فى احدى الايام وبينما اتصفح الانترنت رايت اعلان عن شركة سياحية تطلب موظف دعاية فقررت الذهاب لاقدم فيها وكانت تلك الشركة فى شارع 26 يوليو بالقاهرة.
استيقظت مبكرا من نومى على غير العادة وارتديت افضل الملابس وذهبت الى القاهرة.
نزلت فى محطة مترو جمال عبدالناصر باعتبارها اقرب محطة مترو الى الهدف المرغوب الوصول اليه.
يا الهى… زحمة رهيبة… سيارات … مشاة … اتوبيسات… اصوات … اصابنى كل هذا بالصداع.
اسير فى شارع 26 يوليو … ارى على مدى البصر كتلة من اللون الاسود وكانها اجولة فحم تم سكبها فى منتصف الشارع.
يصيبنى الفضول… اود ان ارى مايحدث… اسير بخطى متزنة… اجدها مجموعه من العساكر ترتدى الملابس السوداء وتحمل العصى والدروع وكانها حربا…
كلا ليست حربا فهناك فى المنتصف مجموعه من الشباب بملابسهم المدنيه يهتفون بالحرية وما الى ذلك.
يصيبنى الفضول اكثر.
هناك احدهم يرتدى بذلة و نظارة شمس ويقف على حافة الطريق ليتابع ما يحدث.
اقترب منه وقد ملأنى الفضل.
اساله عما يحدث ويدور بيننا الحوار التالى:-
أنا: صباح الخير.
هو: صباح النور… خير.
أنا: معل شانا كنت ماشى وشفت زحمة … هو فى ايه؟؟
هو : مفيش شوية شباب عاملين وقفة علشان زميلهم المعتقل.
أنا: لا حول الله .. الناس دى عاوزة ايه.. يقولوا مش لاقيين ناكل ونشرب.. نجيب لهم الاكل والشرب وبرضو مش عاجب.. هو الاخ المعتقل دا مش بياكل ويشرب وينام جوه ببلاش ومن غير ولا مليم؟؟؟
طيب هما عاوزين ايه دلوقتى؟؟
هو : مش عارف .. انت شكلك مواطن صالح .. ماتخش تكلمهم.
أنا: انا رايح مقابلة شغل وها اتاخر.. لو خلصت بدرى ها اجى اقول لهم.
هو : لا ماتخافشهانوصلك الشغل بعربية مخصوص بس خش قول لهم.
انا: طيب ليه حضرتك مهتم اوى كده انهم يمشوا … هو مين حضرتك؟؟
هو : انا المقدم حسام السورى رئيس المباحث هنا.
انا: حاضر يا افندم… انا ها اخش اقول لهم.
هو: (بصوت عالى ) افتح الطريق يا ابنى خلى الاستاذ يدخل.
احد العساكر يفتح الطريق ليدخل الاستاذ اللى هو انا طبعا لاصبح وسط المظاهرةاذهب الاتكلم مع احدهم الواضح من شكله انه مثقف ومحترم وبينما نتحدث اذ اجد الجميع يتحركون ليلتحموا مع العساكر فاقرر الهروب كى لا اصاب بعصا احد العساكر وبينما احاول الفرار اجد ثلاثة من رجال الشرطة يحملوننى ويضعونى فى عربة الشرطة وانا اصرخ طارت الوظيفة.
وفى قسم الشرطة اطلب مقابلة رئيس المباحث ليرد على احد العساكر بتهكم مستعجل ليه ما انت كده كده هاتقابله.
