يوم الجمعة الماضي، شارك عدد لا بأس به من المواطنين في مسيرات دعيت بمسيرات الغضب في بعض من المدن ألأردنية. كان الشعار الأساس الذي رفعه السائرون هو المطالبة بإسقاط حكومة دولة السيد سمير الرفاعي نتيجة للقرارات التي تبنتها في بيان الثقة بإيقاف التعيينات وعدم زيادة الرواتب حتى نهاية السنة، ورافق ذلك ارتفاع في أسعار المحروقات بالإضافة لكثير من الزيادات في أسعار مواد أخرى غذائية ومواصلات وغيرها. وإن تراجعت الحكومة عن بعض قراراتها، فتراجعها لم يكن بدافع الرأفة بالمواطنين أو تحقيقا للعدل في توزيع الثروات. وإنما كان بسبب التوجيهات الملكية في الدرجة الأولى ثم لتعبيرات الغضب والثورة التي بدأت لدى بعض الشعوب التي تتنافس مع الشعب الأردني في القهر والمذلة والكبت والمعاناة والضيم.

الشعار الثاني الذي رفعته الجماهير الغاضبة هو رفض مجلس النواب خاصة المائة وأحد عشر نائبا الذين منحوا الثقة للحكومة دون أن يعودوا لقواعدهم التي انتخبتهم ودون أدنى اعتبار لمصالح المواطنين. كما سرت شائعات لم يفندها أي نائب بإنهم استلموا ثمنا لهذه الثقة، شيكات بخمسين ألف دينار مع رفع رواتبهم لتبلغ خمسة ألاف دينار شهريا، ولم يقم أي منهم بتفنيد هذه المعلومة سلبا أم إيجابا.

وقبل الخوض في هذه النداءات التي أطلقتها الجماهير الغاضبة، فإنه يجب على النواب أولا والحكومة ثانيا أن لا يعتقد أي منهم أو يساورهم الشك، بأن هذه المطالب هي فقط لبضعة من الآلاف الذين ساروا في هذه المسيرات، وإنما هي مطالب للغالبية العظمى من الناس. فليس كل الناس إيجابيين لدرجة الخروج في المظاهرات والمسيرات. غالبيتهم ينتهزون يوم الجمعة للبقاء مع عائلاتهم للراحة والتواصل مع المعارف والأصدقاء. والغالبية الأكثر يخشون هذا الشكل من التعبير خوفا من التعرض للعنف، أو أن تتخذ منهم الأجهزة الأمنية مواقفا تؤثر على وظائفهم وحياتهم العملية.

سأترك الجانب الحكومي ومطلب التغيير الذي نادت به الجموع الغاضبة وأشير إلى الجانب النيابي الذي سارع بعده بعض النواب للإدعاء بأنهم سيطلبون إعادة طرح الثقة بالحكومة كي يحجبوها في هذه المرة. ولا أعلم هل هؤلاء النواب فعلا كانوا مواطنين عاديين قبل ثلاثة أشهر أم أنهم من طينة وعجينة أخرى تختلف عن الناس. لا أعلم ماذا يعتقد هؤلاء النواب الكرام في استخفافهم للناس حتى يعتقدوا أن مثل هذه الحركات تنطلي على الجميع. ألم يكونوا قبل بضعة أشهر مواطنين على درجة من الوعي ليكشفوا مثل هذه الحركات؟ هل باتوا يعتقدون أنهم على درجة من العبقرية بحيث تنطلي حيلهم علينا؟ ألا يعلمون أن حركات التذاكي هذه أشد سذاجة من أن تنطلي على أطفالنا وليس علينا؟

إذا كانت عملية شراء الحجب التي مارستها الحكومة وأشرنا إليها في مقال سابق قد فشلت فهل يعتقد النواب الكرام أنهم سينجحون بإعادة التمثيلية ليعيدوا تلميع صورتهم؟

يجب على نوابنا الكرام أن يفهموا أن الشعب أذكى من أن تنطلي عليهم هذه التمثيلية الساذجة. لا داعي لإضاعة الوقت وعليهم استغلاله فيما يعود بالنفع على الناس، وهم يستغلونه فعلا بما يكفي ليعود عليهم شخصيا بمنافع ذاتية.

وإن لم يصل إليهم هذا الصوت فأرجو أن يصل إلى النواب الأفاضل الذين حجبوا الثقة في المرة الماضية بأن يرفضوا إعادة طرح الثقة حتى لا يسمحوا للمتاجرين بشعوبهم بالتسلق على ظهورنا وظهورهم. وإن كان لا بد من طرح الثقة، فنرجوا منهم عدم المشاركة فيها بالغياب أو الإمتناع، فمن يريد أن يسجّل موقفا سجله وانتهى وعرفنا فلانا من فلان واستطعنا أن نميز بينهم بما يكفي.

لن يطول الأمر على الأغلب لأربع سنوات وستكشف الصناديق عندها حقيقة ما عرفه الناس عن نوابهم ألأفاضل.

وأخيرا همسة في آذانهم، مواقفهم من القوانين ووقوفهم في جانب الشعب هو ما سيحفظه لهم الشعب، وليس الحركات التمثيلية والمظاهر الشكلية.

[email protected]