مصر بعد الثورة

كان من المفترض في تلك الحلقة أن اتناول أحداث 18 و 19 يناير 1977 إلا أن الأحداث الأخيرة جعلتني أتوقف قليلا ، فمنذ بداية تلك السلسلة و أنا أشير إلى وجوب قيام ثورة شعبية بسبب كثرة المشاكل الأقتصادية و الاجتماعية التي يعاني منها الشعب المصري ، فالتطابق التاريخي بين الفترة التي عشناها خلال العشر سنوات الأخيرة تتطابق مع ما حدث في مصر في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى حين قيام ثورة يوليو 1952 ، و اليوم حدث نفس الشىء تقريبا ، فمنذ نهاية الحرب الباردة و بدأ في العالم تحولات حادة إنتهت بأزمة مالية و أقتصادية غير مسبوقة مع نهاية 2007.

منذ منتصف التسعينات تقريبا و الأحوال في مصر تسير من سيىء إلى أسوء ، تسارع غير مخطط في الاتجاه ناحية الخصخصة ، زيادة معدلات الفساد ، رفع يد الحكومة المركزية عن التخطيط الزراعي ، مشروعات فاشلة أهدرت فيها مليارات الدولارات ، ، إتجاه إلدولة إلى خدمة رجال الاعمال و إهمال الشعب ، ترسانة من القوانين أصدرت خلال العشر سنوات الأخيرة بلغ عددها إلى أكثر من 1700 تشريع و تعديل قانوني كانت نتيجته زيادة معدلات الفقر بشكل غير مسبوق حتى وصل اجمالى الدين العام داخلى و خارجى يقدر بـ 836 مليار جنيه ليصل نصيب المواطن من الفقر و الدين أكثر من 10 آلاف جنيه.

اليوم و نحن أعتاب مرحلة جديدة ، مرحلة بناء تبدأ من الصفر تقريبا ، فالصناعات التي يتشدقون بها خلال الفترة الماضية لم تكن ذات قوة حقيقية ، و ظهر ذلك بوضوح في قرارات تخفيض قيمة العملة التي كانت وبالا على المواطن العادي و بررت الحكومة تلك القرارات بأنها ستساعد في زيادة عائدات التصدير ، متناسية أن الصناعات الموجودة حاليا لا ترقى للمستوى المطلوب فأغلبها صناعات تجميعية و ليس إنتاج بالمعنى الصحيح ، حتى صناعات مثل الحديد و الأسمنت كانت الأسعار المحلية أعلى بكثير من الأسعار العالمية مما جعلها خارج المنافسة ، فلم يستفد حتى المصنعون من تلك القرارات ؛ اليوم و بعد فتح الكثير من ملفات الفساد و التربح بعد عمليات بيع القطاع العام أو ما سمي بالخصخصة ، عرف الجميع أن وضع التفاح كله في سلة رجال الأعمال كان من اسوء ما مر بمصر خلال الخمسين عاما الأخيرة.

مازال أمامنا معركة أعتبرها أكبر و اشرس و هي مع أذيال النظام السابق وهم الصف الثاني من منظومة الفساد السابقة ، و للاسف الشديد سينجو الكثير منهم سواء شئنا أم أبينا فهم دائما يتحركون في الظلام لا تراهم ولكن تشعر بهم ، سيركب الكثير منهم عربة الثورة ، بل منهم من سيدعي أنه كان معها من البداية بل من قبلها ، و سيخرجون علينا على أجهزة الإعلام المختلفة متحمسين ، بل ستستمع أحيانا لحكايات بطولية منهم قاموا بها أثناء الثورة .. أخاف عليك يا مصر من الأيام القادمة …