استمرارا لمهازل السرقات الأدبية السخيفة والغاية في البجاحة والغباء نشرت جريدة ( القاهرة ) التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية في عددها الأخير الثلاثاء 17 نوفمبر 2009 مقالا لكاتبة تدعى ( رحاب الدين الهواري ) بعنوان ( ” شارع بسادة ” .. لا توجد مسافة كبيرة بين المقدس والمدنس ) قامت فيه بالسطو على مقالي ( قراءة في شارع بسادة ) والذي نُشر منذ حوالي أربعة شهور في العديد من المجلات والمواقع كدروب والحوار المتمدن وإيلاف وألف والكتابة الجديدة وأمواج والورشة وغيرها كما لا يزال يعاد نشره حتى الآن في الصحف والمنتديات الأدبية  .

كتبت اللصة ( العبقرية ) مثلا :

( تبدو اللغة الغنائية مسيطرة أغلب الرواية دون أن تقتصر على الجماليات التشكيلية المنمطة والمعروفة في التشكيل السردي بل تجاوزت الحكي ذاك أن المحكي عنه في الأصل يشكل مساحة ممتدة وشاسعة بين الواقع والحلم )

وهذا بالطبع ليس له أي علاقة من قريب أو من بعيد بهذا المقطع الذي جاء في مقالي :

( اللغة الغنائية في ( شارع بسادة ) لم تكن لمجرد انتاج جماليات غنية من التشكيل السردي تتجاوز الحكي وإنما لأن المحكي عنه أصلا ممتد بين الواقع والحلم  )

جاء في مقالها أيضا :

( يبقى إذن الولد البدين بيت القصيد في شارع بسادة ، الهم الخاص الذي تحول إلى أرق وجودي مشتبكا مع الحقيقة المراوغة لحقيقة الملائكة والشياطين ومن منهم المسئول حقا عن الغواية ، الملاك السلبي الذي لم ينقذ أحدا ، بل لم يمنع حتى أمه من الغياب والبعد عنه سنوات سبع ، الملاك الذي ترك أصابع ( علي ) تعبث تحت فستان ( زينب ) ، التي كانت المسئولة عن الإغواء الذي كان مسيطرا ومتحكما في حياته وحياة الآخرين ؟ يبقى الولد البدين الذي نسيته أمه عند جدته لسبع سنين والذي رسم صورتها في خياله حتى لا يغيرها الزمن ، هو أيضا الذي أخبرته جدته بأن دودة نجسة في فرج أمه تلتهم الرجال وهذه الدودة هي التي قتلت أباه بأن مصته حتى جف عوده )

وهذا أيضا لا علاقة له إطلاقا بما كتبته في مقالي :

( الغواية في ( شارع بسادة ) كانت هي الهم الخاص للولد البدين الخجول والذي تحول من مجرد هم فردي إلى أرق وجودي يحرضه دائما على الاشتباك مع الحقيقة المراوغة لدور الملائكة والشياطين ومسؤليتها في الإغواء الذي كان بمثابة القدر المسيطر والمتحكم في حياته وحياة الآخرين .. الولد البدين الخجول الذي نسيته أمه عند جدته لسبع سنين هو الذي لم يكن يريد من الدنيا شيئا سوى أن يبقى في حضنها وقتا آخر وأن تقبله من شفتيه الممتلئتين قبل أن تلقي وصاياها وتتركه وهو الذي رسم صورتها في خياله حتى لا يغيرها الزمن : الفستان الأخضر .. الحزام الأحمر .. الخصر النحيل .. الوردة الحمراء على صدرها .. الشعر الأسود .. هو أيضا الذي انتبه لانحسار فستانها قليلا حين جلست على ركبتيها وأبقت وجهها الجميل قريبا من وجهه لتؤكد عليه بألا ينس بأنه ابنها هي وأن الرجل الذي رآه في سريرها أحبها كما أحبها أبوه وأكثر .. الولد البدين الخجول هو الذي أخبرته جدته بأن دودة نجسة في فرج أمه تلتهم الرجال وهذه الدودة هي التي قتلت أبوه بأن مصته حتى جف على عوده  ) … ( الملاك لم ينقذ أحدا .. لم ينقذ أم الولد البدين الخجول من الغياب عن ابنها ولا الولد الذي يرسم الشوارع والبيوت والناس من الوحدة والفشل العاطفي .. الملاك لم ينقذ ( زينب ) من اللحظة التي تسللت فيها أصابع ( علي ) تحت فستانها ، ولا ( مارسا ) من اللحظة التي وضع فيها ( علي ) كفه على نهدها الذي فوق القلب ولم ينقذ ( علي ) الذي قتله ( ناشد ) داخل دكان قديم قذر .. الملاك لم ينقذ ( نادية ) من شيخ الجامع الأعمى ولا ( سمير وهدان ) من تمزقه بين روحه الأنثوية وجسده الذكوري )

وطبعا لم يكن من اللائق بعد كل هذا أن تنهي فلتة عصرها وأوانها مقالها الجهنمي دون أن تأخذ في يدها نهاية مقالي حتى تتم عملها على أكمل وجه فكتبت :

( لكن المؤكد أن سيد الوكيل أراد في ” شارع بسادة ” أن يخبرنا أن الغواية هي التي تعيدنا إلى روحنا الأولى المحمومة بالرغبة بكل ما فيها من أفراح وأتراح ، ربما أرادنا أن نبحث في ذواتنا عن الأبيض والأسود ، عن بذور الغواية ، عن الملاك والشيطان بداخل كل منا ، عن لحظات يمكن أن نحاسب فيها أنفسنا ، فقط إذا استطعنا الفصل بين النقيضين )

أما نهاية مقالي فكانت :

( ربما يريد ( سيد الوكيل ) أن يخبرنا إذن بأن الغواية هي أكثر ما يعيد إلى ذواتنا أرواحها البدائية الممسوسة بالرغبة بكافة أفراحها وهواجسها وآلامها .. تعيد إلى الحاضر ذاكرته المتخمة بصور ومشاهد حلمية عن أزمنة سحيقة كان الخام النقي للعشق والجمال يطبخ خلالها في طقس أسطوري ستظل روائحه وأصداءه نشطة في دماءنا .. ربما يريدنا أيضا ألا نتوقف عن مساءلة ومحاسبة الملاك والشيطان اللذين بداخل كل منا .. إذا نجحنا في الفصل الحاسم بينهما .. إذا نجحنا في العثور عليهما أساسا  )

أعرف تماما أن السرقة الأدبية حدث لم ولن يتوقف أبدا وأن السيناريو الثابت والوحيد ربما الذي يحكمها سيظل مقتصرا فحسب على السطو من ناحية وفضح اللص من ناحية أخرى على الأقل كي يثبت المسروق الموقف ويوثقه ـ كما في حالتي ـ أو للحصول على تعويض ما لاسترداد حقوقه وبناء على هذا فلا يسعني سوى أن أتوجه بخالص التحية والشكر لمن تدعى ( رحاب الدين الهواري ) على ما أراه تعويضا مناسبا وهو كم الضحك الذي سببته لي نتيجة ذكاءها الفظيع وبراعتها الفائقة في السرقة والتي جعلت من اكتشافها أمرا غاية في الصعوبة .

* * *

http://www.mamdouhrizk.blogspot.com/