لازالت الثورة قائمة! ويبدو أن الشارع السياسي لم يستقر بعد وانه ماض في استكمال أهداف الثورة وغاياتها والتي بدأت شرارتها مع الشهيد البعزيزي محمد المواطن البسيط في موقعه الاجتماعي والكبير في نظر الثورة التونسية .
صحيح أن الأطر السياسية العارضة ليست هي من أشعلت الثورة ولكنها أصبحت حاضنة لها في سياقها الزمني وهو دليل على أن محاولات النظم السياسية المستبدة في تجفيف ينابيع المعارضة السياسية ليس هو الحل إدراكا منها الحيلولة دون وقوع الاحتجاجات السياسية مطالبتا للحق والعدل والمساواة كما انه يصعب على النظم السياسية مراقبة أل 20 مليون مواطن فما فوق فردا فردا من خلال ضبط تحركاته ادا فالثورة هو قدر محتوم لا تدري النظم المستبدة متى تنطلق ومن أين فالثورة هي كالموت ولو كانت النظم في بروج مشيدة.

1- الحراك السياسي التونسي غاياته وأهدافه.

سبق لنا وفي مقال سابق “سقوط النظام السياسي في تونس مقاربة قانونية وسياسية ” أن شرحنا المخالفات الدستورية والقانونية التي تمارسها السلطة السياسية الحالية في شخص” محمد الغنوشي” وما ترتب عنها من تفريخ للسلطة واليوم طلع علينا المشهد السياسي بحكومة شعارها الوحدة الوطنية وبخلفية سياسية محكومة من طرف الرموز السياسية السابقة (احتفظ الحزب الدستوري لبن علي على 15 حقيبة وزارية ) فقد احتفظ وزير الداخلية الأسبق ووزير الخارجية بموقعهما وثم استدعاء بعض من المعارضة الكلاسيكية المشاركة في النسق السياسي القديم . فهل يعقل أن تأتي الثورة بحكام كانوا جلاديها واندروا بإعدامها عند قيامها ؟ ونحن هنا في هدا المقال لن نعمد إلى القراءة الدستورية للحراك السياسي التونسي لأنه يبدو ولم يعد مرجعا للدولة التونسية في إدارة البلد كما صرح بدالك الوزير الأول التونسي المحسوب على الحزب الدستوري بامتياز في تصريح له لقناة الجزيرة قائلا لا نحتاج إلى القراءة الدستورية بل إلى حل اللازمة الراهنة هدا التصريح كان بعد يوم من فرار الرئيس بن علي.

ا- هل سقط النظام السياسي في تونس

الإجابة عنه واضحة فمن خلال القراءة الأولية للتنصيب الوزاري وما قبل الإعلان عن الحكومة الجديدة لا زال حزب التجمع الدستوري المهيمن على الحالة السياسية في عهد بن علي يسيطر على المؤسسات السياسية والأمنية في البلاد وهو المسئول عن الأزمة السياسية والأمنية والاجتماعية فضلا عن تحمله المسؤولية الكاملة للانتهاكات الخطيرة في مجال حقوق الإنسان والتي مثلتها المحاكمات الصورية والأحكام القاسية تحت ذريعة قانون مكافحة الإرهاب والتي طالت القطاع الطلابي والعمالي والناشطين الحقوقيين وفعاليات المجتمع المدني الدين شكلوا خط المقاومة المدنية العالمية . ادا فالحزب الحاكم في شخص التجمع تعود إليه المسؤولية السياسية والقانونية لما جرى في السابق من انتهاكات لحقوق الإنسان . وبوجود هدا الحزب في ما يسمى بالحكومة الوطنية الغير المعلن عنها هو نوع من الالتفاف على مكاسب النهضة التونسية وعلى مطالب الجماهير والقوى الفاعلة وهو أيضا محاولة لازالت الأثر للحكم السابق والشعب التونسي يعرف أسماء هؤلاء المرتزقة وعلى رأسهم الوزير الأول الذي عمل إلى جانب الرئيس بن علي كنائب له للحزب الحاكم لمدة 11سنة وعلى هدا الأساس بات الحراك السياسي مستمرا على خلفية وجود شخصيات تلطخت أيديها بدماء الشهداء ( وللتذكير فقد أعلنت الأمم المتحدة عن عدد القتلى ب 100 قتيل وأنها سترسل وفدا للتحقيق في هدا الشأن). هم على رأس هرم السلطة بعد رحيل الرئيس السابق و هروبه من الثورة الشعبية حتى أصدقاءه الغربيين لم يعودوا يقبلوا به فكيف تقبل به. الشعب التونسي وتركته السياسية . اد من أهداف الحراك السياسي التونسي هو الحسم مع التركة السياسية و القطع مع الماضي الدكتاتوري وعدم الاعتراف بأي حكومة مقبلة تضم الطاقم السياسي القديم ثم محاسبة المسئولين التونسيين أمام القضاء وخصوصا وزير الداخلية والطاقم الأمني من الأجهزة الاستخباراتية والتي حاولت التصدي لهده الث ورة ولكن الجيش حال دون دالك فوقعت مصادمات مسلحة وثم اعتقال مجموعة من العناصر الأمنية والتي تسمى بالأمن الرئاسي.

