منذ ضربات ويكيليكس الإلكترونية الأخيرة، المركّزة والمتتابعة، التي أسفرت عن فضح حوالي مائتي وخمسين (250،000) ألف مراسلة بين الحكومة الأمريكية وسفاراتها حول العالم، اندلعت أول حرب معلومات حقيقية (Info-war) في العالم بين حكومات الدول العملاقة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وبين نشطاء القرصنة (Hactivisits)، وعلى رأسهم چوليان آسانچ من جهة أخرى. وإذا كان لكل فريق حتى الآن جولة في صالحه، وهي محاولات الفريق الأول الناجحة لإغلاق موقع ويكيليكس، حيث أُغلق مرتين قبل أن ينتقل بخوادمه لموقعه الحالي مجهول المزوّد، أمّا فريق القراصنة نجح في المقابل في اختراق الأنظمة البنكية الخاصة بماستر كارد، كبرى شركات الدفع الآجل العالم، في المقابل. فإن للفريق الثاني السبق في إشعال هذه الحرب، حيث يحتفظ بالسبق عبر ضربة ويكيليكس الموجعة.

الصورة من مصدر غير معلوم

لا يختلف الوضع الإلكتروني في تونس كثيرًا عن الموجة العالمية، حيث تشتعل حرب إلكترونية (Cyberwar) بين وكالة الإنترنت التونسية الموجهة حكوميًا (TIA)، والتي تمتلك النطاق التونسي المعلوماتي بأسره من جهة، ونشطاء الإنترنت من جهة أخرى. إذ اخترقت الأجهزة التونسية في الأيام الأخيرة الماضية معظم المدونات الشهيرة التي تنتقد نظام زين العابدين الشمولي، بالإضاة لاختراق حسابات المدونين الشخصية على مواقع التواصل الإجتماعي والبريد الإلكتروني.

يبلغ مستخدمي الإنترنت في تونس حوالي 3 مليون نواطن، أي حوالي 30% من إجمالي عدد الشعب التونسي يعانون جميعًا من الحجب والمراقبة الحكومية اللصيقة لأنشطتهم الإلكترونية. تدّعي الحكومة التونسية أنها تحجب فقط المواقع الإباحية والإرهابية، ولكنها في الواقع تحجب كل المدونات والصحف ومنابر الرأي التي تنتقد الحكومة التونسية في طريقها، وعلى سبيل المثال وليس الحصر موقع جمعية مراسلين بلا حدود، موقع قناة الجزيرة العربي، نواة، تونسنيوز، موقع الحزب الديمقراطي التقدمي، هذا بخلاف يوتيوب، وغيرهم الكثير والكثير.

عندما يحاول المستخدمون التونسيون الوصول للصفحات المحجوبة، يصطدمون بخطأ المتصفح الشهير (Error 404). ويطلق عليه النواطنون في تونس، عمّار بو مجص 404 (Ammar Scissorhands 404) في إشارة إلى الحكومة التونسية ومقصّ رقابتها الشائن.

الحرب الإلكترونية التونسية المستمرة منذ أكثر من عام، أضرمتها حركة سيدي بوزيد الأخيرة (Sidibouzid#)، حيث اندلعت تظاهرات واحتجاجات خرج فيها آلاف من مواطني ولاية سيدي بوزيد الفقيرة، التي تبعد حوالي 210 كلم جنوبيّ غرب تونس العاصمة، أسفرت عن مواجهات عنيفة بين الجموع الغاضبة وقوات الأمن احتجاجًا على ما آل إليه الوضع الاقتصادي المتردّي في سيدي بوزيد.

قد ترجع هذه الطاقة غير العادية التي أبرزها المتظاهرون التونسيون الشباب في رغبتهم في النزوح تجاه الشمال التونسي للحصول على فرصة عمل، أو الفرار من فقر الجنوب. بل ويدفع هذا البعض الآخر للهجرة في قوارب الموت نحو آروپا.

اندلعت المواجهات في منتصف شهر ديسمپر/كانون الأول الماضي بعد أن أقدم شاب عاطل عن العمل، بالرغم من شهادته العليا، على إضرام النار في جسده أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، احتجاجًا منه على مصادرة أعوان الأمن لعربة بيع الخضار التي يعتاش منها، بحجة عدم حصوله على ترخيص من قِبل السلطات. وقد توفي محمد البوعزيزي الأسبوع الماضي وسط تكتّم فاضح من وسائل الإعلام التونسية الحكومية.

وقد أسفرت المواجهات حتى هذه اللحظة عن مئات الإصابات والاعتقالات لشباب ومدونين، آخرهم المدون التونسي سليم عمامو. وأثناء كتابة هذا المقالة، توافدت أنباء أخرى عن مقتل طفل يبلغ من العمر 13 عامًا، وانتحار شاب آخر في ولاية القصرين يُدعى أيوب الحميدي، ويبلغ من العمر 17 عامًا، بعد منعه من حضور جنازة البوعزيزي من قِبل السلطات.

وبالرغم من التعتيم الشديد حول الأحداث التي شهدتها سيدي بوزيد، إلا أنها حظيت بانتشار واسع على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر، بفضل الإعلام الاجتماعي، الذي سوف يسهم تدريجيًا في تغيير جذري لمنطقة الشرق الأوسط خصيصًا والعالم أجمع.

لم تعد الرؤساء والزعماء والملوك تتسيّد عناوين الأخبار هذه الأيام، ولم تعد حتى تشغل القراء والمتابعين، لأن النقلة الثورية التي أحدثها الإعلام الاجتماعي جعلت أولوية انتقال الخبر لأهميته وتأثيره، وليس لأهمية صانعه، فبات الإعلام الموجّه مشلولًا أمام سرعة ومصداقية ونشاط الإعلام الاجتماعي.

تابعوا كافة تطورات الوضع المتأزم في تونس فقط على صوت احتجاجات تونس على موقع كراود ڤويس: أصوات الاحتجاج.