فى محاولة لفهم مشاعر العرب تجاه المصريين وتبرير ما حدث من احداث مؤسفة اعقبت مباراة الجزائر الاخيرة يرى عالم النفس المصرى الدكتور/ احمد عكاشة ان الشعوب العربية تغيرت مشاعرها عن المصريين بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد حيث لم يستوعبوا ان مصر التى قادت العرب فى حركات التحرر وحاربت اسرائيل قد عقدت مصالحة منفردة مع العدو الاسرائيلى وتركت باقى الاراضى العربية محتلة مما احدث حالة من التحفز ضد مصر عند كثير من العرب. وعلى قدر ما يفسر كلام الدكتور عكاشة لمشاعر العرب تجاه المصريين ومشهده كاتب السطور عن قرب فى احدى الدول العربية من كره وتخوين للرئيس السادات وكل ما هو مصرى فى ذلك الوقت وتصوير المصريين باعتبارهم خانوا العرب جميعا وارتموا فى الاحضان الاسرائيلية. الا اننى ازعم ان مشاعر عدم الارتياح التى تصل الى الكراهية فى بعض الاحيان تجاه المصريين تعود الى ما قبل ذلك اى ما قبل كامب ديفيد .
لذلك اقتبس نفس السؤال الذى طرحه الامريكان بعد تفجيرات 11 سبتمبر عن العرب والمسلمين … لماذا يكرهوننا ؟ فبقدر ما لامريكا والحلم الامريكى من تأثير كبير على العرب والمسلمين والذى يتمثل فى تأثير الميديا والافلام الاميريكية على وجه الخصوص الا ان هذا لم يحول دون كره العرب لأمريكا عندما ساندت اسرائيل على حساب الحقوق العربية
من هذا المنطلق ارى ان الحلم المصرى والنموذج المصرى ابن الحقبة الناصرية تحديدا وتمثل ايضا فى الميديا والافلام المصرية القديمة ودعم الثورات العربية وكاريزما عبدالناصر وسطوته القوية على الحكام العرب ومواجهته لقوى الامبريالية والاستعمار كل هذا كان له ابلغ الاثر فى الهام الشعوب العربية بالحلم المصرى ومحاولة تعميمه على كل الشعوب العربية التى كانت تعشق عبدالناصر وتعبر عن ذلك بحرارة بالغة اثناء استقباله على اراضيها بالدرجة التى قد تحرج الحاكم المضيف فى ذلك الوقت وقد حدثنا عن ذلك الاستاذ هيكل كثيرا عن الاستقبالات الشعبية لعبد الناصر خصوصا فى سوريا او حتى فى السعودية ولكن وللاسف الشديد لم تستغل القيادة المصرية فى ذلك الوقت كل هذا التأثير وتترجمه الى ثورة حداثة حضارية عربية شاملة وانما شغلت نفسها بصراعات سياسية لتأكيد الزعامة كما حدث فى حرب اليمن مثلا بالاضافة الى عد وجود التخطيط العلمى السليم لتحقيق النقلة الحضارية المطلوبة وذلك لعدم اسناد ادارة الدولة للكوادر العلمية اولى الخبرة والعلم . لذلك كان انهيار الحلم المصرى والعربى على صخرة هزيمة يونيو النكراء عام 67 ولأن العقل المصرى والعربى لا يحتكمان الى النقد الموضوعى او مراجعة الذات وتصحيح المسار والاعتراف بالاخطاء ومحاولة علاجها كما يحدث فى العالم المتقدم نجد القيادة المصرية تسمى الهزيمة نكسة كما لوكانت التسمية ستغير من حقيقة الانكسار والفشل . وعاش المصريون كما لو ان شىء لم يحدث فطبقا لقاموس المصطلحات او التيرمينولوجى المصرى فان مصر هى دائما ام الدنيا والاخت الشقيقة الكبرى للعرب والقائدة فى المنطقة والدور المصرى الرائد والموجه ناهيك عن مصطلحات اخرى من عينة الريادة المصرية فى كل شىء فى السينما فى كرة القدم فى الاعلام فى الثقافة ، مصر هى الهرم والحضارة والتاريخ والنيل . لذلك فهى الجديرة دائما بالمركز الاول فى كل شىء بصرف النظر عن العمل والعلم والتخطيط . لقد صدق المصريون هذه المصطلحات وامنوا بها مما جعلهم لا يعلمون ولا يبدعون وبالتالى لا يحققون اى انجاز فلماذا نعمل ونحن اصحاب الريادة والحضارة والتاريخ .
ومن هنا كان رد الفعل لدى الشعوب العربية عكسيا تماما فلماذا تكون مصر هى النموذج رغم فشلها الذريع فى مشروع الحداثة والحضارة وانهيار الحلم الستينى ، بالاضافة طبعا لموضوع كامب ديفيد وخروج مصر من المعادلة السياسية العربية بشكل ما ومن هنا بدأ التطاول على قامة مصر وتسربت عقدة الكراهية والحقد لماذا دائما مصر الافضل وقد تحقق ذلك فى الكثير من الدول العربية مما جعلها تتشفى فى النموذج المصرى المنهار فدول الخليج تبيع وتشترى فى المصريين وتعاملهم احقر معاملة والاعلام اللبنانى تفوق بشكل مذهل عن الاعلام المصرى فى الساحة العربية والتلفزيون السورى تفوق تماما فى انتاج الدراما واخيرا الجزائر انتصرت فى الكرة منذ يومين .
هذا التفوق فى بعض المجالات من الاشقاء على النموذج المصرى لم يعبر ابدا عن روح المنافسة الشريفة او تقدير نجاح الاخر وانما المصريون ظلوا يتحدثون عن الريادة والتاريخ بينما العرب يتحدثون عن تفوقهم من باب التعالى والتطاول على القامة المصرية .
لهذا ارى ان الخروج من هذه الازمة المصرية العربية يكمن فى المكاشفة ومصارحة الذات اى ان ينسى المصريين ان مصر ام الدنيا لانها مجرد دولة فقيرة من دول العالم الثالث لن تنهض او تدخل مرحلة الحداثة بالشعارات والاغانى وانما بالعلم والعمل والاجتهاد والمثابرة اما بالنسبة للريادة والتاريخ فهى مفاهيم لا علاقة لها بالحاضر او الواقع وانما اهميتها تكمن فى ان نتعلم من ماضينا ونبنى حاضرنا .
اما علاقتنا بالدول العربية بل وكل دول المنطقة بالكامل فلابد من ان ننسى فكرة القيادة والدور المصرى والشقيقة الكبرى لانها مفاهيم عاطفية واهية لا اساس لها من الصحة خصوصا مع ظهور دول مؤثرة فعلا فى المنطقة كأيران وتركيا ، ايران بقوة نفوذها السياسى الفاعل والمؤثر بعمق فى المنطقة وتركيا باقتصادها القوى النامى الذى جعلها تحتل المركز ال 17 عالميا وتصبح بجدارة عضوا فى مجموعة العشرين التى تقود اقتصاد العالم .
نحن دولة كأى دولة اخرى علاقتنا بجيراننا تقوم على اساس المصلحة فقط وحسن الجوار لا يوجد اشقاء او اعداء فى السياسة وانما توجد مصالح هى فقط ما يحكم العلاقات الدولية كما اننا افضل من احد وليس علينا التزامات لأحد الا ان نبنى نهضتنا ودولتنا الحديثة.