ب- الحكومة الجديدة في خلفية التشكل .

والسؤال كيف تشكلت السلطة هده السلطة السياسية والتي أعلنت نفسها حاكمة للبلاد ووصية على الشعب التونسي أظن أن الأطراف الخارجية لم تكن بعيدة عما يجري في تونس وخصوصا قبيل سقوط الرئيس التونسي بقليل ونحن ندرك حجم المراسلات الدبلوماسية التي كانت ترسل إلى البلد من الغرب و الدول العربية وخصوصا إلى الولايات المتحدة التي كانت تتابع الوضع عن كتب اد بعد تطور الأحداث وتفاقم الأوضاع تسارعت الدول الغربية وأمريكا لمعالجة الحالة في تونس (هنا ينبغي الإشارة إليه بحسب صحيفة
19-01-2011يوم الأربعاء-LE FIGARO
أن وزيرة الخارجية الفرنسية طلبت من الرئيس التونسي المساعدة للتدخل لاستتباب الأمن وانه كانت هناك شحنة من الأسلحة والعتاد المستعملة لضبط الأمن متجهة نحو تونس قبيل مغادرة الرئيس المخلوع الوطن فتعالت الأصوات من داخل البرلمان المطالبة لمغادرة الوزيرة في الخارجية الفرنسية) والدخول على الخط لترشيد الوضع السياسي الداخلي السلطوي فكان القبول بمنق مغادرة الرئيس بن علي والإبقاء على الطاقم السياسي السابق في محاولة لاحتواء الموقف واجهض مطالب الثورة وقطع الطريق على المعارضة والتي كانت إلى عهد قريب هم صناع القرار المعارض لسياسات بن علي السيد المرزوقي والسيد راشد الغنوشي اد ليس من مصلحة الدول الغربية ولا الولايات المتحدة قيام دولة ديمقراطية غير صديقة لها بالنظر إلى التحولات السياسية في العالم وبروز محاور رئيسة وفاعلة في المجتمع الدولي و مؤثرة في المشهد السياسي الدولي وخصوصا ضمن إطار الصراع العربي الاسرائلي .
وهكذا قدر لحكومة محمد الغنوشي أن تكون ذات امتدادات خارجية وان من أهداف الحراك السياسي في تونس هو الحد من التدخلات الأجنبية والدعوة إلى الاستقلال القرار السياسي فالشعب موجب النظام الديمقراطي وصاحب الحق في التشريع وان الأطر السياسية في تونس لها من الإمكانيات الذاتية والحنكة السياسية للخروج من الفراغ الدستوري القائم وإملاء الفراغ السياسي بطاقم وطني مستقل بعيدا عن التدخل الأجنبي .

2 -عناصر في مشروع الحراك السياسي في تونس.

