بالرغم من كل محاولات ثورة يوليو للوصول إلى أكبر قدر من العدالة الإجتماعية لتحقيق التوازن و الإستقرار للمجتمع حتى و لو كانت منقوصة حسب رأي اليساريين ، إلا أنه مع منتصف السبعينات و مع بدأ تطبيق سياسة الإنفتاح الإقتصادي بدأ التغيير تهب رياحه على السياسة الإقتصادية المصرية و التي أثرت بالتالي على التركيبة الإجتماعية ، فقد حملت تقارير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام أن السياسات الإقتصادية منذ بداية الثمانينات أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية بالشكل الذي أدي إلي زيادة ارتفاع معدلات الفقر ، و ارتفاع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق ، و حذر التقرير من الانحيازات الطبقية الصارخة للنظام للطبقات العليا ، و تضمن أيضا فصل بعنوان الفقر و التهميش في مصر يكشف بوضوح عن واقع الفقر في مصر و حظوظ الشعب المصري منه ، نستطيع معه أن نقول هذه هي مراحل تكوين خريطة الفقر الجديدة في مصر ، كما تعرض التقرير إلي الأرقام الحقيقية لنسب البطالة التي ابتعدت بصورة كبيرة عن الأرقام التي تتداولها الحكومة ، ولكن إنحدار الإقتصاد المصري لم يكن ناتج لسياسات الحكومات في فترة الثمنيانات فقط بل بدأت منذ السبعينات حيث بدأت الحكومة في تطبيق سياسة الإنفتاح الإقتصادي الذي كان له أثر بالغ في إنهيار قيمة الجنيه المصري ، ففي فترة الستينات كان سعره في مقابل الدولار يصل إلى 3 دولار لكل جنيه ثم أنخفض ليصل سعر الدولار لـ 0.75 قرش  ، ثم يتواصل الإنخفاض إلى أن يصل إلى 3.5 جنيه في منتصف الثمانينات مع تطبيق سياسة تحرير سعر العملة ، ليرتفع بالتالي معدل التضخم في وقت لم يكن هناك غطاء إنتاجي يستطيع أن يعوض هذا التضخم و يسيطر عليه.

ورقة أكتوبر و بداية الهوة
في يوم عيد العمال 1 مايو 1974 أعلن الرئيس السادات عن ورقة أكتوبر  و التي جعلت من سياسة الإنفتاح هي طوق النجاة للإقتصاد المصري ، على اساس أن أعباء الإنفاق العسكري قد هبط بمعدل التنمية في مصر من 6.7% سنويا خلال الفترة ما بين 1956 إلى 1966 ، إلى أقل من 5% ، و رأى السادات أنه لا مفر من الإستعانة بموارد خارجية عن طريق جذب مزيد من الإستثمارات لضخ مزيد من الأموال لإسراع معدل التنمية ، و على هذا صدرت مجموعة من القوانين من أهمها ما يلي : -
القانون رقم 43 لسنة 1974 و تعديلاته : فتح هذا القانون الباب لرأس المال العربي و الأجنبي للأستثمار في جميع المجالات الإقتصادية مع إعطاءه كل الضمانات مثل عدم جواز التأميم أو المصادره ، كذلك منح تلك المشروعات أمتيازات ضريبية لمدة تصل إلى خمس سنوات تصل إلى حد الإعفاء الكامل من الضرائب على الأرباح و حرية تحول الناتج سواء كان بالعملة المحلية أو الحرة للخارج
القانون 118 لسنة 1975 للاستيراد والتصدير : أتاحت نصوص القانون للقطاع الخاص حرية الإستيراد بلا ضوابط مما أدى إلى أستنزاف العملات الأجنبيه من خزينة الدولة و بالتالي زاد معدل الأقتراض لتعويض الناتج من هذا الإنخفاض
قانون النقد الأجنبي رقم 97 لسنة 1976 : حرر هذا القانون التعامل في النقد الأجنبي من القيود المفروضة عليه ، مما أعطى الفرصة للبنوك الأجنبية الحصول على ودائع بالعملات الأجنبية و حرية تحويلها للخارج
