على قدر التنوع السياسي الذي تحظى به منطقة الشرق منذ القرن العشرين و على الرغم من الكفاح الشعبي في ثورات شعوب الشرق إلا أن هناك فكرة سيطرت على كثير من الكتابا أن الشرق لم يشهد فكرة الجمهورية الا بتأثيرات ما بعد الحرب العالمية الثانية بحيث أن ما يسبق هذا لا نلمس فيه أو نرى إتجاهات لبلاد عربية أو إسلامية لفكرة الجمهورية و الواقع أن التيار الإسلامي هو من سعى لترسيخ هذه الفكرة حتى يصل لمضمون غير حقييقي و هو أن شعوب الدولة العثمانية القديمة كانوا على تنوعهم الديني و الثقافي و العرقي متناغمين تماماً مع الحكم التركي و كانوا بعيدين عن حمى الجمهوريات التي تسيطر على الغرب وقتها ، في التالي أقدم نماذج مجهولة لحالات عديدة ظهرت فيها فكرة الجمهورية في لحظات فارقة في مصير تلك الأمم و نرى فيها الميل للإستقلال الوطني في إطار النظام الجمهوري بعيداً عن الحكم الأجنبي سواء عثمانياً أو غير ذلك.

-1-أحمد عرابي و الجمهورية:

—————————–

في 18 فبراير بالعام 1879 قامت مجموعة كبيرة من ضباط الجيش الثوريين بقيادة البكباشي (لطيف سليم) بمظاهرة أمام وزارة المالية المصرية و تعرضوا لنوبار باشا ووزير المالية ويلسون بالضرب ثم الاحتجاز اعتراضاً على الأوضاع المتردية للجيش المصري و اضطرت الحكومة للرضوخ لمطالب الضباط مما أدى الى نشوء فكرة القوة العسكرية التي تفرض الحقوق الوطنية على الحكومة و أدت في التاسع من سبتمبر بالعام 1881 الى مظاهرة عابدين التي كانت شرارة الثورة العرابية التي قسمت مصر الى فئتين الأولى هي الخديوي توفيق و مجموعة أوروبا الاقتصادية التي تدير صندوق الدين المصري العام الذي يتحكم في مالية البلاد و الثانية هي الوطنيين المصريين من مفكرين و ضباط و قضاة و مواطنين ، هنا كان الطرف العثماني المتمثل في السلطان (عبد الحميد الثاني) الذي لم يتقبل فكرة الحياة الدستورية السليمة في مصر خوفاً من انتقالها الى تركيا و التي تكفل هو بطحن عظامها عبر نفي المنادين بالدستور و تعليق العمل به (صدر عام 1876 و تم تعليقة في 1877 بأمر عبد الحميد بحجة قيام الحرب مع روسيا و لم يعد الا بعد انقلاب الاتحاد و الترقي عام 1908) و بالتالي و في محاولة مزدوجة لإستعادة السلطة في مصر و كذلك تعطيل فكرة الدستورية أرسل وفد برئاسة (درويش باشا) لداسة الاووضاع في مصر في السابع من يونيو بالعام 1882 و استقبلها عرابي بنفسه بالاسكندرية إلا أن تصرفات الوفد كانت بالكامل ضد الحركة الوطنية و ضد الحياة الدستورية مما دعا أحمد عرابي للذهاب للأزهر و الدعوة لطرد الوفد العثماني (لاحقاً و أثناء القتال ضد قوات انجلترا أفتى السلطان عبد الحميد الثاني في منشور ممهور من كبار مشايخ الاسلام في تركيا بخروج عرابي عن الملة و دعا الجنود لعدم القتال ضد الاحتلال و القاء السلاح!!!) و تلى هذا من الأحداث ما هو معروف حتى بدايات الهجوم الانجليزي على الاسكندرية فتم جمع النواب و شيوخ الازهر في منزل سلطان باشا و تم طرح الآتي:

-1-عزل الخديوي توفيق.

-2- اعلان الجمهورية في مصر.

-3-الدعوة لإنشاء مجلس عام يضم السياسيين و الشيوخ و القساوسة و التجار الكبار لينتخب هيئة تحكم البلاد فيما وصفه عرابي (جمهورية مؤقتة).

-4-عثر الاحتلال لاحقاً على أوراق لدى العرابيين تحمل فكرة الغاء نظام الكم و اعلان مصر جمهورية مستقلة.

بالتالي نستطيع القول أن فكرة الجمهورية ظهرت إبان أزمة فارقة في مصر بعيداً عن الحاكمية العثمانية و في إطار الحاكمية الوطنية الدستورية على عكس ما يروج له من أن مصر لم تعرف الجمهورية قبل فكرة الاربعينيات حين طرحت عام 1942.

-2-أذربيجان أول الجمهوريات العلمانية:

————————————-

في نوفمبر بالعام 1917 كانت روسيا القيصرية تتحطم تحت وطأة ثورة أكتوبر التي قام بها الشعب الروسي ضد أسرة رومانوف الحاكمة و معها كانت ممتلكات روسيا بالقوقاز تتفكك و تنشأ إتحادات شعبية بين شعوب القوقاز انتهت في 24 فبراير من العام 1918 الى جمهورية القوقاز الاتحادية الفيدرالية و التي سرعان ما تفككت الى دول أبرزها (جورجيا) و (أرمينيا) و (أذربيجان) و تلك الأخيرة هي موضوعنا الآن.

