منذ فتره وأنا رغبتى شديده أن أكتب عن جنوب السودان ولكن فضلت الإنتظار حتى تخرج مظاهره واحده مؤيده للجنوبيين أثناء الإستفتاء على الإنفصال لنشاركهم فرحتهم بالحريه حتى ولو مظاهره تمثيليه من الحكومه بجنود الأمن المركزى فلم يحدث ..طال إنتظارى و أصر العقل العربى على أن يخسر كل معاركه

عندما خرجت المظاهرات التى تدين إسرائيل بسبب عدوانهم على الشعب الفلسطينى الأعزل تخيلت أن الشعوب العربيه ربما تكون شعوب إنسانيه تدافع عن الإنسان دون النظر للدين أو الجنس أو العرق أو اللون ولكن يبدو أن الأمور مختلفه فلا يصح القياس بين هذا وذاك ولذا فلنحكى هذه الحدوته

يحكى أن الهند كانت إمبراطوريه عظمى ثم أصبحت الهند وباكستان وبنجلاديش, كانت إمبراطورية الهند فيها 22% مسلمون وطالب المسلمون بإستقلالهم عن الهند لأن لهم هويه دينيه مختلفه ولا يمكن أن يتكيفو بأى حال من الأحوال كمسلمون فى معيشتهم مع الهندوس وكان هذا هو أساس قيام دولة باكستان وهو التقسيم على أساس دينى حتى أن المهاتما غاندى حاول كثيراً من أجل وحدة الهند وله فى ذلك عباره مشهوره فى خطاب إلى محمد على جناح مؤسس باكستان يقول فيه ” لقد احتججت فى مباحثاتنا بأن الهند تتكون من أمتين – الهندوس والمسلمين – وأن كلاً له أراضيه الخاصه به ولكن لا أجد لرأيك سنداً من التاريخ …فلو كانت الهند أمه قبل دخول الإسلام فينبغى أن تظل كذلك على الرغم من تغيير معتقد كثير من أبنائها. إنك لا تدعى وجود أمه منفصله بحق الفتح بل ترد ذلك إلى قبول الإسلام, فهل تصبح الأمتان أمه واحده لو قبلت الهند بأجمعها الدخول فى الإسلام؟ ”

حصلت باكستان على إستقلالها على أساس اختلاف الدين بالرغم من أنها جغرافياً لم تكن دوله صالحه للحياه فتتكون من باكستان شرقيه وباكستان غربيه وبينهما جزء كبير من دولة الهند

حصلت باكستان على إستقلالها بعدد ضحايا لا يزيد عددهم عن خمسون ألف من الهندوس و المسلمون معاً حيث أن المهاتما غاندى كان يطوف القرى والولايات داعياً إلى المحبه والسلام لمنع القتال إضافة إلى أصوامه الكثيره التى كانت تمنع الأغلبيه الهندوسيه من قتل إخوانهم المسلمين

وتسابقت الدول العربيه والإسلاميه فى الإعتراف بالدوله الوليده ومباركتها دعماً للحريه وإرساءاً لحق تقرير المصير وإعلاءاً للمبادئ الإنسانيه ولكن لابد أن تندهش وتفاجئ بإذدواجيه وتناقض العقل العربى و أن هذه المبادئ قد يداس عليها فى أماكن أخرى أقرب إلينا جغرافياً مثل السودان

السودان يتكون من 70% مسلمون و الباقى مسيحيون و وثنيون وبها ما يقرب من 597 قبيله تتحدث أكثر من 400 لغه ولهجه مختلفه وجنوب السودان قريباً سيتمتع بدوله قابلة للحياه لا تنقسم إلى شطرين ويمر بها نهر النيل وتعتبر أرض خصبه مستعده لإستثمارت زراعيه ناهيك عن أن أغلب بترول السودان يقع فى الجنوب فإن قبلت وباركت إنفصال باكستان من منظور أن من حق الشعوب تقرير مصيرها فلابد أن تقبل وتبارك وتهلل لإنفصال جنوب السودان المختلف دينياً بل وعرقياً عن الشمال السودانى فالجنوب خليط بين المسيحيين والوثنيون والشمال أغلبيته مسلمه وتطبق الشريعه , الشمال يقول مخالفاً للتاريخ أنهم عرب والجنوب عرق أفريقى أصيل إلى آخره من الإختلافات

وإن كنت ترى أن هذا الحق يلزمه تضحيات جنوبيه وأن ثمن الحريه الجنوب سودانى لابد وأن يماثل ثمن الحريه الباكستانى فإعلم أن جنوب السودان ضحى بمليونى إنسان ناهيك عن حالات الإغتصاب وتشرد الكثيرين ومعسكرات اللاجئين تمتلأ بالفواجع التى ارتكبها الشماليون العرب أما وإن لم تقتنع بما طرحته من منظور إنسانى فسأضيف إليك أيضاً أننا قد نفقد مصالحنا فى جنوب السودان لما فعلناه سابقاً أو لو لم نغير سياستنا تجاه جنوب السودان بالإضافه إلى وجوب إعادة بث أفكار مختلفه للعقل العربى الموجه .. مسلوب الإراده

وقبل هذا سأطرح سؤالين صدعتنا بهما كل القنوات العربيه وأترك لك الإجابه عنهما بنفسك فى نهاية المقال

