صباح اللامي

كاتب ومحلل سياسي عراقي منقول عن عامود أراء في صحيفة المشرق العراقية عددهل ليوم 24-11-2009 جميع الحقوق النشر محفوظة لجريدة المشرق العراقية (جريدة عراقية مستقلة تنشر في العراق)

أصبح واضحاً على نطاق واسع -في الأقل بين الأوساط السُنّية- أن مصطلح “البعثيين” يعنيهم بشكل من الأشكال. وهي مسألة تدركها الحكومة والأحزاب الشيعية جيداً، لكنها في اعتقاد محللين سياسيين كثيرين لا تحاول أن تقف عندها، أو تحذر من حساسيتها.وهذا ما دفع وكالة الأسوشييتد برس إلى القول ((إن الزعماء العراقيين يدينون البعثيين بحملة منظمة تبدو للسُنّة بأنها موجهة ضدهم)). ولهذا يعدّها المراقبون “مغامرة سياسية” يمكن أن تشعل حرباً طائفية أهلية ثانية في البلد.وبيّنت الوكالة أنّ رئيس الوزراء نوري المالكي هو الذي يقود هذه الحملة ضد الموالين لصدام حسين.

لكنّ هناك مراقبين يجدون في مجمل الحملة ضد البعثيين، أسباباً وليس سبباً واحداً لإذكاء التوتر بين السُنّة والشيعة، قبيل الانتخابات الوطنية، لاسيما أنها ستُجرى في إطار “تحالفات جديدة” في صيغها، ووسط تأثيرات عاملين مهمّين، الأول: أن البعثيين أنفسهم يهدّدون بالتدخل السياسي “الشعبي” في الانتخابات لقلب المعادلة السائدة منذ سنة 2005، أي معادلة سيطرة الأحزاب الشيعية والكردية على السلطة. والثاني أن هناك تهديدات جدّية -حذر منها مسؤولون عراقيون وأميركان- تؤكد أن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ومجموعات مسلحة مرتبطة بها قد غيّرت تكتيكها من الهجمات “الانتشارية” ضعيفة التأثير الى الهجمات المكثفة الكبيرة والمؤثرة نوعياً من حيث الخسائر في الأرواح. ومن جهة أخرى تغيير تكتيك “إثارة النعرة الطائفية” وتكثيف الهجمات ضد الحكومة وقواتها الأمنية وأحزابها السياسية ورموزها.

فإذا أضفنا عوامل أخرى مثل “الأزمة الدستورية” التي لم تحلّ حتى الآن لإقرار قانون الانتخابات -بتقدير هدوء الحالة على جبهة كركوك بعد اتفاق ترك قضيتها لنقاشات الشهور المقبلة- ثم تهديدات القيادة الكردية بالانسحاب من عملية التصويت أو “مقاطعتها، وأيضا بحساب أن القوات الأميركية جاهزة لبدء عملية الانسحاب من البلد في شهر آب المقبل، إن لم يكن قبل هذا التاريخ، فإنّ مناخ “التوتر الشيعي-السُنّي” يزداد حسّاسية،ويأخذ مرتبة الصدارة من جديد، بعد أنْ كانت التهديدات “إثنية” على مدى الأشهر الماضية في إطار النزاع العربي-الكردي على ما يُسمّى بالأراضي المتنازع عليها.

محللو الأسوشييتد برس يرون أيضاً أن ((المصالحة الوطنية بين السُنّة والشيعة، كانت هدفاً مناوراً، لم تُرد به الحكومة إلا تجنّب تهديدات الوضع الأمني ولهذا فإنها لم تكن جدّية في تنفيذ خطوات المصالحة)). وقالوا ((إن هذا الهدف سيواجه في المرحلة المقبلة حالة توتر إضافية)). بسبب ثبات جدولة الانسحاب الأميركي من العراق مع نهاية سنة 2011. وتشير الأسوشييتد برس بكثير من الاهتمام الى قضية أن المالكي وسياسيين شيعة، حذروا في الأسابيع الأخيرة مماأسموه مؤامرة ينفذها أعضاء حزب البعث للعودة الى السلطة.وهي برأي خبراء سياسيين “قضية حساسة” جداً ولها ثلاثة حدود: الأول أنّ حكومة المالكي تمتلك معلومات عن دعم “إقليمي” و”صمت أميركي” و”تمنّ سُنّي” باستمرار ضغوط حزب البعث ضد الحكومة الشيعية،سواء في الانتخابات أو غيرها، أو بهيئة”انقلاب سياسي أو عسكري” طبقاً للتهديدات الحكومية. والحد الثاني: أنّ الحكومة تستخدم يافطة البعثيين لترهيب الشيعة من التعاطف مع “التحالفات الشيعية-السُنية” العلمانية وغير الدينية التي ستحظى حتماً بدعم السُنّة من جهة وبدعم”بعثي سرّي” من جهة أخرى، وإنْ هناك حديث عام عن مثل هذا الدعم كوسيلة لا للاعتراف بهذه التحالفات،إنما لأنها الآن “السلاح الذي يمكن استخدامه ضد حكومة يهيمن عليها الشيعة” بحسب تعبير أحد المحللين السياسيين. أما الحد الثالث، فهو يعرض ما يشبه “الأسطورة السياسية” التي قد يُراد منها “الاتهام والتشهير”، ومفادها أنّ المالكي يخطط من الآن لما يسمّيه هؤلاء المحللون “مؤامرة مضادة”، إذ أنه قد يرى في لحظة معينة أن تدنّي شعبيته في التصويت، يمكن أن تكون مناسبة لإعلان أن هناك “المؤامرة البعثية”،هي السبب، فيصل بذلك الى “قرار ما” قد يشاركه فيه آخرون، وبذلك تتحقق نبوءة “أسطورة” يرسمها خيال المحللين لا أكثر. أيّاً كانت التفسيرات، هناك بالتأكيد “تململ سُنّي” من إجراءات كثيرة،ولابد للحكومة أنْ تتجنب”إثارة المزيد من حساسيتها” لأنها قد تندم بعد ذلك، ولات ساعة مندم.