نظام الاستيراد بدون تحويل عملة : فتح مجال الإستيراد بالكامل دون الرجوع للجهاز المصرفي مما أستنزف أيضا الأحتياطي النقدي في البنوك من العملات الأجنبية
إنهاء العمل باتفاقات التجارة و الدفع : بهذا القرار ربط مصر بالأسواق العالمية و جعلها فريسة للتقلبات الاقتصادية لاسواق البورصات العالمية ، مما جعل التخطيط الأقتصادي شبه مستحيل ، و بهذا أنتهت جميع الأتفاقات التجارية التي كانت بين مصر و الحكومات الأخرى للتبادل السلعي و التي كانت تحافظ على الأحتياطي النقدي و على مستويات الاسعار و التضخم
تفكيك القطاع العام : بالرغم من إقرار الدستور المصري أن القطاع العام هو اساس التنمية الأقتصادية و أن له السيطرة الأساسية على القطاعات الأستراتيجية بالدولة ، إلا أن رغبة السادات الغير مبررة لدفع البلاد لسياسة الأقتصاد الحر بلا ضمانات حقيقية للحفاظ على القطاع العام جعلته يتسرع في إصدار قوانين مخالفة للقواعد الدستورية و عي القوانين 43 لسنة 1974 و الذي عدل بالقانون 32 لسنة 1977 ، اللذين جعلا القطاع العام يقع فريسة أمام الأستثمار الأجنبي بدون حماية أو تحديث و تطوير له ليسقط القطاع العام سريعا بالرغم أنه كان العماد الأساسي للخطة الخمسية الأولى و التي أعتبرتها العديد من منظمات الأمم المتحدة حينذاك كخطة نموذجية لتطوير الدول النامية.
و من أهم تداعيات سياسة الأنفتاح الأقتصادي هو تحويله إلى قطاعات متنافسة و ليست متكاملة لكل منهم قواعده و آلياته الخاصة مثل قواعد التسعير و الأجور و التمويل مما أدى إلى إنهيار سريع في القطاع العام ، لينخفض نصيبه من الأستثمار من 90% في أوائل السبعينات إلى 77% مع نهاية السبعينات ثم 75% في الخطة الخمسية 1982/1987، كما جرى أستنزاف للخبرات و العمالة المدربة سواء بالهجرة إلى الدول العربية أو أنتقالها إلى الشركات الإستثمارية الجديدة ، اي لتشغيل القوة المنافسة للقطاع العام.
و قد أثبت كل التقارير الرسمية من أجهزة الرقابة المختلفة أن هذا النمو كان نموا هشا ، فهو خدمي في المقام الأول ، لتتراجع القطاعات الإنتاجية و يقل مساهمتها في الناتج القومي ، فالقطاع الخدمي وصل معدل النمو فيه من 12% إلى 14% بينما في المقابل أنخفض معدل نمو الزراعة إلى 2% ، و لم تتعدى معدلات النمو في قطاع الصناعة عن 6% ، فالنمو هنا لا يستند إلى عناصر إنتاجية بل إلى طفرات خاصة مثل إرتفاع سعر البترول ، عائد قناة السويس ، تحويلات المصرييين العاملين في الخارج ، بالإضافة إلى دخول أموال أجنبية للإستثمار الداخلي ، الإقتراض من الخارج ، و بالرغم من أن إحدى اسباب سياسة الإقتصاد هو تقليل الإعتماد على القروض الخارجية حسب ما صرح به السادات في خطابه السابق ذكره ، إلا أن الحقيقة هو زيادة الدين من 2.1 مليار دولار عام 1973 ، وصل إلى نحو 15 مليار عام 1979 ، و أرتفع إلى 20 مليار 1983.
بالطبع مع إرتفاع مستوى الدين الخارجي ، و أنخفاض معدل النمو أن يحدث تضخم فأرتفع معدل التضخم إلى 11% عام 1974 ، ثم إلى 13% عام 1977 ، و في عام 1980 ارتفع إلى 21% ، بينما من قبل لم يتجاوز معدل التضخم حاجز الـ 4% حتى عام 1973 ، و بالطبع تأثر المجتمع المصري بكل هذه التغيرات.

