ليس بوسع المراقبين للمشهد التونسي ان يتكهنوا ما اذا كانت الثورة ستمضي الى تحقيق اهدافها التي انطلقت من اجلها او ان قوى الدكتاتورية واذانابها ستصادرها وتفرغها من اهدافها العظيمة لا سيما الحرية والعدالة والمساواة واقامة انتخابات حرة وكتابة دستور جديد يتسق مع اهداف وتطلعات الشعب الثائر .

من الواضح ان الثورة غير المسبوقة عربيا ارعبت الحكومات الدكتاتورية ، فهي المرة الاولى التي يعبر فيها شعب عربي بطريقة سلمية عن رفضه للظلم والاستبداد ،ويواصل نضاله ويواجه الة القتل حتى اسقاط النظام وأرغام رئيسه على الفرار ، ولان النظام التونسي ليس حالة استثنائية في الواقع العربي ، فأن ذلك سببا كافيا يدعو للخوف على الثورة من محيط لا يساعد على نضوجها بل سيعمل بكل مايملك من امكانات على اعاقته .

الثورة التي هزت العالم العربي اثبتت ان الشعوب العربية مازالت على قيد الحياة ، وانها تملك من الشجاعة والجرأة على مواجهة انظمة لم تعر لها ولطموحاتها بالا ،ولم تضع احتياجاتها وتطلعاتها يوما في سلم اهتماتها ، وحتى مشهد الحرق الذي كان سببا لانطلاق الثورة في تونس صار مشهدا مرعبا خاصة بعد ان تكرر في اكثر من مدينة عربية ما دفع الحكومات الى وضعه في خانة التحريم ،داعية الشعوب الى التمسك بالصبر والاستكانة !
الاعلام العربي الذي وجد نفسه امام مشهد عظيم ، لم يمنحه التداعي الدراماتيكي للاحداث فرصة لالتقاط انفاسه ،اقر بحق الشعب التونسي وحقه في الحياة ولم يستطع الا ان يكون مع شعب نال اعجاب العالم بتضحيته واصراره على نيل حقوقه ،لكن ما ان مضت بضعة ايام حتى عاد هذا الاعلام ليشارك الحكومات التباكي على حال تونس وماجرى فيها من احداث اعقبت الثورة ، وبدلا ان يسلط الضوء على ارادة الشعب وعظمة انجازه التاريخي راح يشغل العقول العربية بصور مبالغ فيها عن مظاهر الفوضى واالصدامات وعمليات السلب والنهب التي حدثت بعد الفراغ الامني وتؤكد العديد من المعطيات ان اتباع بن علي وجهات خارجية هي المسؤولة عن هذه الاحداث .

الواقع ليس بأمكاننا ان نتصور ان ايادي الانظمة الدكتاتورية بما تملكه من مال واعوان ، لن تتدخل لتجهض الحلم التونسي وتسعى الى اعادة انتاج نظام دكتاتوري
في ذلك البلد ينسجم مع الواقع العربي ، فهذه الانظمة لن تسمح بوجود جسم غريب اخر في جسد النظام العربي ، وماحدث ويحدث في العراق دليلا على رفض هذه الانظمة اي نظام ديمقراطي في المنطقة والعمل على وئده في المهد بشتى الطرق وبأي ثمن .
الامر المؤكد ان اشعاع هذه الثورة ودروسها ومعطياتها سيمتد تأثيرها على طول خارطة دول المنطقة يل الى ابعد منها ،وسواء مضت الثورة الى تحقيق اهدافها ام جرى الانقلاب عليها ومصادرتها،فأن شرارتها اندلعت في نفوس وعقول الشعوب العربية ، وسيكون الدرس التونسي مثالا يحتذى به لكل الرافضين للظلم والاستبداد والعازمين على استرداد حقوقهم وحرياتهم ، وهذه الشرارة لا يمكن لقوى الاستبداد والطغيان أن تطفأها وهنا تكمن عظمة الثورة التونسية .
وعلى مايبدو ان التونسيين يؤكدون بمظاهراتهم الجديدة لاسقاط الحكومة المؤقته التي شكلها رموز نظام ابن علي ،يؤكدون لكل الشعوب المستلبة ان الشعب الذي يتمسك بحريته لن تستطيع اية قوى ان تقف بالضد من ارادته ، وان الطريق لنيل الحرية باتت سالكة وها هم يعيدون الدرس لمن يريد ان يتعلم ولمن مازال في قلبه شك .