اظل فى غرفة مترين فى مترين مع ما يقرب من الثمانون شخصا
البعض لا يستطيع التنفس
البعض يجلس القرفصاء على الارض
البعض يتحث
لاسمع صوتا يخترق الجميع ويصل الى اذنى وهو يدندن
“مصر يا اما يا بهية يا ام طرحة وجلابية”
اتناسى كل ماحولى واركز مع الصوت لاجده يعلو شيئا فشيئا مع وجود كورال طبيعى وبدون ترتيب يرد معه وفجاة وجدتنى انضممت للكورال واردد معهم
اشعر بسعادة داخلية ويزول القلق من داخلى
يتحول جو الحجز من التوتر والقل الى مرح غير مبرر فهناك من يلقى النكات ومن يغنى ومن يتسامرون وكاننا فى احدى القهاوى
يفتح باب الغرفة لاجد احدهم بملابسه المدنية يدخل وينادى اسماء البعض وانا من ضمنهم
نخرج سويا ونذهب لغرفة الضابط ونسمع فى طريقنا اصوات الضرب والتعذيب مختلطة بصوت التاوهات والالام
ندخل غرفة البيه الظابط … يا الهى انه ليس حسام السورى … ماذا افعل؟؟؟
احاول ان افهمه ماحدث ولكن بلا جدوى
يصرخ قائلا: مش عاوز اسمع نفس
يسالنى: انت ايه اللى جابك مع العيال دى انت شكلك محترم وابن ناس
اروى له ما حدث
ينظر الى نظرة شك قائلا: ها اصدقك بس انت لازم تترحل على قسم الشرطة اللى انت تبعه نكشف عليك لو فى قضايا تانية
يا باشا بلاش والنبى انا كده ها اروح بلدى بالكلابشات… انا عمرى مادخلت قسم شرطة… وبعدين انا ماليش دعوة
مصدقك … بس القانون … ولا عاوزنى اخالف القانون؟؟؟
خلاص يا باشا اللى انت شايفه
اخرج لاركب سيارة الترحيلات امامى سيارة نجدة وخلفى سيارتين ملاكى على ما اعتقد انهم امن متخفى
تسير القافلة كما هى حتى تصل الى مديرية الامن… يخرج ستة رجال من السيارات الملاكى يرتدون البدل الشيك مما يؤكد شكى فيهم
يطمئنونى … ماتخافش احنا معاك.
انتم مين ؟؟!!
محامين حقوقيين
يعنى ايه
حقوق انسان
هو بلدنا فيها حقوق انسان
ادخل مديرية الامن لاجد نحو خمسة اخرون ينضمون لهم لتصبح المحصلة احدى عشر بدلة… احدهم يعطينى كيس به الساندوتشات والسجائر والعصير
ادخل غرفة الحجز وحدى … حركة غريبة فى المديرية وكانهم يتاهبون لزيارة رئيس الجمهورية… يدخل احد الرجال يرتدى الملابس المدنية وفى جمبة السلاح … يتكلم بصوت هامس … ربنا معاكم ويخرج مسرعا وكانه راى عفريت … يا الهى ماذا يحدث؟؟؟
اقضى ليلتى فى الحجز … لا استطيع النوم … اليوم الثانى … يصطحبنى احد المحامين الخمسة الذين انضموا للمجموعه امس الى مكتبه … شاى … فطار … وانا مصدوم لا ادرى اهو حلم ؟؟؟
اذهب الى منزلى … والدى يفتح الباب … ايه اللى بيتك بره البيت … انام الاول ولما اصحى نتكلم … احاول النوم … لااستطيع … اجلس على الكمبيوتر
افتح الانترنت
ابحث عما حدث
يا الهى عناوين كثيرة
منظمات عالمية تضغط للافراج عن المعتقلين
حكومات الدول تهدد بمنع المعونة
مظاهارت بالالاف امام السفارات
العصيان المدنى بدا بفضل الاعتقالات
يا الهى انها الثورة
تدخل امى وتضع يدها على كتفى
تهزنى برفق قائلة
يلا قوم يا عمرو الساعه دلوقتى 10 يلا علشان تلحق تروح الوظيفة
افيق من نومى مستغربا وفى داخلى قرار ما
سوف ارتدى ملابسى واخرج
ولكن ليس للوظيفة…