كانت أذربيجان محط صراع روسي\عثماني بحكم الأغلبية الاسلامية بها و بحكم ثرواتها العديدة و مع العام 1918 و في نهايات الحرب العالمية الأولى تم اعلان قيام جمهورية أذربيجان الديموقراطية الشعبية في 28 مايو عام 1918 و التي أعلنت اصلاحات علمانية أبرزها المساواة بين الرجال  النساء و اصلاحات قانونية علمانية شاملة و انشا ديموقراطية حقيقية منتخبة في هيئة برلمان منتخب و رئاسة قوية و نظام ليبالي و كذلك اعلان القومية الأذرية فكرة حاكمة سيطرة على البلاد لتكون أول جمهورية علمانية في العالم الاسلامي و تسبق تركيا ب خمس سنوات و تليها جمهورية طرابلس في الترتيب لتكون جمهورية أذربيجان أول جمهورية اسلامية .

هنا نلاحظ أن الأذريين اختاروا بإرادتهم جمهورية علمانية برلمانية ديموقراطية دستورية بعيداً عن اللجوء للنفوذ التركي المعبر عنه في الخلافة العثمانية بل اختاروا الفكرة القومية المعبر عنها في ذلك العصر بدون تدخل أجنبي بل بإرادة حرة أنتجت مساواة مطلقة و ديموقراطية حقيقية بعيداً عن فكرة الجامعة الاسلامية العتيقة و اتمر الحال حتى احتلال البلاد من قبل الجيش الروسي لتكوين اتحاد روسي عرف لاحقاً بالاتحاد السوفيتي في 25 ابريل بالعام 1920.

-3-ليبيا:الجمهورية الطرابلسية:

——————————

مع العام 1911 تعرضت ليبيا في 26 سبتمبر الى غور ايطالي واسع و بحكم كونها تابعة للدولة العثمانية فقد تطوع عدد من الضباط العثمانيين مثل (اسماعيل انور) و (مصطفى كمال)  و (على فتحي) و غيرهم للذهاب الى هناك (التطوع لأن البحرية العثمانية كانت ضئيلة و لا تملك سفن صالحة للعبور من تركيا الى ليبيا) و اندلعت عمليات القتال للدفاع حتى مجئ الثامن من أكتوبر بالعام 1912 لتعلن بلغاريا و اليونان و صربيا الحرب على الدولة العثمانية فانسحب كل الاتراك من ليبيا ليدافعوا عن اسطنبول التي باتت تحت رحمة الجيش البلغاري الذي سحق كل دفاعات العثمانيين بأوروبا بمفرده و كحل نهائي للمشكلة الليبية عقدت الدولة العثمانية اتفاقية أوشي في الثالث من أكتوبر بالعام 1912 و التي صراحة تنازلت فيها الدولة العثمانية عن ليبيا تماماً.

ظلت الدولة الليبية تابعة (دينياً) للخلافة العثمانية حتى وصلت الأنباء في بدايات نوفمبر 1918 بسقوط الدولة العثمانية و استسلامها و توقيع هدنة مذلة لها و بمقتضاها تحتل كثير من أراضيها و يسرح جيشها ، هنا و تحت رعاية كبار الوطنيين الليبيين تم الاتفاق و الاعلان في السادس عشر من نوفمبر بالعام 1918 على انشاء الجمهورية الطرابلسية و التي اعتمدت النظام الجمهوري الحديث بعيداً عن أي نفوذ عثماني و قد تم التعبير عن هذا بأن الدور التركي قد انتهى بتنازل الدولة العثمانية عن ليبيا ثم الهزيمة بالحرب و انتهاء الرابط بين ليبيا و تركيا عبر انتهاء الامدادات الالمانية لهم بسبب الزيمة .

كانت الفكرة الجمهورية نابعة من ارادة شعبية خالصة لم تتحكم فيها قوى اجنبية كما يريد التيار الاسلامي القول عن فكرة الجمهورية بعيدا عن استبداد الحكم العثماني و استمرت الجمهورية حتى سقوطها على يد الاحتلال الإيطالي فيما بين العام 1922 و العام 1923 تدريجياً و لكن ظلت ارادة الليبيين في الحكم المدني الجمهوري بعيدا عن الحكم الديني العثماني حاضرة.

..

هكذا مثل الشرق منبع لإرادت شعبية خالصة اختارت بإرادتها الفكرة الجمهورية و لم تفرض عليها في اطار ما يسميه التيار الديني (الغربنة) بل تم في اطار الاختيار الحر و الرغبة الشعبية في تحديث بعيداً عن الفكرة الاممية الاسلامية المفككة منذ قرون و كانت جمهوريات أذربيجان و طرابلس و محاولة عرابي التي أوشكت على النجاح علامة في تاريخ نضال الشرق العربي و الاسلامي الذي أتمنى أن تدرك شعوبه اليوم حقيقة أن التحديث رغبة شعبية و ليست فكرة غربية.

محمود عرفات 20\2\2011.