السبعينات و إعادة تشكيل المجتمع المصري
أدت سياسة الإنفتاح إلى ردة إجتماعية حادة ، فقدت شهدت مصر نموا هائلا في الأنشطة الطفيلية التي أخذت صورا عديدة مثل إستغلال النفوذ السياسي و الإداري ، الرشوة ، التواطؤ مع القطاع الخاص على حساب القطاع العام ، المضاربة في الأراضي و العقارات ، الإستيلاء على اموال الدولة ، كل ذلك أثر سلبيا على القيم التي كانت سائدة في المجتمع المصري ، و كان من أخطر ما شاهدته مصر هو تحكم صندوق النقد و البنك الدولي في التخطيط الإقتصادي للبلاد ، ففرض على الحكومات تنفيذ سياسات أضرت بالمجتمع بل كانت معوق للتنمية.
أعتبر الخبراء الإقتصاديين و الإجتماعيين أن ما حدث في منتصف السبعينات هو إنقلاب لم يحدث في يوم و ليلة ، بل كنا نستيقظ كل يوم على تراجعا جديدا عما فعلته الحكومة في الخمسينات و الستينات ، الإصلاح الزراعي لم يكتف بوقف تقدمه ، بل ألغيت الحماية التي كانت الحكومة تصبغها على مستأجري الأرض إزاء مالكيها و الأسعار جرى تحريرها واحدا تلو الآخر و الدعم تم تخفيضه و المشروعات التي تم تأميمها و إنشائها خضعت لما سمي بسياسة الخصخصة.
كل هذه التحولات أثرت على المجتمع المصري ففي بداية عصر الإنفتاح في الفترة ما بين 1975 إلى 1985 شهدت مصر إرتفاعا ملحوظا في معدل النمو و بالتالي إرتفاع في متوسط الدخل للفرد  ، إلا إن هذا التحول الذي حدث في السياسة الإقتصادية المصرية اضرت بتوزيع الدخل و بتوازن الهيكل الإقتصادي .
الطبقة المتوسطة بين فكي الرحى.

كانت أكثر الطبقات تأثرا بسياسة الأنفتاح الإقتصادي هي الطبقة المتوسطة التي وجدت نفسها فجأة في تحديات ، فبسبب طبيعة تكوين تلك الطبقة التي تستثمر بشكل واضح في تعليم أولادها و تحرص على حصولهم على شهادات جامعية ، للحفاظ على الأرث الاسري ، و هذا يوضح لنا أن الغالبية العظمى من تلك الأسر كانت تملك أرثا أجتماعيا أكثر منه ماديا ، مثل المركز القيادي في إحدى المؤساسات ، و كانت تحرص أسر الطبقة المتوسطة على توريث تلك المكانة إلى أولادها ، و ظهر ذلك جليا في مرحلة الستينات التي شهدت تنامي للشرائح البيروقراطية التي تعمل في مؤسسات الدولة ، إلا أنه مع بدأ سياسة الإنفتاح و التوجه نحو الخصخصة ، بدأت تلك الطبقة تفقد مميزاتها السياسية و الإجتماعية ، أمام طبقات أخرى ، فحاولت تلط الطبقة أن تحافظ على وجودها و تميزها و أتجه جزء كبير منها إلى العمل بالخليج خصوصا بعد تنامي الفائض النقدي بها مع ارتفاع أسعار البترول ، إلا أن شريحة أخرى لم تستطع ذلك و حاولت الحفاظ على نفسها و وجدت في شركات توظيف الأموال التي أستغلت التغيرات الإجتماعية السريعة و رغبة الطبقة المتوسطة في الحفاظ على كيانها الإجتماعي و المادي ، فاستطاعت تلك الشركات جذب الجانب الأكبر من المدخرات النقدية لتلك الفئة إلا أن هذا المنفذ سقط بسبب عدم وجود الرؤية الأقتصادية الحقيقية له و أعتمد فقط على رغبة الأفراد في الخروج السريع في مأزقهم ، ليبدأ مسلسل سقوط الطبقة المتوسطة ، و في نفس الوقت شجعت الدولة نمو البرجوزايات الصغيرة التي تقوم على المشروعات الخاصة ، فدفعت