كثير هي التصريحات الإعلامية التي ترى أن المعارضة التونسية لم تكن هي الداعية لانطلاقة شرارة الثورة في تونس وهدا الأمر صحيح فالشهيد ” محمد البوعزيزي” هو من اقت لها وهو من حدد نقطة الصفر لكن ليس من المعقول القول إن المعارضة لم تكن لها يد في تأجيج الثورة واحتضانها فتضحياتها جد ضخمة مما تعرضت له من الاغتيالات في السجون والمحاكمات الصورية في حق طلبة ونقابيين وفاعلين حقوقيين وناشطين فنيين كما أن الشارع التونسي هو الطالب والعامل والتلميذ والاستاد وهده الجماهير التي خرجت إلى الساحات لإسقاط” بن علي ” هي جماهير مسيسة وغير منتمية سياسيا فلا نتصور أن فرد في المجتمع سيخرج للإطاحة بالنظام السياسي دون أن يكون وعي بما يفعل فالإطاحة بأعلى هرم في السلطة يقتضي من المرء أن يكون له موقف سياسي اد فهؤلاء مسيسون نسميهم المعارضة “الغير منظمة والصامتة” لان ليس لها منبر للتعبير عن رأيها السياسي اد فنحن في آخر المطاف أمام معارضة أشعلت الثورة ومعارضة منتظمة أطرتها لاحقا. كما أن المعارضة هو خط جماهيري قبل أن يكون إطار إداري في هياكله ومؤسساته ولجانه. اد فالادعاء باطل وهو محاولة لإقصاء المعارضة من جانب السلطة السياسية ومحاولة لإضعافها أمام الرأي العام الوطني . إن المعارضة هي جزء من ساك نة الحي و المدينة والمواطنون يدركون أن الطالب والحقوقي والإستاد والعامل كانوا جزء من الثورة وهي لم تكتمل فصولها وألان يتم الحفاظ عليها وتخوض المعارضة معركة الحفاظ على مكتسباتها وانجازاتها واحد كتابة هده السطور فلا زال الشارع التونسي يغص بالآلاف من المواطنين الداعين إلى إسقاط حكومة الغنوشي الغير دستورية وحل البرلمان ثم حل الحزب الحاكم (التجمع الدستوري ) وقيام حكومة وطنية حقيقية نابعة من أصوات الثورة وليست خريجة المراسلات الدبلوماسية وضغوطات الخارج . فالوجه الأصفر لأمريكا هي اللاعب الرئيس في ترشيد القرار السياسي الحالي في تونس. إن من مطالب الانتفاضة الشعبية تأسيس حكومة وطنية انتقالية مستقلة تظم كل الأطراف السياسية الفاعلة من شيوعيين وإسلاميين وعلمانيين وليبراليين إلا التجمع الحاكم مناجل بناء الدولة الديمقراطية المعاصرة.

3- الاسلامييون والإقصاء المتعمد.

تعالت أصوات غربية وعربية تحرض على التخويف من بروز الإسلاميين في الساحة التونسية ومشاركتهم في القرار السياسي واستعمالهم كورقة لتخويف الرأي العام الوطني وبالتالي القبول بالحكومة المفروضة الواعدة لقرارات ديمقراطية وحريات عامة انه المكر السياسي والالتفاف على خيارات الشعب.
لم يعد يخفى على المعارضة الناضجة في تونس من أن حركة النهضة ‘( الاتجاه الإسلامي سابقا) كانت منابر الفعاليات السياسية مند الثمانينات بجانب الشيوعيين والتيار الاشتراكي القومي واليسار التونسي الراديكالي وان أدبيات النهضة كانت تدعوا إلى بناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة وان فكرة الدولة الإسلامية لم يتم الدعوة لها وان شروط قيام الدولة الإسلامية ليست قائمة كما أن كتابات السيد راشد الغنوشي كلها تدعوا إلى بناء الوحدة الوطنية منخلا الانفتاح على التجربة الديمقراطية اد لم يكن فكر اقصائيا بل متعاونا ومحاورا لكل الفعالية الصادقة والوطنية والمؤمنة بالتعددية السياسية . قد نقبل بهذا التقييم بخصوص بعض المتطرفين الإسلاميين كالوهابية واد نابها اكن التيار الإسلامي الغالب في تونس هو خط منفتح على واقعه السياسي وعلى قضيا الديمقراطية واليات اشتغالها في قيام الدولة المعاصرة.