تعوَّد قارئ مقالاتي مني على الصراحة، والصراحة صادمة وموجعة، ولكنها في كل الأحيان مُنجية من المهالك، وأعرف أن صوت العقل قد يضيع وسط صخب الشحن العاطفي، وأن الواقع ربما يخفي نار تحت الرماد، وأن مرضاة الوطن فوق مرضاة خيالات الأشخاص، وأتذكر مقولة الفيلسوف العظيم أرسطو: “أفلاطون.. أحب إليَّ من نفسي.. إلا أن الحقيقة أحب إليَّ من أفلاطون”.. فأنا أكتب ما أكتب مؤمنًا بضرورة ما أكتب، ومؤمنًا بأهمية ما أطرح بغض النظر عما يطلبه الجماهير، ومن خلال السطور القليلة المقبلة اسمحوا لي أن أطرح عليكم وعلى نفسي حوارًا من القلب، علَّه يصل إلى القلب، ومن ثم إلى العقل.
من حقي أنا أخاف على مستقبل مصر من العسكرة أو الأسلمة، ومن حقي أنا أدافع عن مكتسبات ثورة 25 يناير، ولذلك أقول إننا أمام خيارات مُرة، بعد سقوط رأس النظام، ومن أكثر ما يثير مخاوفي وأنا العلماني المقاتل كجندي في كتيبة المدنيين الكتبة الذين لم يسترزقوا يومًا على حساب الوطن، وكل ما كتبت شاهد على ما أدعيه، ودافعي الأول والأخير هو سعي دؤوب من أجل رفعة هذا البلد، ومن أجل الحرص على شعبه، الذي لا أمثل منه إلا نفسي، والمتفق معي فقط!
حالة “الغشم السياسي” التي يعيشها البعض هذه الأيام، حالة طبيعية جدًّا لبلد يحاول الاستيقاظ من ثبات عميق، ومن أعراض ضبابية الرؤية لثورة بلا برنامج واضح، وثوار كانوا يعرفون جيدًا ماذا يرفضون، ولكنهم لم يتفقوا بعد على ماذا يريدون، نعاني التباسًا واضحًا في الرؤى، بين دولة مدنية محمية بدستور بلا تمييز طائفي، ولا توجد به مواد فوق دستورية، وبين دعاوى لدولة إسلامية، ضد الزمان والتاريخ والمستقبل، وشعب لا يتجاوز المتابعين للإنترنت نسبة الـ5% فقط، وبعيد عن مطالبنا وجدالاتنا، نتحدث جميعًا باسمه، بعد تواطؤ على الصمت، تجاوز الستين عامًا، لا بد من أعراض مرضية تطال ثورة وليدة، لم تزل تتخبط في مشيها، وبيننا وبين الديمقراطية المدنية، وتعلمها والتدريب على استخدامها سنوات وليس شهورًا، في أكثر التقديرات تفاؤلاً، فماذا يجب على أمثالي الذين لا يملكون إلا التغيير بالكتابة كتابته؟!
هل نطبطب على الثورة الوليدة ونتملقها ونرضي غرورها الطفولي الساذج؟ أم نواجه أنفسنا وإياهم بما نحرثه على أرض الواقع الذي لم يعد مبهجًا كله، إن أعوامًا طويلة من القهر لا تتبدل ملامحها بين عشية وضحاها، وتدليل طفل الثورة الوليد، تضليل لنشأته، وهدم لتطوره وعنفوانه، يجب عليَّ وأكرر أنني أتحدث عن نفسي، وليس عن كل شعب مصر، أن أكون رقيبًا، قاضيًا لا محاميًا، أقول للثورة برافو إن رأيتها تحبو نحو الاتجاه الذي أراه صحيحًا، وأقول لها لأ.. ستوب، إذا رأيتها تسحب الجمرة بدلاً من الثمرة، لا أبتغي في الحالتين إلا مصلحة مصر، وشعبها بمسلميه وأقباطه وبهائييه وملحديه، لأنني في النهاية حارس على بوابة المواطنة المصرية!
كتبت وسأظل أكتب عن احترام القانون والدستور، كتبت وسأظل أكتب عن خطايا النظام السابق، وفي وجهه، ولم أداهن ولم أهادن في وجه نظام مبارك، والآن وأنا أحذركم ونفسي من أن النظام لم يزل فاعلاً، وسلوكيات الناس أيضًا لم تزل في الغالب الأعم على نظامها القديم، فالشعوب على دين حكامهم، وأحرض على الثورة الشاملة ضد كل مخلفاتنا الثقافية والاجتماعية، والتخلص من رغباتنا الشخصية، لقاء صالح مصر، أن تجمعنا كلمة سواء، هي مصر ولا مزيد.
أنا ضد الإخوان ولا أهوِّل من حجمهم في الشارع السياسي، وكذلك يجب ألا أهون من هذا الحجم، وضد عسكرة مصر مرة أخرى لاستعادة أجواء يوليو 1952، وضد الإفراج عن القتلة والمعتقلين الذين ثبت بالفعل تورطهم في حمل سلاح ضد مواطنيهم، وضد النظرة الوردية لغد أفضل دون عمل مصاحب لإحضار هذا الغد، وضد التفاف الانتهازيين على مطالب شباب 25 يناير، وضد “الغشم السياسي”، وضد أية أحزاب ذات مرجعية دينية، وأطالب بمطالب محددة، دعم الثورة لا يتم إلا بها ومنها الشفافية الإعلامية، واحترام الدستور والقانون، وتدعيم الوحدة الوطنية الحقيقية، فعلاً لا قولاً، وعدم ترويج الشائعات، ومراجعة أفكارنا كل حين، لأن الأحداث أكبر من استيعابها، ولا ننسى دم الشهداء، ولا يزايدنَّ به أحد علينا، فنحن أيضًا ندفع الثمن!
أمامنا عدة عقبات يجب الانتباه إليها، والحرص على تجاوزها بالمواجهة، لا التجاوز والتضليل، منها النظام السابق الذي لم تسقط أركانه الفاعلة بعد، ومنها محاولات بعضهم لبث الفتنة والرعب من نتائج الثورة السلمية البيضاء، بين قلوب وعقول المواطنين، منها نزعة الانتقام الثورية التي تعمل بشكل لا واعٍ، للثورة المصرية لون أبيض، يجب ألا تلوثه الضغائن والأحقاد الشخصية، ويجب أن تتسامح مع من كانوا ضدها وآمنوا فيما بعد بها، ولا محاسبة إلا على فساد نمتلك وثائق إثباته، ومن باب حرية الرأي والديمقراطية التي تعرفون موقفي منها، عدم إقصاء شركاء الوطن، وأن تتسع صدورنا للرأي المخالف، وأن نبرره دومًا بحسن النوايا إلى أن يثبت العكس.
فيا شباب مصر الصاعد، لا تسمحوا لمصر أن ترجع إلى الخلف، ادفعوها دفعًا للتقدم، حددوا أولوياتكم، واقبلوا مخالفيكم، وضموا الصفوف نحو مستقبل أفضل لهذا البلد، مستقبل نرجوه لمصر المدنية لا العسكرية ولا الدينية، وأكملوا بسواعدكم مجد الأهرامات، وتذكروا دومًا أن مصر لن تتقدم إلا بالمشاركة الوطنية البناءة، وبالوقوف الحاد والجدي ضد كل من يحاول إرجاعنا إلى الخلف.. لا تنظروا وراءكم، فالغد لكم، ومصر لنا!
[email protected]