خريجي الجامعات للعمل في إمتهان أعمال بسيطة مثل بيع الخضروات و الألبان و أنابيب البوتجاز ليحدث تحول في بنيات تلك الطبقة ، حتى التقسيمات الطبقية للمناطق السكانية بدأ من ثمنينات القرن الماضي تغيرت ، فكان من قبل معروف أن مناطق كالزمالك و جاردن سيتي يوجد بهما الطبقة الثرية ، و أن الطبقة الوسطى توجد في مناطق الزيتون و ساري القبة و غيرها من المناطق المشابهة ، أما الآن فنجد شرائح من الطبقة الوسطى و الدنيا تسكن بولاق الدكرور  و ابو العلا ، نتج عن كل ذلك جيل جديد منفصل ثقافيا عن الجيل الأقدم ، فهو فقد الإحساس بالإنتماء بعد أن تخلت عنه الدولة في بداية طريقه للحياة و تركته وحيدا و سط صراعات و إحباطات كبيرة أقوى من قدراته و تغيرت المفاهيم و اصبحت الفهلوة هي الأساس و القدرة على النفاق و الكذب جزء من التركيبة الشخصية الناجحة ، و تاكد له ذلك بوجود نماذج أستطاعت أن تجد لنفسها مكانا مميزا بالمجتمع و هي لا تمتلك المقومات الحقيقية لذلك ، و لكنها تمتلك قدرات أخرى تناسب المفاهيم السائدة ، و أصبح من لا يمتلكها غارقا في التيه ما بين قناعات داخله و حقيقة يتعامل معها …
و يتحدث دكتور جلال أمين في كتابه “ماذا حدث للمصريين” عن هذا الصراع الذي حدث نتيجية لأختلاف السياسات الاقتصادية و الإجتماعية بين الحقب الزمنية المختلفة التي مرت على مصـر فيقول ” نستمع دائما لشكاوى الأقتصاديين من شدة الإعتماد على إستيراد الغذاء و إختلال توزيع الدخل و أنصراف الإستهلاك إلى السلع الترفيهية على حساب إشباع الحاجات الأساسية ، كذلك الشكوى من شيوع الفساد و إزدياد حوادث العنف ، و تفكك الأسرة و إنتشار قيم مادية تعلي من قيمة المكسب السريع على حساب العمل المنتج و إزدياد تغريب الحياة ، سواء كانت في شكل أنماط سلوكية يومية أو في اللغة المتداولة ، و إنتشار تقديس كل ما هو أجنبي و تحقير كل ما هو وطني ، وشكا المعلقون السياسيين من ضعف روح الإنتماء الوطني ، و إنتشار اللامبالاة بالقضايا القومية الكبرى ، مقابل الإنشغال بقضايا الحياة اليومية المعيشية كلقمة العيش ؛ و كذلك شكوى المهتمون بالقضايا الثقافية من شيوع ثقافة هابطة تهتم بالجنس و المادة ، و من شيوع اللا عقلانية في التفكير الديني و تدهور مستوى التعليم و إنحطاط حال الجامعة … ألخ.”
كما فسرها د.جلال أمين أن من الأسباب المهمة التي زادت الصراع الطبقي هو هوس الهجرة الذي بدء من منتصف السبعينات لدول النفط طمعا في الوصول إلى مستوى مادي أفضل ، مما أدى إلى تأصيل عادات لم تكن متعارف عليها في المجتمع المصري ، فالهجرة لم تغير فقط الشكل المادي بل أنتقل للمحتوى الثقافي للمصريين اللذين تأثروا بثقافات مختلفة و التي سوف تكون لنا وقفة معها ، فطبيعة المجتمع المصري لم تكن طبيعة إستهلاكية على مر العصور ، و بهذا أعلن السادات فعليا بدأ من عام 1974 نهاية حقبة يوليو بشكل فعلي فمبادئها أنتهت  مع إطلاق ورقة أكتوبر و بدأ عصر جديد مختلف تماما الإختلاف عنها ، و لم يعد هناك اي رابط يذكر بين فترةالسادات و ما بعدها و فترة الشرعية الثورية كما يحب أن يطلق عليها الناصريون …