هل يقبل جنوب السودان أن يكون عضواً بالجامعه العربيه ؟ هل انفصال جنوب السودان سيؤثر على قضية مياه النيل ؟ هل السبب فى أن نفقد مصالحنا سيكون إسرائيل ولعبها فى الدول الأفريقيه أم أيادينا المبروكه؟

ما فعلناه سابقاً يبدأ فى فبراير 1953 عندما اتفقت مصر وبريطانيا على منح السودان الحكم الذاتى تم دعوة السياسيون الشماليون فقط إلى اجتماع القاهره ولم تتم دعوة الجنوبيون وخوفاً من رفضهم الإستقلال تم وعدهم بتحقيق مطالبهم بعد الاستقلال ثم تم النكوص بالوعود

فى معركتى الكرمك وقيسان فى الثمانينات قصفت الطائرات العراقيه المدينتين الجنوبيتين ودمرتهم نهائياً

ليبيا ومصر قدمتا الدعم العسكرى لشمال السودان وقصفت الطائرات الليبيه والمصريه مدن وقرى جنوب السودان تحت غطاء ما يسمى بإتفاقيات الدفاع المشترك ولذلك كان أحد أهم بنود إتفاقية ” الميرغنى – قرنق” الموقعه فى أديس ابابا فى نوفمبر 1988 هو إلغاء كل الاتفاقيات العسكريه المبرمه بين السودان والدول الأخرى التى تؤثر على السياده الوطنيه .

بعد اتفاقية 1929 بين مصر والسودان بشأن مياه النيل أنشأت مصر مكاتب الرى المصرى بطول نهر النيل فى جنوب السودان والتى يشرف عليها رجال أمن مصريون ووظيفتها قياس هبوط وارتفاع المياه سنويا ومنع قيام السدود و منع الزراعه على ضفاف النيل إلا بأمر من مكاتب الرى

سياسة مصر الرسميه والشعبيه تدعم الشمال السودانى وترفض الانفصال تماماً

بينما أرسلت مصر شبابها لتحرير فلسطين ثم تحرير اليمن ثم تحرير أفغانستان ثم تحرير البوسنه لم ترسل أحداً لتحرير جنوب السودان وبينما تشجع نقابة الأطباء المنتسبين إليها على السفر إلى العراق و فلسطين لا تشجع أحداً على الذهاب إلى معسكرات اللاجئين الجنوبيين وبينما يُعلن فى كل مكان أرقام حساب التبرعات فى البنوك للفلسطينيين وشعب البوسنه بعد كل اعتداء عليهم مما يوحى لك بأننا أعظم الشعوب إنسانيه فقلبنا يتوجع على القريب والبعيد فى البوسنه وتحاول جاهداً أن لا تلتفت إلى شعار جمع التبرعات أو الدم وهو ساند أخاك المسلم وأنا لست ضد مساندة أخى المسلم ولكنى أؤمن أن الإنسانيه لا تتجزأ فهل جمعنا تبرعات مره واحده لجنوب السودان ..يا أخى إحنا كنا فى أوقات بنجمع تبرعات لشعب الصومال .. تخيل !!

أثيوبيا وأوغندا هما الداعمان الأساسيان لكل حركات التحرر فى جنوب السودان وبالطبع نعلم موقف أثيبويا من مياه النيل فهى الداعيه إلى إتفاقيه جديده تم توقيعها على أرض أوغندا منتصف العام الماضى و حتى تكتمل الصوره عن مياه النيل فإليك رأى أحد مثقفى الجنوب جون قاى نوت يوه  فى كتابه ” جنوب السودان أفاق وتحديات” يقول ” لا شك أن مصر ظلت تعيش فوق قوتها المائيه على حساب دول أخرى وحاولت أن تحل مشاكلها الإقتصاديه عن طريق فرض نفسها كلاعب قوى فى السياسه الإقليميه الأفريقيه والعربيه.”

إن العقل الأفريقى سواء فى جنوب السودان أو أثيوبيا أو أوغندا يتذكر لنا أحاديثنا التى تخرج من عقليات لا تعى أننا دولة مصب وأننا نشترك مع دول أخرى فى نهر النيل فيتذكرون لنا مشروع رى سيناء و يقولون أنها ليست فى أفريقياً أساساً ويتذكرون لنا مشروع تحويل مياه النيل إلى السعوديه و لا يخفى عليهم ما قاله الرئيس السادات للإسرائيليين حيث وعدهم بأن يرسل إليهم مياه النيل العذبه إلى صحراء النقب أضف إلى ذلك مشروعات تم تنفيذها وهم يرون فيها إهدار لمياه النيل مثل مشروع ترعة السلام و قناة توشكى ويسمون هذا تحويلاً لنهر النيل عن مجراه الطبيعى.

إن تحركنا من خلال أيدولوجيه دينيه أو أيدولوجيه عربيه نحو الآخرين سيفقدنا مصالحنا فلابد أن نتخلى عن عقلنا المتناقض قليلاً الذى يدفعنا لدعم هذه الدوله المسلمه أو هذه الدوله العربيه أما أن تكون هذه الدوله مسيحيه أو وثنيه أو أفريقيه فلا شأن لنا بها ولا تؤثر علينا قد يكون هذا الطرح صحيحاً لو أقنعتنى أن النيل ينبع من البوسنه وليس أثيوبيا !!