم، كان يقدر بحكمته وسياسته الشعبية الروشة طحن، أنه يلم الشباب حواليه، ويعدي الموجة لحد لما ربنا يكتبه الموت على يد الجهاد الإسلامي، المهم أنه لم يكن ليفعل ما فعله الرئيس السابق مبارك، ولم يكن ليؤخر رد فعله إلى أيام من انتفاضة الشباب، رغم إني معترض على حكاية تأخير الرد على مطالب الشعب، الله ما تخلونا منصفين مرة واحدة في حياتنا، ما هو الشعب كمان أتأخر يجي تلاتين سنه، وما حدش كلمه..!!

ونعود إلى مبارك، لو كنت ـ عدم اللامؤاخذة ـ مباركًا، ماذا كنت سأفعل، أمام غضبة الشعب، كنت سأستغل التقارير عن ثورة 25 يناير، لو كانت صادقة، التقارير وليست الثورة، آه الثوريين وهما ثائرين ممكن يفهموني غلط، والحكاية مش ناقصة، يقولوا أعداء الثورة وكدا.. نحن مع التغيير، وكنا من أوائل المحرضون عليه، ولكن تغيير عن تغيير يفرق!

المهم، كنت سأنزل إلى الميدان بكامل حراستي، وامسك ميكروفون الصبح بدري قبل تجمع الشباب، وأعلن حل البرلمان الذي اكتشفت تزويره، وعدم ترشحي في الانتخابات الرئاسية القادمة وحل الحزب الوطني كله، وتعيين نائب لي من المعارضة الرسمية، وأبدأ في محاسبة فورية لكل الفاسدين اللي كانوا حواليا ساعتها، كانت ستصبح فرصة ذهبية للتصالح مع الناس والقرب منهم، وربما وقتها كانوا حملوني على الأعناق إلى حيث مقر رئاسة الجمهورية, أقول ربما لأنني كنت سأنجح في اختبار الثقة، الذي وضعني الشعب فيه متأخرًا، وكنت سأكتب مذكراتي في فترة ما بعد الانتخابات الرئاسية، وأغسل يدي من دماء وأموال الشعب الذي تواطئ معي على الفساد ثلاثون عامًا، ثم قرر فجأة أن يرجمني بصفتي أس البلاء، وكأن الشعب ـ كل الشعب ـ ملائكة أبرار وأنا عدم اللامؤخذة وحاشيتي شيطانًا كفار!!

لم يفعلها مبارك، خدعه فارق التوقيت بين مطالب شعبه، ورده عليها، فجاءت النتيجة كما راينا، وضع للرجال الصح (شفيق، وسليمان) في التوقيت الغلط، وإعادتنا سنوات طويلة إلى الخلف بتولي القوات المسلحة الجديرة بمصر وفخر رجالها على منصة إدارة شئون البلاد، لا أتشكك في إمكانية القوات المسلحة بقيادة المشير طنطاوي، وقدراتها على العبور بنا إلى شط الأمان السياسي لبناء دولة المؤسسات والحكم المدني، ولكن لو تفتح عمل الشيطان، والشيطان شاطر، زين لنا أعمالنا طيلة 30 عامًا، ثم لعب برأس مبارك، الطيار الذي طار بنا إلى آفاق الحرية، ومع عدم التقليل من دور انتفاضة الشباب أقول لو صبر المعارض على النظام كان سقط لوحده، بالسوس الذي نخر فيه، وقوض شرعيته، واهتبل غفلته، حتى أصبحنا الآن نتحدث عن الرئيس السابق، محمد حسني مبارك!

والحمد لله على نعمة أنني لست مباركًا

صباحكم حرية.. وللحديث بقية

[email protected]