أشك في ان تختلف قراءة عملية تقسيم السودان لدى النخبة السياسية والثقافية العراقية في أقل تقدير إلا ممن تكلس افق تفكيره، فليس في وسع أحد هنا ان يتوهم نظرية المؤامرة او أن الامبريالية العالمية هي السبب الاساس وراء تقسيم ذلك البلد، وهي نظرية يجهد ويجتهد الكثير في المحيط العربي لتسويقها من دون جدوى. العملية برمتها لم تكن إلا نتيجة حتمية لمحاولة فرض الهوية الطائفية او الايديولوجية على الدولة على حساب الهوية الوطنية، وبالتالي خلق دولة غارقة في الازمات ما أدى الى انهيار طبيعي لمبادئ العدالة والمساواة بين مواطنيها.
‎التقسيم ما كان ابدا قدر السودان لو ان ارادة الوطن حضرت وغابت نزعة التسلط الايديولوجي والطائفي لتكرس نفسها كهوية لوطن لا يؤمن بها ولا ينتمي اليها بشعبه المتعدد الطوائف. ذلك ان دولاً اكثر تنوعا ظلت موحدة وستظل ما دامت ترسخ هويتها الوطنية على حساب الهويات الفرعية، فيما شبح التقسيم يخيم على دول تبنت الهوية الطائفية والعرقية على حساب الهوية الوطنية طال الزمن ام قصر.
‎السودان ليس الدولة الاولى التي انتهت الى التقسيم للأسباب التي ذكرنا، فقبلها كانت الهند ويوغوسلافيا والاتحاد السوفياتي، والاسباب نفسها ادت الى حروب اهلية وحمامات دم. لكن شعوبا ودولا اخرى نجت من التقسيم بعدما فطن قادتها وأهلها الى خطر تغييب الهوية الوطنية، والى أن الصراعات الطائفية ستودي بها الى كارثة التقسيم ابغض الحلال لدى الشعوب والاوطان.
‎منذ سقوط النظام السابق وقضية التقسيم البغيضة تطرح نفسها على طاولة الحوار في العراق، مرة بجرأة وأخرى على استحياء، مرة بألم وأخرى بغضب، لكن لا يمكن لأحد ان ينكر وجود مبررات لطرحها، والحق ان الجميع يجب ان يتقبل مناقشة الامر بشجاعة.
الحكومة لا تزال تتشكل بالتوافق، وهذا أمر حسن. انه حل وسط يعبر عن قبول الاخر، لكنه في الوقت نفسه مؤشر على ان البلد تحكمه هويات اخرى أقوى من الهوية الوطنية، وهنا مكمن الخطر، ومن الشجاعة ان يجري تخطي هذا الواقع بسرعة.
‎هنا يبدو ان التخلي عن الثقافة السياسية التي قادت المرحلة والتعويل على نضوج سياسي هما العنوان الاهم في أجندة المستقبل. ان ثقافة تعزز وحدة البلاد وهويتها الوطنية وتبتعد بها عن العنصرية والطائفية والتباكي والتخويف والخوف من ماض لن يعود، تمثل خطوة اولى في بناء اسس رصينة تواجه مشاريع الانفصال.
أمر جيد أن يكون العراقيون قد غلبوا الارادة الوطنية والاصرار على البقاء موحدين. انها علامة ايجابية، لكن الايمان بحتمية العيش تحت خيمة الوطن لا تحت خيمة الولاءات الفرعية وتحصينه من محيط لا يدرك مخاطر تدخله على وحدة البلاد كلاهما المحك الحقيقي لاختبار قدرة البلاد على مواجهة تحديات الانفصال، وهذا يحتاج من بين ما يحتاج اليه الى مفكرين وقادة مؤمنين بقيم التسامح والمشتركات الكثيرة التي تجمع أبناء الوطن.
‎يدرك الجميع ان وحدة البلاد لا تزال هشة، وان المستقبل مفتوح على كل الاحتمالات، وان العراق لن يكون ابدا خارج معايير التاريخ والجغرافيا والمنطق، فالسودان رغم تعاطفنا معه ومع شعبه، هو صورة قيادات أوصلت شعبها الى التقسيم. انه يوم مشؤوم في تاريخ هذه الدولة، لكنه افضل الحلول عندما يغيب العقل والمنطق وتحضر نزعة التسلط والاستبداد، وتنهار قيم العدالة فيندحر الوطن.